نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل التاسع والثلاثون
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الثاني > الفصـل التاسع والثلاثون

في ذكر فضل الأذكار اللازمة للطريقة على التفصيل ودلائلها في الكتاب والسنة وإجماع الأمة .
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : اعلم أن الاستغفار من أهم الأبواب التي يعتنى بها ويحافظ على العمل بها ، قال يحيى بن معاذ رضي الله تعالى عنه : ليس بعارف من لم يكن غاية أمله من الله العفو . وقال ابن وهب : من عظمة ذنوب نفسه لم يطمع في الرضا وكان غاية أمله أن يطمع في العفو ومن كملت معرفته لم بر نفسه إلا في هذه المنزلة . وقال الشيخ أبو الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه : عليك بالاستغفار وإن لم يكن هناك ذنب واعتبر استغفار النبي صلى الله عليه وسلم بعد البشارة واليقين بمغفرة ما تقدم من ذنبك وما تأخر هذا في معصوم لم يقترف ذنبا قط وتقدس عن ذلك فما ظنك بمن لا يخلوا من العيب والذنب في وقت من الأوقات أهـ . وكان إبراهيم الخليل عليه السلام كثير التلاوة والبكاء فبكى يوما بكاء شديدا فنزل عليه جبريل عليه السلام فقال : يا إبراهيم إن ربك يقول لك هل رأيت خليلا يعذب خليله ؟ فقال : يا جبريل إذا ذكرت خطيئتي نسيت خلتي . وإذا كان هذا حال إبراهيم عليه السلام مع نبوته وخلته فما حال العاصي مع زلته وخطيئته فحاسب نفسك قبل أن تحاسب ومهد لها قبل أن تعذب وجاهدها الجهاد الأكبر وقل عند ذبحها باسم الله والله أكبر فالعاقل يقيم هذا الميزان على نفسه حتى يتبين له من أي الفريقين هو كفى بنفسك اليوم عليك حسيبا . وإذا فهمت هذا فاعلم أن الآيات والأحاديث قد حضت على الاستغفار ، أما الآيات فكثيرة منها قوله تعالى :{ ربنا إننا آمنا فاغفر لنا ذنوبنا وقنا عذاب النار الصابرين والصادقين والقانتين والمنفقين والمستغفرين بالأسحار } وقوله تعالى :{ ولو انهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرسول لوجدوا الله توابا رحيما } وقوله تعالى :{ ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } وقوله تعالى :{ وما كان الله معذبهم وهو يستغفرون } وقوله تعالى حكاية عن نوح عليه السلام :{ فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا } وقوله تعالى :{ فاعلم أنه لا إله إلا الله واستغفر لذنبك وللمومنين والمومنات والله يعلم متقلبكم ومثواكم } وقوله تعالى :{ سارعوا إلى مغفرة من ربكم وجنة عرضها السماوات والأرض أعدت للمتقين الذين ينفقون في السراء} إلى أن قال : { والذين إذا فعلوا فاحشة أو ظلموا أنفسهم ذكروا الله فاستغفروا لذنوبهم } وقوله تعالى :{ فسبح بحمد ربك واستغفره إنه كان توابا } ولآيات في الاستغفار كثيرة وأما الأحاديث فكثيرة معروفة لا يمكن استقصاؤها ولكن أشير إلى طرف منها فأقول : روى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : " ينزل ربنا كل ليلة إلى سماء الدنيا حين يبقى الثلث الأخير فيقول : من يدعوني فأستجيب له من يسألني فأعطيه من يستغفرني فأغفر له " وفي رواية لمسلم :" ينزل الله سبحانه وتعالى إلى سماء الدنيا حين يمضي ثلث الليل فيقول : أنا الملك من ذا الذي يدعوني فأستجيب له من ذا الذي يسألني فأعطيه من ذا الذي يستغفرني فأغفر له فلا يزال كذلك حتى يضيء الفجر " وفي رواية : "إذا مضى شطر الليل أو ثلثاه" وروى ابن جرير وابن المنذر وابن حاتم عن ابن عمر أنه كان يحيي الليل صلاة يقول : يا نافع أسحرنا ؟ ، فيقول : لا . فيعاود للصلاة ، فإذا قال نافع : نعم يستغفر الله ويدعو حتى يصبح . وروى أبو داوود في سننه والطبراني في كتاب الدعاء وأبو يعلى وابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أتاني آت من ربي فقال : من يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ، وقد كانت شقت عليهم الآية التي فيها : {من يعمل سوءا يجز به} فأردت أن أبشر أصحابي" قال : قلت : يا رسول الله وإن زنى وإن سرق ثم استغفر غفر له ؟ قال : نعم ، قلت : يا رسول الله وإن زنى وإن سرق ثم استغفر غفر له ؟ قال : نعم ، ثم ثلثت ، قال : نعم على رغم أنف عويمر . ثم قال كعب بن ذهل : وأنا رأيت أبا الدرداء يضرب أنف نفسه . وروى ابن جرير وابن المنذر من طريق عن ابن عباس في قوله : {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله} قال : أخبر الله تعالى عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته ، فمن أذنب ذنبا صغيرا كان أو كبيرا ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال . وروى ابن جرير وعبد بن حميد والبيهقي في شعب الإيمان عن ابن مسعود قال : كان بنو إسرائيل إذا أصاب أحدهم ذنبا أصبح قد كتبت له كفارة ذلك الذنب على بابه ، وإذا أصاب البول شيئا منه قرضه بمقراض . فقال رجل : لقد آتى الله بني إسرائيل خيرا . فقال ابن مسعود : ما آتاكم خير مما آتاهم ، جعل الله الأرض طهورا . وقال : {ومن يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} . وروى ابن جرير عن حبيب بن ثابت قال : جاءت امرأة إلى عبد الله بن مغفل فسألته عن امرأة فجرت فحملت ولما ولدت قتلت ولدها ، فقالت : ما لها ؟ فقال : لها النار ، فانصرفت وهي تبكي فدعاها فقال : ما أرى أمرك إلا أحد أمرين ، {من يعمل سوءا أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما} فمسحت عينها ثم مضت . وروى الترمذي عن أبي موسى الأشعري قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : "أنزل الله تعالى أمانين لأمتي : {وما كان الله ليعذبهم وأنت فيهم وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} فإذا مضيت تركت فيهم الاستغفار" . وفي ترغيب الطالب إلى أشرف المطالب عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال : عجبت لمن يهلك ومعه النجاة . قالوا : وما هي ؟ قال : الاستغفار . قال : وقرأ : {وما كان الله معذبهم وهم يستغفرون} . وروى عن محكول : ما دام في الناس خمسة عشر يستغفر كل واحد منهم الله في اليوم خمسا وعشرين مرة لم يهلكوا بعذاب عام . وفي ترغيب الطالب قال علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : أني عجبت ممن يشكو ضيق الرزق ومعه مفاتيحه . قيل له : وما هي ؟ قال : الاستغفار . وقد نبه عليه قوله تعالى : {فقلت استغفروا ربكم إنه كان غفارا يرسل السماء عليكم مدرارا ويمددكم بأموال وبنين ويجعل لكم جنات ويجعل لكم أنهارا} . وروى مسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : "والذي نفسي بيده لو لم تذنبوا لذهب الله بكم ولجاء بقوم يذنبون ويستغفرون الله فيغفر لهم" . وروى أبو داود والترمذي عن مولى لأبي بكر رضي الله تعالى عنه عن أبي بكر الصديق رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ما أصر من استغفر وإن عاد في اليوم سبعين مرة" ، قال الترمذي : ليس إسناده بالقوي . وروى الترمذي عن أنس رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : قال الله تعالى : "يا ابن آدم إنك ما دعوتني ورجوتني غفرت لك على ما كان منك ولا أبالي ، يا ابن آدم لو بلغت ذنوبك عنان السماء ثم استغفرتني غفرت لك ، يا ابن آدم ولو أتيتني بقراب الأرض خطايا ثم لقيتني لا تشرك بي شيئا لأتيتك بقرابها مغفرة" . وروى ابن ماجة بإسناد جيد عن عبد الله بن بشير قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "طوبى لمن وجد في صحيفته استغفارا كثيرا" . وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال فيما يحكيه عن ربه عز وجل : "إذا أذنب عبد ذنبا فقال : اللهم اغفر لي ذنوبي فقال تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنوب ويأخذ بالذنب فقال : أي رب اغفر لي ذنبي . فقال تبارك وتعالى : عبدي أذنب ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنوب ويأخذ بالذنب . ثم عاد فأذنب فقال : أي رب اغفر لي ذنبي . فقال تبارك وتعالى : أذنب عبدي ذنبا فعلم أن له ربا يغفر الذنوب ويأخذ بالذنب قد غفرت له فليفعل ما يشاء" . وفي رواية : "اعمل ما شئت قد غفرت لك" . وروى مسلم عن ابن عمر رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "يا معشر النساء أكثرن من الاستغفار فإني رأيتكن أكثر أهل النار ، قالت امرأة منهن : ما لنا أكثر أهل النار ؟ قال : تكثرن اللعن وتكفرن العثير ، ما رأيت من ناقصات عقل ودين أغلب لذي لب منكن ، قالت : ما نقصان العقل والدين ؟ قال : شهادة امرأتين بشهادة رجل ، وتمكث الأيام لا تصلي " . وروى ابن حنبل والحاكم وقال : صحيح الإسناد . عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : "قال إبليس لعنه الله : وعزتك لا أبرح أغوي عبادك ما دامت أرواحهم في أجسادهم . فقال الله : وعزتي وجلالي لا أزال أغفر لهم ما استغفروني " . وفي ترغيب الطالب روى بإسناد لا بأس به عن الزبير رضي الله تعالى عنه أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : يا رسول الله أحب أن تقل ذنوبي . فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : "استغفر الله دائما تقل ذنوبك" . وفي ترغيب الطالب : وروى أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أكثروا من الاستغفار فإن الاستغفار يأكل الذنوب كما تأكل النار الحطب وكما تأكل الشاة الخضرة وإن صحيفة المرء إذا عرج بها إلى السماء ولم يكن فيها استغفار لم يكن لها نور وإذا طلعت وفيها الاستغفار كان لها نور يتلألؤ وإن لم يكن فيها إلا استغفار يسير ، وما جلس قوم بمجلس لهو ثم ختموه بالاستغفار إلا كتب لهم مجلسهم ذلك استغفار كله".وروى الطبراني في كتاب الدعاء عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : جاء رجل إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فقال : يا رسول الله إني أذنب فقال له النبي صلى الله عليه وسلم إذا أذنبت فاستغفر ربك قال فإني أستغفر ربي ثم أعود فأذنب قال : فإذا أذنبت فاستغفر ربك فقال في الرابعة : استغفر ربك عز وجل حتى يكون الشيطان هو المخسأ . وروى صاحب الفردوس عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال : قال صلى الله عليه وسلم :" ما من عبد يختم صحيفته عند مغيب الشمس بالاستغفار إلا محي ما دونها " وروى أبو منصور الديلمي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إن لكل صدئ جلاء وإن جلاء القلوب الاستغفار " . وروى الطبراني في كتاب الدعاء عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ما لقي عبد ربه عز وجل في صحيفته بشيء خير له من الاستغفار " أهـ . والأحاديث الواردة في فضل الاستغفار كثيرة جدا وفي ما ذكرناه كفاية . وأما فضل الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فمعلوم مشهور ببن المسلمين ويكفي في ذلك قوله تبارك وتعالى :{ إن الله وملائكته يصلون على النبي يا أيها الذين آمنوا صلوا عليه وسلموا تسليما } وأما الأحاديث الواردة في فضلها فكثيرة مشهورة . روى مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن حبان في صحيحه مرفوعا : " من صلى علي واحدة صلى الله تعالى عليه بها عشرا " . وروى الترمذي :" من صلى علي واحدة كتب الله له بها عشر حسنات ". وروى الإمام أحمد والنسائي واللفظ له وابن حبان في صحيحه :" البخيل من ذكرت عنده فلم يصل علي ومن صلى علي مرة واحدة صلى الله تعالى عليه بها عشرا " وفي رواية " عشر صلوات " . وروى الطبراني مرفوعا : " من صلى علي صلاة واحدة صلى الله عليه عشرا ومن صلى علي عشرا صلى الله عليه مائة ومن صلى علي مائة كتب الله بين عينيه براءة من النفاق وبراءة من النار وأسكنه الله تعالى يوم القيامة مع الشهداء " . وروى الإمام أحمد والحاكم وقال صحيح الإسناد مرفوعا : " إن جبريل قال لي : ألا أبشرك أن الله عز وجل يقول : من صلى عليك صليت عليه ومن سلم عليك سلمت عليه " . وروى الإمام أحمد مرفوعا بإسناد حسن : من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم واحدة صلى الله عليه وملائكته سبعين صلاة . وروى الطبراني بإسناد حسن مرفوعا : " حيث ما كنتم فصلوا فإن صلاتكم تبلغني " . وروى أبو حفص بن شاهين :" من صلى علي في يوم الجمعة ألف مرة لم يمت حتى يرى مقعده في الجنة . وروى البيهقي بإسناد حسن :" إن صلاة أمتي تعرض علي في كل يوم جمعة فمن كان أكثرهم علي صلاة كان أقربهم مني منزلة" . وروى الطبراني مرفوعا :" من قال جزى الله عنا محمدا ما هو أهله أتعب سبعين كاتبا ألف صباح" وفي رواية : ألفي صباح " وروى الطبراني مرفوعا : " من قال اللهم صل على محمد وأنزله المقعد المقرب عندك يوم القيامة وجبت له شفاعتي " . وفي لوامع الأنوار في الأدعية والأذكار لشهاب الدين أحمد القسطلاني ويحكي عن سفيان الثوري قال : رأيت رجلا من الحجاج يكثر الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فقلت له : هذا موضع الثناء على الله عز وجل فقال : ألا أخبرك أني كنت في بلدي ولي أخ قد حضرته الوفاة فنظرت فإذا وجهه قد اسود وتخيلت أن البيت قد أظلم فأحزنني ما رأيت من حال أخي فبينما أنا كذلك إذ دخل علي رجل البيت وجاء إلى أخي ووجه الرجل كأنه سراج منير فكشف عن وجه أخي ومسح بيده فزال ذلك السواد وصار وجهه كالقمر فلما رأيت ذلك فرحت وقلت له : من أنت جزاك الله تعالى خيرا عما صنعت فقال : أنا ملك موكل بمن يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم أفعل به هكذا وقد كان أخوك يكثر من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وكان قد صلى الله عليه وسلم . وروى : إذا كان يوم القيامة يجيء أصحاب الحديث ومعهم المحابر فيقول الله تعالى لهم : أنتم أصحاب الحديث طالما كنتم تكتبون الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم انطلقوا إلى الجنة . رواه الطبراني . وعن الشيخ علي بن عبد الكريم الدمشقي قال : رأيت في المنام محمدا بن الإمام زكي الدين المنذري بعد موته عند وصول الملك الصالح وتزيين المدينة له فقال لي : فرحتم بالسلطان قلت : نعم فرح الناس به فقال : أما نحن فدخلنا الجنة وقبلنا يده يعني النبي صلى الله عليه وسلم وقال : أبشروا كل من كتب بيده قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : فهم معي في الجنة . وحكى أبو اليمن بن عساكر عن أبي العباس بن عبد الدائم وكان كثير النقل لكتب العلم على اختلاف فنونه أنه حدثه من لفظه قال : كنت إذا كتبت في كتب الحديث وغيرها أكتب لفظ الصلاة دون لفظ التسليم فرأيت النبي صلى الله عليه وسلم في المنام فقال لي : لم تحرم نفسك أربعين حسنة ؟ قلت : وكيف ذلك يا رسول الله ؟ قال : إذا جاء ذكري تكتب صلى الله عليه ولا تكتب وسلم وهو أربعة أحرف كل حرف بعشر حسنات قال : وعدهن رسول الله صلى الله عليه وسلم أو كما قال أهـ . وروى الإمام أحمد والترمذي والحاكم وصححه وقال الترمذي حسن صحيح عن كعب بن عجرة قال : قلت : يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي ؟ قال : ما شئت قلت : الربع قال : ما شئت وإن زدت فهم خير لك قلت : النصف قال : ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت : أجعل لك صلاتي كلها قال : إذن تكفى همك ويغفر ذنبك وفي رواية لهم إذن يكفيك الله هم دنياك وآخرتك . وقوله : فكم أجعل لك من صلاتي ؟ قال الحافظ المنذري : أي كم أجعل لك من دعائي صلاة عليك أهـ . قال الشيخ أبو المواهب الشاذلي : رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقلت : يا رسول الله ما معنى كعب بن عجرة : فكم أجعل لك من صلاتي ؟ قال : أن تصلي عليّ وتهدي ثواب ذلك إلي لا لنفسك . وفي لواقح الأنوار للقسطلاني : وحكى الشيخ أبو حفص عن الحسن السمرقندي فيما يرويه عن بعض الأسانيد عن أبيه قال : وقف رجل في الحرم وكان كثير الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان بين الحرم وعرفة ومنى فقلت له : أيها الرجل إن لكل مقام مقالا فما بالك لا تشتغل بالدعاء ولا بالتطوع بالصلاة سوى أنك تصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال : إني خرجت من خراسان حاجا إلى هذا البيت وكان والدي معي فلما بلغنا الكوفة اعتل والدي وقويت به العلة فمات ، فلما مات غطيت وجهه بإزاري ثم غبت عنه وجئت إليه فكشفت وجهه لأراه فإذا صورته كصورة الحمار ، فلما رأيته كذلك عظم همي وتشوشت بسببه وحزنت حزنا شديدا وقلت في نفسي : أظهر للناس هذا الحال الذي صار والدي فيه ، فقعدت عنده مهموما فأخذتني سنة من النوم فنمت ، فبينما أنا نائم إذ رأيت في منامي كأن رجلا دخل علينا وجاء إلى والدي وكشف عن وجهه فنظر إليه ثم قال لي : ما هذا الهم العظيم الذي أنت فيه ؟ فقلت : وكيف لا أهتم وقد صار والدي بهذه المحنة ، فقال : أبشر إن الله عز وجل أزال عن والدك هذه المحنة . قال : ثم كشف الغطاء عن وجهه فإذا هو كالقمر الطالع فقلت للرجل : بالله من أنت فقد كان قدومك مباركا ؟ فقال : أنا المصطفى صلى الله عليه وسلم ، فلما قال ذلك فرحت فرحت عظيما وأخذت بطرف ردائه صلى الله عليه وسلم فلففته على يدي وقلت : بحق الله يا سيدي يا رسول الله ألا أخبرتني بالقصة ، فقال : إن والدك آكل الربا وإن من حكم الله عز وجل أن من أكل الربا يحول الله صورته عند الموت كصورة الحمار إما في الدنيا وإما في الآخرة ، ولكن كان من عادة والدك أن يصلي عليّ في كل ليلة قبل أن يضطجع إلى فراشه مائة مرة ، فلما عرضت له هذه المحنة من أكل الربا جاءني الملك الذي يعرض عليّ أعمال أمتي فأخبرني بحال والدك فسألت الله تعالى فشفعني فيه . فاستيقظت فكشفت عن وجه والدي فإذا هو كالقمر ليلة البدر فحمدت الله تعالى وشكرته وجهزته ودفنته وجلست عند قبره ساعة ، فبينما أنا بين النائم واليقظان إذا أنا بهاتف يقول لي : أتعرف هذه الوضاءة التي حفت والدك ما كان سببها ؟ قلت : لا ، قال : كان سببها الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم . فآليت على نفسي أني لا أترك الصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم على أي حالة كنت وفي أي مكان كنت اهـ . وفي لواقح الأنوار القدسية في العهود المحمدية : أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نكثر من الصلاة والتسليم على رسول الله صلى الله عليه وسلم ليلا ونهارا ، و نذكر لإخواننا ما في ذلك من الأجر والثواب ونرغبهم فيه كل الترغيب إظهارا لمحبة رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وإن جعلوا لهم وردا كل يوم وليلة وصباحا ومساء من ألف صلاة إلى عشرة آلاف صلاة كان ذلك من أفضل الأعمال . قال : وسمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول : صلاة الله تعالى على عباده لا يدخلها العدد لأنه ليس لصلاته ابتداء ولا انتهاء وإنما دخلها العدد من حيث مرتبة العبد المصلي لأنه مقيد محصور بالزمان ، فتنزل الحق تعالى للعبد بحسب شاكلة العبد وأخبر له تعالى يصلي على عبده بكل مرة عشرا فافهم . ويؤيد ما قلناه كون العبد يسأل الله تعالى أن يصلي على نبيه دون أن يقول : اللهم إني صليت على محمد مثلا ، لأن العبد إذا كان يجهل رتبة رسول الله صلى الله عليه وسلم فرتبة الحق تعالى أولى ، فعلم أن تعداد الصلوات على النبي صلى الله عليه وسلم إنما هو من حيث سؤالنا نحن الله تعالى أن يصلي عليه فيحسب لنا كل سؤال مرة ويحتاج المصلي عليه إلى طهارة وحضور مع الله تعالى لأنها مناجاة لله كالصلاة ذات الركوع والسجود وإن لم تكن الطهارة لها شرطا في صحتها وصاحبها بين يدي الله عز وجل في محل القرب ويسأل الله أن يصلي على نبيه وإن كان الفضل لمحمد صلى الله عليه وسلم أصالة فإنه هو الذي سن لنا أن نصلي عليه ليحصل للمصلي الصلاة من الله تعالى ، فمن واضب على ما ذكرناه كان له أجر عظيم وهو هنا أولى ما تقرب به متقرب إليه صلى الله عليه وسلم وما في الوجود من جعل الله تعالى له الحل والربط دنيا وأخرى مثل محمد صلى الله تعالى عليه وسلم ، فمن خدمه على الصدق والمحبة والصفاء دانت له رقاب الجبابرة وأكرمه جميع المؤمنين كما ترى ذلك فيمن كان مقربا عند ملوك الدنيا ومن خدم السيد خدمته العبيد ، وكانت هذه طريقة الشيخ نور الدين الشوني ، وكانت طريقة الشيخ العارف بالله تعالى أحمد الزواوي ، فكان ورد الشيخ نور الدين الشوني كل يوم عشرة آلاف صلاة ، وكان ورد الشيخ أحمد الزواوي أربعين ألف صلاة . وقال لي مرة : طريقتنا أن نستكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى يصير يجالسنا يقظة ونصحبه مثل الصحابة ونسأله في أمور ديننا وعن الأحاديث التي ضعفها الحفاظ وتعمل بقوله صلى الله عليه وسلم فيها ، ولما لم يقع ذلك لنا فلسنا من المكثرين للصلاة عليه صلى الله عليه وسلم . قال : واعلم يا أخي أن طريق الوصول إلى حضرة الله تعالى من طريق الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من أقرب الطرق ، فمن لم يخدمه صلى الله عليه وسلم الخدمة الخاصة به وطلب دخول حضرة الله تعالى فقد رام المحال ولا يمكنه حجاب الحضرة أن يدخل وذلك لجهله بالأدب مع الله تعالى فحكمه حكم الفلاح إذا طلب الاجتماع بالسلطان بغير واسطة فافهم . فعليك يا أخي بالإكثار من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كنت سالما من الخطايا ، فإن غلام السلطان أو عبده إذا سكر لا يتعرض له الوالي بخلاف من لم يكن غلاما له ويرى نفسه فوق خدام السلطان وعبيده وغيرهم ولا يدخل من دائرة الوسائط . وما رأينا قط أحدا يتعرض لغلام الوالي إذا سكر أبدا إكراما للوالي ، وكذلك خدام النبي صلى الله عليه وسلم لا تتعرض لهم الزبانية يوم القيامة إكراما لرسول الله صلى الله عليه وسلم فقد فعلت الحماية مع التقصير ما لا تفعله الأعمال الصالحة مع عدم الاستناد لرسول الله صلى الله عليه وسلم الاستناد الخاص ، وقد كان في زمن شيخنا الشيخ نور الدين الشوني من هو أكثر علما وعملا منه ولكنه لم يكثر من الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم كما كان يكثر الشيخ فلم يكن ينقص له علمه وعلمه إلا التقرب الذي فيه الشيخ نور الدين فكانت حوائجه مقضية وطريقته ماشية وسائر العلماء والمجاذيب تحبه والله ليس مقصود كل قاصد من جميع الناس على ذكر الله إلا للمحبة في الله تعالى ولا جمعهم على الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا المحبة فيه فافهم . قال الشعراني : وقد قدمنا أوائل العهود أن صحبة النبي صلى الله عليه وسلم الصحبة البرزخية تحتاج إلى صفاء عظيم حتى يصلح العبد لمجالسته صلى الله عليه وسلم وإن من كانت له سريرة سيئة يستحيي من ظهورها في الدنيا والآخرة لا تصلح له صحبة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم ولو كان على عبادة الثقلين كما لم تنفع صحبة المنافقين ومثل ذلك تلاوة الكفار القرآن ولا ينتفعون بها لعدم إيمانهم بأحكامه . روى الثعلبي في كتاب العرائس : أن لله تعالى خلقا وراء جبل قاف لا يعلم عددهم إلا الله ليس لهم عبادة إلا الصلاة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم ثم قال الشعراني : وقد حبب إلي أن أذكر لك يا أخي جملة من فوائد الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم تشويقا لك لعل الله تعالى أن يرزقك محبته الخاصة ويصير شغلك في أكثر أوقاتك الصلاة على سول الله صلى الله عليه وسلم وتصير تهدي ثواب كل عمل عملته في صحيفة رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أشار إليه كعب بن عجرة : إني أجعل لك صلاتي كلها أي أجعل لك ثواب أعمالي فقال له النبي صلى الله عليه وسلم : إذن يكفيك الله هم دنياك وآخرتك من ذلك وهو أهمها صلاة الله تعالى وسلامه وملائكته ورسله على من صلى وسلم عليه وتكفير الخطايا وتزكية الأعمال ورفع الدرجات ومنها مغفرة الذنوب واستغفار الصلاة عليه لقائلها ومنها كتابة قيراط من الأجر مثل جبل أحد والكيل بالمكيال الأوفى ومنها كفاية أمر الدنيا والآخرة لمن جعل صلاته عليه كلها له كما تقدم ومنها محو الخطايا وفضلها على عتق الرقاب ومنها النجاة من سائر الأهوال وشهادة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم له بها يوم القيامة ووجوب الشفاعة ومنها رضى الله تعالى ورحمته والأمان من سخطه والدخول تحت ظل العرش ومنها رجحان الميزان في الآخرة وورود الحوض والأمان من العطش ومنها العتق من النار والجواز على الصراط كالبرق الخاطف ورؤية المقعد المقرب من الجنة قبل الموت ومنها كثرة الأزواج في الجنة والمقام الكريم ومنها رجحانها على أكثر من عشرين غزوة وقيامها مقامها ، ومنها زكاة وطهارة ونمو المال ببركتها ومنها أنه تقضى له بكل صلاة مائة حاجة بل أكثر ، ومنها أنها عبادة ومن أحب الأعمال إلى الله تعالى ، ومنها أنها علامة على أن صاحبها من أهل الجنة ، ومنها أن الملائكة تصلي على صاحبها ما دام يصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ، ومنها أنها تزين المجلس وتنفي الفقر وضيق العيش ومنها أنه يلتمس بها مظان الخير ، ومنها أن صاحبها أولى الناس به صلى الله عليه وسلم يوم القيامة ، ومنها أنه ينتفع هو ووالده بها وبثوابها وكذلك من أهديت في صحيفته ، ومنها أنها تقرب إلى الله تعالى وإلى رسول الله صلى الله عليه وسلم ، ومنها أنها نور لصاحبها في قبره ويوم حشره وعلى الصراط ، ومنها أنها تنصر على الأعداء وتبرئ القلوب من النفاق والصدأ ، ومنها رؤية النبي صلى الله عليه وسلم في المنام وإن أكثر منها في اليقظة وهي من أبرك الأعمال وأفضلها وأكثرها نفعا في الدنيا والآخرة وغير ذلك من الأمور التي لا تخفى اهـ . وعن حذيفة قال : الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تدرك الرجل وولده وولد ولده ، ذكره ابن بشكوال اهـ . ويحكى أن الشبلي رحمه الله تعالى قال : مات رجل من جيراني فرأيته في المنام فقلت له : ما فعل الله تعالى بك ؟ قال : يا شبلي مرت بي أهوال عظيمة وذلك أنه ارتج علي عند السؤال فقلت في نفسي : من أين أتى علي ؟ ألم أمت على الإسلام ؟ فنوديت : هذه عقوبة إهمالك لسانك في الدنيا . فلما هم بي الملكان حال بيني وبينهما رجل جميل الشخص طيب الرائحة فذكرني حجتي فقلت : من أنت يرحمك الله تعالى ؟ قال : أنا شخص خلقت من صلاتك على النبي صلى الله عليه وسلم وأمرت أن أنصرك في كل كرب ، ذكره ابن بشكوال أهـ ، انظر لوامع الأنوار للقسطلاني . وقال في الفتح المبين : الصلاة على سيد السادات من أهم المهمات في جميع الأوقات لمن يريد القرب من رب الأرضين والسماوات وأنها تجلب الأسرار والفتوحات وتصفي البواطن من جميع الكدورات وأنها تتأكد في حق أهل البداية وأرباب الإرادات وأصحاب النهايات ويستوي في الاحتياج إليها الطالب والسالك والمريد المقارب والعارف الواصل ، الطالب تربيه والعارف تبقيه بعدما تفنيه ، وإن شئت قلت : الطالب تعينه على السلوك ، والمريد ترفعه عند الشكوك ، والعارف تقول له : ها أنت وربك ، وإن شئت قلت : الطالب تزيده قوة ، والمريد تكسبه الفتوة ، والعارف تمسكه في مقام الهيبة ، وإن شئت قلت : الطالب تحمله والمريد تكمله والعارف تلونه ، وإن شئت قلت : الطالب تحبب إليه الأعمال ، والمريد تكسبه الأحوال ، والعارف تثبته في مقامات لا تزال ، وإن شئت قلت : الطالب تكسبه استنارة ، والمريد تمده بالعبارة ، والعارف تغنيه عن الإشارة ، وإن شئت قلت : الطالب يقوى بها إيقانه ، والمريد يكثر منها إيمانه ، والعارف يزداد منها عيانه ، وإن شئت قلت : الطالب تثبته والمريد تزيده والعارف تعينه وإن شئت قلت الطالب تكسبه الإطراق والمريد تفيض عليه الإشراق والعارف تؤيده عند التلاق وإن شئت قلت الطالب تزداد بها أنواره والمريد تفيض منها أسراره والعارف يستوي لربه ليلا ونهارا وإن شئت قلت الطالب تحببه إليه الأعمال والمريد تصحح لديه الأحوال والعارف تؤيده عند الوصال وإن شئت قلت الطالب تزيده تشوقا والمريد تطربه تملقا والعارف يستمد منها تحققا وإن شئت قلت الطالب تكسبه النشاط والمريد تحميه من الانحطاط والعارف يتأدب بها على البساط وإن شئت قلت الطالب تكسبه الأنوار والمريد تكشف له الآثار والعارف تلزمه الاضطرار ولا يكون له مع غير الله قرار وإن شئت قلت الطالب تشومه بالمنامات والمريد بالكرامات والعارف تحوله في المقامات وإن شئت قلت الطالب تؤيده بالثبوت والمريد تطلعه على غيب الملكوت والعارف تهيمه بالجبروت وإن شئت قلت الطالب تشوقه إلى اللقا والمريد تدعوه للملتقى والعارف تزيده تحققا اهـ . ولنورد هنا قصيدة الشيخ الحضرمي لما ضمنها رحمه الله تعالى من إغراء الأحباب على ملازمة خدمة هذا الجناب والتمسك بهذا الركاب وإدامة قرع هذا الباب وهي هذه : صلاة ثم تسليم مجدد *** على الهادي إمام الخلق أحمد إذا ما شئت في الدارين تسعد *** فكثر بالصلاة على محمد وإن صلين فابغ الأجر فيها *** وشفع بالصلاة على محمد وإن شئت القبول بها يقينا *** فختم بالصلاة على محمد فلا صوم يصح ولا صلاة *** لمن ترك الصلاة على محمد وفعلك كله عقباه خير *** إذا صليت فيه على محمد وقم في الليل وادع الله وارغب *** لربك بالصلاة على محمد وقل يا رب لا تقطع رجائي *** وكن لي بالصلاة على محمد فعجل بالمتب على عبيد *** توسل بالصلاة على محمد يخاف ذموبه لكن ويرجو *** أمانا بالصلاة على محمد فكن لي عند خاتمتي فإني *** سألتك بالصلاة على محمد فما تتضاعف الحسنات إلا *** بتكريرب الصلاة على محمد وإن أبصرت قوما ليس فيهم *** منيب بالصلاة على محمد فجنب عنهم واطلب سواهم *** وذكر بالصلاة على محمد فما الخيرات والبركات جمعا *** ترى إلا الصلاة على محمد فما الخيرات والبركات إلا *** جميعا بالصلاة على محمد وخف مولاك في سر وجهر *** وصل على الشفيع لنا محمد وإن كانت ذنوبك ليس تحصى *** تكفر بالصلاة على محمد وإن جاء الممات ترى أمورا *** تسرك بالصلاة على محمد وعند القبر تظفر بالأماني *** وترحم بالصلاة على محمد ولا تخشى من الملكين رعبا *** إذا سألاك قل لهما محمد رسول الله حقا اتبعنا *** وآمنا وصدقنا محمد وفي ضيق الضريح لك اتساع *** وتلهم بالصلاة على محمد وفي يوم الحساب إذا بعثنا *** نأمن بالصلاة على محمد وتأتي الحوض تشرب منه كأسا *** فتروى بالصلاة على محمد وتدخل جنة لا موت فيها *** بما قدمت من ذكرى محمد فهذا كله من فضل ربي *** هدانا بالصلاة على محمد وتنعم بالنعيم وحور عين *** بدار جارنا فيها محمد وتنظر وجه ربك ذي الجلال *** بحظك للصلاة على محمد فتحمده وتشكره كثيرا *** على فضل الصلاة على محمد رسول أبطحي هاشمي *** شفيع المذنبين غدا محمد سلام طيب أرج بهيج *** على المختار سيدنا محمد أيا هادي الأنام ويا شفيعا *** ويا خير البرية يا محمد عسى منك القبول لحضرمي *** يخصك بالتحية يا محمد قلت : أيا هادي البرايا يا حبيبي *** عمادي ناصري غوثي محمد تول أمور عبد وهو عمر *** لوعد منك يصدق يا محمد فأنت حياة نفسي ماء عيني *** وقوت الروح أي والله أحمد ويا خير البرايا كن شفيعا *** له دون انقطاع يا محمد فائدة في اعتبار كثرة الملائكة وأنهم أكثر جند الله تعالى ففي الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال :" أطت السماء وحق لها أن تئط ما فيها موضع قدم إلا وفيه ملك ساجد أو راكع " وروي أن بني آدم عشر الجن والجن وبنو آدم عشر حيوانات البر وهؤلاء كلهم عشر حيوانات البحر وكل عشر ملائكة الأرض الموكلين وكل هؤلاء عشر ملائكة سماء الدنيا وكل هؤلاء عشر مكلائكة السماء الثانية ثم على هذا الترتيب إلى السابعة ثم الكل في مقابلة الكرسي نزر قليل ثم هؤلاء عشر ملائكة السرادق الواحد من سرادقات العرش التي عددها ستمائة ألف سرادق طول السرادق وعرضه وسمكه إذا قوبلت به السماوات والأرض وما بينهما فإنما تكون شيئا يسيرا وقدرا صغيرا وما من مقدار موضع قدم منها إلا وفيه ملك ساجد أو راكع أو قائم لهم زجلي بالتسبيح والتقديس ثم كل هؤلاء في مقابلة الملائكة الذين يحفون حول العرش كقطرة في بحر ولا يعلم عددهم إلا الله تعالى وقيل : حول العرش سبعون ألف صف من الملائكة يطوفون به مهللين ومكبرين ومن ورائهم سبعون ألفا قياما قد وضعوا أيديهم على عواتقهم رافعين أصواتهم بالتهليل والتكبير ومن ورائهم مائة ألف صف قد وضعوا اليمين على الشمال ما منهم أحد إلا وهو يسبح بما لم يسبح به الآخر ثم كل هؤلاء في ملائكة اللوح الذين هم أشياع إسرافيل عليه السلام نزر قليل . وقيل : بين القائمتين من قوائم العرش خفقان الطير المسرع ثمانين ألف عام ، وقيل في عظم العرش أن له ثلاثمائة وستة وستين قائمة قدر كل قائمة كالدنيا ألف مرة ، وبين القائمتين ستون ألف صحراء في كل صحراء ستون ألف عام ، وفوق العرش سبعون حجابا في كل حجاب سبعون ألف عام وبين كل حجاب وحجاب سبعون ألف عام ، وكل ذلك معمور بالملائكة الكرام ، وكذلك ما فوق الحجب السبعين من عالم الرقا بتشديد الراء والقاف فإن هؤلاء الملائكة كلهم يصلون عشرا على من صلى على النبي صلى الله عليه وسلم مرة واحدة هكذا دائما أبدا كثر أو قلل ، هذا في غير صلاة الفاتح لما أغلق ، وأما هي فإن من صلى بها مرة واحدة كتب له بكل صلاة صدرت من كل ملك في العالم بستمائة ألف صلاة مع صلاة كل ملك عليه عشرا فهذا في عموم المؤمنين ، وأما صلاة الفاتح لما أغلق فلها ثلاث مراتب : مرتبة ظاهرة ومرتبة باطنة ومرتبة باطن الباطن ، وكنت أردت أن أبينها كلها في هذا المحل وأذكر منها العجائب والغرائب لكن منعني من ذلك عدم استحقاق أكثر الناس معرفة ما هنالك ، فها أنا أكتفي بذكر بعض ما في جواهر المعاني من ذكر بعض ما جمعته المرتبة الظاهرة فقط ، فأقول وبالله تعالى التوفيق : قال شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : وأما صلاة الفاتح لما أغلق فإني سألته صلى الله عليه وسلم عنها فأخبرني أولا بأنها بستمائة ألف صلاة فقلت له : هل في جميع تلك الصلوات أجر من صلى بستمائة ألف صلاة مفردة ؟ فقال صلى الله تعالى عليه وسلم : نعم يحصل في كل مرة منها أجر من صلى بستمائة ألف صلاة مفردة . وسألته صلى الله عليه وسلم : هل يقوم منها طائر واحد على الحد المذكور في الحديث لكل صلاة وهو الطائر الذي له سبعون ألف جناح إلى آخر الحديث أم يقوم منها في كل مرة ستمائة ألف طائر على تلك الصفة وثواب تسبيحها للمصلي على النبي صلى الله عليه وسلم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : يقوم منها في كل صلاة ستمائة ألف طائر على تلك الصفة في كل مرة وعدد السنة طائر واحد كما قال الشيخ رضي الله تعالى عنه : ألف ألف ألف ألف ألف ألف ألف ألف لسان إلى أن تعد ثمانية مراتب ، وستمائة وثمانون ألف ألف ألف ألف ألف ألف ألف لسان إلى أن تعد سبع مراتب ، وسبعمائة ألف ألف ألف ألف ألف لسان إلى أن تعد خمس مراتب ، فهذا مجموع عدد الألسنة ، وكل لسان يسبح الله تعالى بسبعين لغة في كل لحظة وثوابها للمصلي على النبي صلى الله عليه وسلم في كل مرة ، هذا في غير الياقوتة الفريدة وأما فيها فإنه يخلق في كل مرة ستمائة ألف طائر على الصفة المذكورة كما تقدم . ثم قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : فسألته صلى الله عليه وسلم عن حديث أن الصلاة عليه صلى الله عليه وسلم تعدل ثواب أربعمائة غزوة وكل غزوة تعدل أربعمائة حجة هل صحيح أم لا ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : صحيح . فسألته صلى الله عليه وسلم عن عدد هذه الغزوات هل يقوم من صلاة الفاتح لما أغلق مرة أربعمائة غزوة أم يقوم أربعمائة غزوة لكل صلاة من الستمائة ألف صلاة وكل صلاة على انفرادها أربعمائة غزوة ؟ فقال صلى الله عليه وسلم ما معناه أن صلاة الفاتح لما أغلق بستمائة ألف صلاة ، وكل صلاة من الستمائة ألف صلاة بأربعمائة غزوة ، ثم قال بعده صلى الله عليه وسلم أن من صلى بها ـ أي بالفاتح لما أغلق الخ ـ مرة واحدة حصل له ثواب ما إذا صلى بكل صلاة وقعت في العالم من كل جن وإنس وملك بستمائة ألف صلاة من أول الدهر إلى وقت تلفظ المصلي بها أي كأنه صلى بكل صلاة ستمائة ألف صلاة من جميع صلوات المصلين عموما من ملك وجن وإنس ، وكل صلاة من ذلك بأربعمائة غزوة ، وكل صلاة من ذلك بزوجة من الحور وعشر حسنات ومحو عشر سيئات ورفع عشر درجات وأن الله يصلي عليه وملائكته بكل صلاة عشر مرات . قال الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : فإذا تأملت هذا بقلبك علمت أن هذه الصلاة لا تقوم لها عبادة في مرة واحدة فكيف من صلى مرات ماذا له من الفضل عند الله تعالى ؟ وهذا حاصل في كل مرة منها . ثم قال الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : وأخبرني صلى الله تعالى عليه وسلم أنها لم تكن من تأليف البكري ولكنه توجه إلى الله مدة طويلة أن يمنحه صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم فيها ثواب جميع الصلوات وسر جميع الصلوات وطال طلبه مدة ثم أجاب الله تعالى دعوته فأتاه الملك بهذه الصلاة مكتوبة في صحيفة من النور ، ثم قال الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : فلما تأملت هذه الصلاة وجدتها لا تزنها عبادة جميع الإنس والجن والملائكة . ثم قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : يكتب لذاكر الفاتح لما أغلق ستة آلاف مرة من ذكر كل حيوان وجماد وذكر الجمادات هو ذكرها للاسم القائم بها لأن كل ذرة في الكون لها اسم قائمة به ، وأما الحيوانات فأذكارها مختلفة ، والمرة الواحدة من الفاتح لما أغلق تعدل من كل ذكر ومن كل تسبيح ومن كل استغفار ومن كل دعاء في الكون صغيرا أو كبيرا سنة آلاف مرة ، وهذا ما أخبر به سيد الوجود صلى الله تعالى عليه وسلم سيدنا رضي الله تعالى عنه من فضل صلاة الفاتح لما أغلق ، ثم قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : وخاصية الفاتح لما أغلق أمر إلهي لا مدخل فيه للعقول ، فلو قدرت مائة ألف أمة في كل أمة ألف قبيلة في كل قبيلة مائة ألف رجل وعاش كل واحد منهم مائة ألف عام يذكر كل واحد منهم في كل يوم مائة ألف صلاة على النبي صلى الله عليه وسلم من غير الفاتح وجمع ثواب هذه الأمم كلها في مدة هذه السنين كلها في هذه الأذكار كلها ما لحقوا كلهم ثواب مرة واحدة من صلاة الفاتح لما أغلق . ثم قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : اعلم أنك إذا صليت بصلاة الفاتح لما أغلق مرة واحدة كانت بستمائة ألف صلاة من كل صلاة وقعت في العالم من جميع الجن والإنس والملائكة ثم إذا ذكرت الثانية كان فيها ما في الأولى وصارت الأولى بستمائة ألف صلاة من صلاة الفاتح لما أغلق ثم إذا ذكرت الثالثة كان فيها ما في الأولى من الصلوات ويزاد لها الفتح لما أغلق ستمائة ألف مرتين فهي اثنا عشر مائة ألف ثم سر على هذا التضعيف إلى العشرة ثم إلى مائة وواحدة كان في الواحدة ما في الأولى قبلها وفيها صلاة الفاتح لما أغلق ستمائة ألف متضاعفة مائة مرة وذلك ستون ألف ألف من الفاتح لما أغلق وسر على هذا المنوال إلى ألف وواحدة فيكون فيها ما في الأولى من الألوف وفيها ستمائة من الفاتح لما أغلق ألف مرة متضاعفة وذلك ستمائة ألف ألف وهكذا على هذا المنوال وهضا الضابط فإذا ذكرها في الوقت السحر يكون كل واحدمنها بخمسمائة فإذا ذكرها ألفا وواحدة كان في الواحدة بعد الألف ثلاثمائة ألف ألف ألف ثلات مراتب وأما في الألف وواحدة فيكون فيها مائة وخمسون ألف ألف ألف ألف أربع مراتب وأربعمائة وخمسون ألف ألف ألف ثلاث مراتب فهذا خاص بوقت السحر وأما في غيره فهو ما ذكره أولا من التضعيف السابق ثم قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما صلى علي أحد بأفضل من صلاة الفاتح لما أغلق . وقال رضي اله تعالى عنه : لو اجتمع أهل السماوات السبع وما فيهن والأرضين السبع وما فيهن على أنم يصفوا ثواب الفاتح لما أغلق ما قدروا أهـ . قلت : اعلم أني كنت عازما على أن لا أذكر من فضل هذه الصلاة إلا ما في جواهر المعاني كما تقدم ولما أتممت ما فيه منعتني الشفقة على الصادقين من أهل هذه الطريقة من ذلك فأردت أن أزيد على ما في جواهر المعاني شيئا قليلا من ثواب مرتبتها الظاهرة ليزدادوا تمسكا بها وثبتا عليها ونشاطا في ذكرها رغبة فيها في أهلها واعتراضا عن كل شيطان من الإنس والجن مارد وجهول معاند حاسد يريد أن يصدهم عن كل خير ويوقعهم في كل شر ونمسك عن التوغل فيها وعن ذكر فضل مرتبتها الباطنة وعن باطن الباطن لئلا يدعي معرفة ذلك والإذن فيه من ليس كذلك على أن من ادعى ما ليس فيه كذبته شواهد الامتحان كما قيل : من تحلى بغير ما هو فيه *** فضحته شواهد الامتحان لأن من ادعى معرفة مراتبها وكونه مأذونا فيها يطلب منه إظهار حقائقها وتبيين مقاصدها وإبداء أسرارها وكيفية إدراكها وبم يدرك ثوابها فإن بين كل المطلوب فهو كما قال وإلا فهو دجال من الدجاجلة مفتر كذاب : هكذا هكذا وإلا فلا لا *** طرق الجد غير طرق المزاح وإذا فهمت هذا فاعلم أن الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به قال : اعلم أنه صلى الله عليه وسلم أمرني أن أفصح وأبين عن حكم المرتبتين الظاهرة والباطنة في صلاة الفاتح لما أغلق وعن المرتبتين الظاهرة والباطنة في الفاتحة بنية الاسم الأعظم فها أنا ممتثل أمره صلى الله عليه وسلم فيما أمرني به ولكني أقدم مقدمة قبل المقصود تكون مهادا له لاحتياح الناظر إليها إذ لا يفهم ما في المراتب الأربع إلا من عرف هذه المقدمة وهي أن أرواح الموجودات كلها ناطقها وصامتها ومتحركاتها وساكنها حيوانها وجمادها كلها بالنسبة إلى الله عز وجل على حد سواء وإنما اختلفت خواصها في النطق والصمت والحكة والسكون والحيوانية والجمادية بتخصيص إلهي صدر ذلك التخصيص عن المشيئة الإلهية وهذا في الأرواح كلها وإنما الاختلاف بينها حاصل بالأجسام التي تلبسها الأرواح لا في الأرواح لأن الأرواح كلها متحركة ناطقة حيوانية عالمة عارفة عابدة لله تعالى ذاكرة دائما أبدا سرمدا بلا فتور وهذا العلم كله غيب عن إدراكات البشرية والجانية لا تعلمه ولا يعلمه إلا الصديقون والأقطاب والنبيون لا غير ومن سواهم لا علم له به حتى الأولياء لا يعلمونه ولا يعلمه إلا من وصل إلى مقام الصديقية فقط ثم اعلم أن الأرواح في هذا على حد سواء حتى أرواح البشر والجن والكفار وأصحاب الحجاب من المؤمنين فإن أرواحهم تنال هذا الأمر الذي ذكرناه ولا يعلمونه من نفوسهم لكنه مستور عنهم فإنه أجمع أهل الكشف على أن لكل فرد من الجن والإنس في غيب ذات نورانية متصلة بذات ذلك الشخص يخيط من نور تلك الذات النورانية هي التي تعبد الله تعالى حق عبادته في الغيب وتفعل ما تفعله الأرواح لأجل أن الروح من الجن والإنس انحصرت في قارورة الجسم وتلطخت بأوساخه فانحجبت عن مطالعة الغيب فصارت تلك الذات النورانية نائبة عنها في الغيب تفعل ما تفعله جميع الأرواح ولا علم لجميع الجن والإنس بهذا حتى علماؤهم وإنما يدركه أرباب الكشف والشهود وليس للجن والإنس انتفاع بهذه العبادة لأن هذه الذوات لم تخلق إلا لعبادة الله عز وجل فقط دون طمع وبذلك يتحقق قوله تعالى :{ وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون } فتعالى الله أن يخلقها لعبادته فتتخلف ولكن طرأ على أرواح المكلفين وأجسامهم حكم القبضتين في الأزل حيث قال في قبضة : هؤلاء إلى الجنة ولا أبالي وفي قبضة هؤلاء للنار ولا أبالي وطرأ عليها حكم قوله تعالى :{ ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } ولا معارض لله تعالى في حكمه ولا منازع في مراده في كل ما أرد بخلقه وهذا موقف أصحاب الكشف بالغيب والعلماء بالله تعالى ولا يستنكف عغن هذا العلم وينكره إلا ظاهري جامد على ظاهره فهم في حجاب وسجن لا يعبأ بقولهم ولا بإنكارهم قال ابن عطاء الله في الحكم الكائن في الكون : ولم تفتح له ميادين الغيوب مسجون بمحيطاته محصور في هيكل ذاته مسجون بمحيطات الأكوان وقال صلى الله عليه وسلم : "إن من العلم كهيئة المخزون لا يعلمه إلا العلماء بالله تعالى فإذا نطقوا به لا ينكره عليهم إلا أهل الغرة بالله تعالى " وبما ذكرنا يتحقق قوله سبحانه وتعالى : {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} وهذا التسبيح صريح لا ضمني كما يظنه أهل الظاهر بل هو عند الصديقين كما ذكرنا . ثم اعلم أن الأرواح كلها لها القوة الإلهية تجلى الله تعالى عليها بصفة كلامه ، فكل روح في الكون هي قادرة على النطق بجميع ألفاظ الأكوان كلها في لفظة واحدة وكل الصديقين يعلمون هذا ولا يجهلونه ، ولا يجهله إلا أهل الظاهر لأنهم سجونون في سجن العقل فالروح والجسد عندهم مهما تكلم بكلمة حجبت عن غيرها حتى يفرغ من تلك الكلمات ، وعند أرباب الكشف أن الأرواح كلها قادرة على أن تذكر جميع ألفاظ الكون في كلمة واحدة فتكون تتكلم في الكلمة الواحدة بأمور كثيرة متباينة إلى غير نهاية أدركوا هذا كشفا وذوقا فإن الله عز وجل هو الذي تجلى في الأرواح بذلك وأقدرها عليه وليس ينكر هذا إلا من أنكر قدرة الله تعالى في الأمور الخارقة للعادة وجعل غاية قدرة الله تعالى في الأمور العادية فقط ، وصاحب هذا العلم جاهل بالله تعالى وليس هذا المحل محل البحث في إيمانه وكفره وكيف يتأتى لأحد أن يغفل عن قوله تعالى : {ويخلق ما لا تعلمون} . قلت : وقول الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : ولا يستنكف عن هذا العلم ولا ينكره إلا ظاهري جامد على ظاهره ، وقوله : ليس ينكر هذا إلا من أنكر قدرة الله تعالى في الأمور الخارقة للعادة ..إلى آخره قول حق وصدق يعلمه كل من له قدم في الشريعة والحقيقة . قال في السراج المنير : وبيان التأويل واللفظ له عند قوله تعالى : {وإن من الحجارة لما يتفجر منه الأنهار وإن منها لما يشقق فيخرج منه الماء وإن منها لما يهبط من خشية الله} فإن قلت : الحجر جماد لا يعقل ولا يفهم فكيف يخشى قلت : إن الله تعالى قادر على إفهام الحجر والجماد فتعقل وتخشى بإلهامه لها قال : ومذهب أهل السنة أن لله علما في الجمادات والحيوانات ولا يقف عليه غيره فلها صلاة وتسبيح وخشية يدل عليه قوله سبحانه وتعالى : {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} وقال تعالى : {والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه} فيجب على المرء الإيمان به وبكل علمه إلى الله تعالى اهـ . وفي السراج : روى النبي صلى الله عليه وسلم كان بثبير والكفار يطلبونه فقال الجبل : انزل عني فإني أخاف أن تؤخذ عليّ فيعاقبني الله تعالى بذلك ، فقال له جبل حراء : إلي إلي يا رسول الله ، ثم قال في اللباب : روى مسلم عن جابر بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إني لأعرف حجرا بمكة كان يسلم عليّ قبل أن أبعث إني لأعرفه الآن" . وعن علي قال : "كنت مع رسول الله صلى الله عليه وسلم بمكة فخرجنا إلى بعض نواحيها فما استقبله شجر ولا جبل إلا وهو يقول : "السلام عليك يا رسول الله" أخرجه الترمذي وقال : حديث غريب . وروى البخاري عن جابر بن عبد الله قال : كان في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم جذع في قبلته يقوم إليه رسول الله صلى الله عليه وسلم في خطبته ، فلما وضع المنبر سمعنا للجذع مثل أصوات العشار حتى نزل رسول الله صلى الله عليه وسلم فوضع يده عليه ، وفي رواية : صاحت النخلة صياح الصبي ، يسكت حتى استقرت قال : بكت على ما كانت تسمع من الذكر ، قال مجاهد : ما ينزل حجر من أعلى إلى أسفل إلا من خشية الله تعالى وذلك يشهد لما قلنا اهـ . وقال الشيخ أحمد بن المبارك في الإبريز : وسمعته يعني القطب الشيخ عبد العزيز بن مسعود الدباغ رضي الله تعالى عنه يقول في أحاديث تسبيح الحصى وحنين الجذع وتسليم الحجر وسجود الشجر ونحوها من معجزاته صلى الله عليه وسلم : إن ذلك هو كلامها تسبيحها دائما ، وإنما سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يزيل الحجاب عن الحاضرين حتى يسمعوا ذلك منها ، قال : فقلت له : وهل فيها حياة وروح ؟ فقال : لا ، قلت : قد أثبت لها الحياة صاحب مطالع المسرات عند قول الشيخ الجزولي : وما سبح لك من شيء فكل شيء يسبح لله تعالى ، وإن من شيء إلا يسبح بحمده ، سبح لله ما في السماوات ، وهل هذا التسبيح بلسان الحال أو بلسان المقال اختلف في ذلك إلى أن قال : بعض المشايخ كان يقول أنه بلسان المقال فيثبته زائدا على تسبيح الحال وإلا فهو لابد منه في كل شيء : وفي كل شيء له آية *** تدل على أنه واحد والتسبيح المقالي إن كان على كلام نفساني فهو يستلزم الإدراك ، والإدراك يستلزم الحياة ولابد إلا أنه إدراك خاص مشروط بحياة خاصة لا نعرفها بغير نية ولا مزاج ، ومن قاعدة أهل السنة أن البنية مشروطة للحياة ، وأما مجرد اللفظ المشتمل على الحروف والأصوات فهو يستلزم الحياة والإدراك عند الشيخ أبي الحسن الأشعري اهـ . وقال الشيخ الأكبر ابن العربي الحاتمي رضي الله عنه : اعلم أن سر الحياة سرى في الماء فهو أصل العناصر والأركان ولذلك جعل الله تعالى من الماء كل شيء حي وما ثم إلا وهو حي فإنه ما من شيء إلا وهو حي فإنه ما من شيء إلا وهو يسبح بحمد الله تعالى فلا نفقه تسبيحه إلا بكشف إلهي ولا يسبح إلا حي فكل شيء حي . وقال أيضا : جعل الله تعالى صور العالم تسبح بحمده ولكن لا نفقه تسبيحهم لأنا لا نحيط بما في العالم من الصور ، وفي شرحه : لا نحيط عند الحجاب بما في العالم أي بشيء مما في العالم من الصور إحاطة تؤدينا إلى فهم ما يجري على ألسنتها في مراتبها الحسية والمثالية والروحية ، وأما إذا من الله سبحانه الكشف عن تلك الصور بالإحاطة بها فقد نعلم ألسنتها ونفقه تسبيحها . قال الشيخ رضي الله تعالى في آخر الباب الثاني عشر من الفتوحات المكية المسمى بالجماد والنبات : عندنا لهم أرواح بطنت عن إدراك غير أهل الكشف أياها في العادة فلا يحس بها مثلما يحس بها الحيوان فإن الكل عند أهل الكشف حيوان ناطق ، غير أن هذا المزاج الخاص يسمى إنسانا لا غير ونحن زدنا مع الإيمان بالأخبار الكشف فقد سمعنا الأحجار تذكر الله تعالى لسان طلق تسمعه آذاننا منها وتخاطبنا مخاطبة العارفين بجلال الله تعالى بما ليس يدركه كل إنسان ، وقد قال في موضع آخر منه : وليس هذا التسبيح بلسان الحال كما يقوله أهل النظر ممن لا كشف له . وقال رضي الله تعالى عنه في جواب السؤال الرابع والخمسين : فأما حديث رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في الصوامت فهو عند العامة من علماء الرسوم حديث حال أي يفهم من حاله كذا وكذا حتى أنه لنطق بما أفهم هذا الفهم منه قالت القوم في مثل هذا : قالت الأرض للوتد : لم تشقني ؟ قال الوتد لها : سلي من يدقني فهذا عندهم حديث حال وعليه خرجوا قوله تعالى : {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} وقوله تعالى : {إنا عرضنا الأمانة على السماوات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها} إباية حال ، وأما عند أهل الكشف فيسمعون نطق كل شيء من جماد ونبات وحيوان يسمعه العاقل بأذنه في عالم الحس لا في عالم الخيال كما يسمع نطق المتكلم من الناس اهـ . ولنعد إلى كلام القطب عبد العزيز فيقول : ثم قال رضي الله عنه : ولكن المخلوقات كلها ناطقها وصامتها إذا سئلت عن خالقها قالت بلسان فصيح : الله تعالى هو الذي خلقني فافتراق المخلوقات إلى ناطق وصامت وحيوان وجماد بالنسبة إلى المخلوقات فيما يعرف بعضهم من بعض ، وأما بالنسبة إلى الخالق سبحانه فالكل به عارف وله عابد وخاشع وخاضع فإن الجمادات لها وجهتان : وجهة إلى خالقها وهي فيه عالمة به عابدة له قانتة ، ووجهة إلينا وهي أيضا لا تعلم ولا تسمع ولا تنطق وهذه هي التي سأل النبي صلى الله عليه وسلم ربه أن يرفعها عن الحاضرين حتى تظهر لهم الوجهة الأخرى إلى الخالق سبحانه ، وباعتبار وجهة الخالق قال تعالى : {وإن من شيء إلا يسبح بحمده} قال : ومن هذا المعنى أجابني عن حكاية سيدنا داوود على نبينا وعليه الصلاة والسلام مع الضفدع لما استكثر السيد داوود عليه السلام تسبيحه لربه عز وجل فشاهد الضفدع المذكور يسبح طول عمره لا يفتر طرفة عين فاستصغر سيدنا داوود عليه السلام حالته التي كان استكثرها فقال رضي الله عنه في الجواب : أن سيدنا داوود عليه السلام شاهد من الضفدع حالته في الوجهة إلى الحق سبحانه وهي حالة الباطن فإن التسبيح فيها دائم لا فتور فيه . ثم قال رضي الله تعالى عنه : أن للأرض علما هي حاملته وعارفة به كما يحمل أحدنا كتاب الله عز وجل ويعرفه وكذا لكل مخلوق من الجمادات علم هو حامل له . قال الشيخ أحمد بن المبارك : فقلت : فتكون عاقلة عالمة كيف وهي جماد ؟ فقال رضي الله تعالى عنه : إنما كانت جمادا في أعيننا وأما بالنسبة إلى خالقها سبحانه فهي به عارفة وما خلا مخلوق أي مخلوق كان عن قوله : الله ربي ، فهي سارية في كل مخلوق ، وما خلا مخلوق أي مخلوق كان عن الخضوع لخالقه سبحانه والخوف منه والخشية له والوجل من سطوته والناس يظنون حيث وجدوا أنفسهم جاهلين ما عليه الأرض وغيرها من الجمادات أنهم يمشون على جماد ويجيئون ويذهبون على موات وذلك هو الذي أخلاهم وأهلكهم ولو علم الناس ما عليه الأرض ما أمكن أحدا أن يعصي الله عليها أبدا قال : قال رضي الله تعالى عنه : وقد كنت قبل أن يفتح علي مع سيدي محمد اللهواج وكان مفتوحا عليه وذكر أنهما مرا على عين تجري قال : فأخذت السنارة وجعلت فيها خبزا وأردت أصطاد الحوت لكثرته بتلك العين فرميت السنارة فيها وبقرب عنصر الماء حجرة كبيرة فسمعتها تقول بالصياح : الله الله فما فرغت حتى صاح كل حجر هناك ثم صاح كل حوت وصاح الحوت الذي أكل الطعام في الصنارة ومعنى ذلك الصياح الله الله أما تتقي الله يا من اشتغل بالاصطياد ؟ قال : فقلت : وهل سمعتم قولها الخارق للعادة بلغة العرب أم بلغة الجمادات ؟ فقال رضي الله تعالى عنه : بلغة الجمادات ولها لغات وألسن تليق بذواتها وسماعنا لها يكون بالذات كلها لا بالأذن الذي في الرأس فقط . ثم قال رضي الله تعالى عنه وكنت ذات يوم جالسا تحت زيتونة فينما أنا كذلك إذا بجميع الحجر صغيره وكبيره والأشجار والأغصان تسبح الله تبارك وتعالى بلغتها فكدت أهرب مما سمعت وجعلت أنظر إلى بعض الأحجار فأسمع منها أصواتا عديدة فقلت : حجر واحد وله أصوات عديدة فتأملته فإذا هو معجون اجتمعت فيه عدة أحجار فلذلك تعددت الأصوات فيه قلت : وقد حصل له هذا أوائل فتحه رضي الله تعالى عنه أهـ . وقال في السراج المنير عند قوله تعالى :{ أولم يرو إلى ما خلق الله من شيء يتفيؤ ظلاله عن اليمين والشمائل سجدا لله } وكان الحسن يقول أما ظلك فيسجد لربك وأما أنت فلا تسجد لربك بئس ما صنعت . وعن مجاهد : ظل الكافر يصلي وهو لا يصلي . وقيل ظل كل شيء يسجد لله تعالى سواء كان ذلك الشيء ساجدا أم لا أهـ . قال في لباب التأويل : وقال مجاهد : إذا زالت الشمس سجد كل شيء لله تعالى سواء كان ذلك الشيء يسجد لله تعالى أم لا ويقال أن ظل الكافر ساجد لله تعالى وهو غير ساجد لله تعالى أهـ . وقال صاحب اللباب والسراج واللفظ له عند قوله تعالى :{وإن من شيء إلا يسبح بحمده }: وقال إبراهيم النخعي : وإن من شيء جماد وحي إلا يسبح بحمد حتى صرير الباب ونقيق السقف . وقال مجاهد : كل الأشياء تسبح لله تعالى حيا كان أو جمادا وتسبيحها سبحان الله وبحمده يدل على ذلك ما روي عن بن مسعود : كنا نعد الآيات بركة وأنتم تعدونها تخويفا كنا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في سفر فقل الماء فتفل صلى الله عليه وسلم في الإناء ثم قال : " حي على الطهور المبارك والبركة من الله تعالى " ولقد رأيت الماء ينبع من بين أصابعه صلى الله تعالى عليه وسلم ولقد كنا نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. قال في اللباب أخرجه البخاري . وعن جابر بن سمرة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :" إن بمكة حجرا كان يسلم علي ليالي بعثت إني لأعرفه الآن " قال في اللباب أخرجه مسلم . وعن ابن عمر أنه صلى الله عليه وسلم كان يخطب إلى جذع فلما اتخذ المنبر تحول إليه فحن الجذع فأتاه فمسح يده عليه وفي رواية فنزل فاحتضنه وساره بشيء وفي اللباب أخرجه البخاري ففي هذه الأحدايث دليل على أن الجماد يتكلم وأنه يسبح . قال بعض أهل المعاني : تسبيح السماوات والأرض والجمادات والحيوانات سوى العقلاء بلسان الحال حيث تدل على الصانع وقدرته ولطيف حكمته فكأنها تنطق بذلك ويصير لها بمنزلة التسبيح قال البغوي : والقول الأول هو المنقول عن السلف . وقال ابن الخازن في لباب التأويل : والقول الأول هو الأصح لما دلت عليه الأحاديث وأنه منقول عن السلف قال البغوي : واعلم أن لله تعالى علما في الجمنادات لا يقف عليه غيره فينبغي أن يوكل علمه إليه أهـ . وفي لباب التأويل عند قوله تعالى :{ ألم تر أن الله يسجد له من في السماوات ومن في الأرض والشمس والقمر والنجوم والجبال والشجر والدواب } قيل : معنى سجودها الطاعة فإنه ما من جماد إلا وهو مطيع لله تعالى خاشع ومسبح له كما وصفها بالخشية والتسبيح وهذا مذهب أهل السنة أهـ . وفي السراج المنير في هذا المحل : روي عن عمر بن دينار قال : سمعت رجلا يطوف بالبيت وهو يبكي فإذا هو طاوس فقال : أعجبت من بكائي ؟ قلت : نعم قال : ورب الكعبة إن هذا القمر يبكي من خشية الله تعالى ولا ذنب له أهـ .وفيه أيضا عند قوله تعالى :{ ألم تر أن الله يسبح له من في السماوات والأررض والطير صافات كل قد علم صلاته وتسبيحه } روي أن أبى ثابت قال : كنت جالسا عند أبي جعفر الباقر فقال : أتدري ما تقول هذه العصافير عند طلوع الشمس وبعد طلوعها ؟ قال : لا قال : فإنهن يقدسن الله ربهن ويسألنه قوت يومهن . قال بعض العلماء : إنا نشاهد من الطيور وسائر الحيوانات أعمالا لطيفة يعجز عنها كثير من العقلاء فإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يلهمها معرفته ودعاءه وتسبيحه وبيانه أنه تعالى ألهمها الأعمال اللطيفة من وجه أحدهاأن الدب يرمي بالحجارة ويأخذ العصا ويرمي الإنسان حتى يتوهم أنه مات فيتركه وربما عاد ويشمه ويتجسس نفسه ويصعد الشجر أخف صعود ويهشم الجوز بين كفيه تعريضا بالواحدة وصدمه بالأخرى ثم ينفخ فيه فيذر قشره ويتغذى به . وعن الفأر في سرقته أمور عجيبة ثانيها أمر النحل وما لها من الرئاسة والبوت المهندسة التي لا يتمكن من بنائها أفاضل المهندسين ثالثها انتقال الكركي من طرف من أطراف العالم إلى الطرف الآخر طالبا ما يوافقها من الأهوية ويقال : من خواص الخيل أن كل واحد يعرف صوت الفرس الذي قاتله وقتا ما والتماسيح تفتح أفواهها لطائر يقع عليها يقال له القطقاط وينظف ما بين أسنانها وعلى رأس ذلط الطائر كالشوكة فإذا هم التمساح بالتقام ذلك الطائر تأذى من تلك الشوكة فيفتح فاه فيخرج ذلك الطائر . والسلحفاة تتناول بعد أكل الحية سعترا جبليا ثم تعود وقد عوفيت من ذلك . وحكي عن بعض الثقات المجربين للصيد أنه شاهد الحباري تقاتل الأفعى وينهزم عنها إلى بقلة يتناول منها ثم يعود ولا يزال كذلك وكان ذلك الشخص قاعدا في كن وكانت البقلة قريبة من مسكنه فلما اشتغل الحباري بالأفعى قلع البقلة فعاد الحباري إلى منبتها فلم يجدها فأخذ يدور حول منبتها دورانا متتابعا حتى خر ميتا فعلم الشخص أنه يعالج بأكلها من اللسعة وتلك البقلة هي الكركاز البري . وابن عرس يستظهر في مقاتلة الحية بأكل السراب فالنكهة السرابية تنفر عنها الأفعى والكلاب إذا داوت بطونها أكلت سنبل القمح وإذا خرجت داوت الجراحة بالسعتر الجبلي . رابعها القنافذ قد تحس بالشمال والجنوب قبل الهبوب فتغير المدخل إلى جحرها وكان رجل بالقسطنطينية قد أثرى بسبب أنه ينذر بالريح قبل هبوبها وينتفع الناس بإنذاره وكان السبب فيه قنفذا في داره يفعل الصيغ المذكور فيستدل به . والخطاب صناعة في اتخاذ العش من الطين وقطع الخشب فإن أعوزه الطين ابتل وتمرغ في التراب ليحمل جناحاه قدرا من الطين وإذا فرغ بالغ في تعهد الفراخ وتأخذ ذرقتها بمناقرها وترميها من العش . والغرانيق تصعد في الجو عند الطيران فإن حجب بعضها عن بعض سحاب أو ضباب أحدثت عن أجنحتها خفقا مسموعا يتبع به بعض بعضا وإذا باتت على جبل فإنها تضع رؤوسها تحت أجنحتها إلا القائد فإنه ينام مكشوف الرأس فيسرع انتباهه وإذا سمع حسا صاح . وحال النمل في الذهاب إلى مواضعها على خط مستقيم يحفظ بعضها بعضا أمر عجيب وإذا كشف عن بيوتها الساتر الذي كان يسترها وكان تحته بيض لها فإن كل نملة تأخذ بيضة في فمها وتذهب في أسرع وقت . والاستقصاء في هذا الباب مذكور في كتب طبائع الحيوان والمقصود من ذلك أن الفضلاء من العقلاء يعجزون عن أمثال تلك الحيل وإذا كان كذلك فلم لا يجوز أن يقال أنها تسبح الله تعالى وتثني عليه وإن كانت غير عارفة بسائر الأمور التي يعرفها الناس ويؤيد هذا قوله تعالى :{ ولكن لا تفقهون تسبيحهم } وقوله صلى الله عليه وسلم :" إن نوحا عليه السلام أوصى ابنه عند موته بلا إله إلا الله فإن السماوات السبع والأرضين السبع لو كن في حلقة مبهمة قصمتهن والسبحان الله وبحمده فإنها صلاة كل شيء وبها يرزق كل الخلق " . وقال الغزالي في الإحياء روي أن رجلا جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : تولت عني الدنيا وقلت ذات يدي فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : فأين أنت من صلاة الملائكة وتسبيح الخلائق وبها يرزقون قال : فقلت : وما هي يا رسول الله قال : قل : سبحان الله وبحمده سبحان الله العظيم مائة مرة ما بين طلوع الفجر إلى أن يضيء الصبح تأتيك الدنيا راغمة صاغرة ويخلق الله عز وجل من كل كلمة ملكا يسبح الله تعالى إلى يوم القيامة لك ثوابه أهـ . وفي لباب التأويل والسراج المنير عند قوله تعالى :{ وورث سليمان داوود وقال يا أيها الناس علمنا منطق الطير } روي عن كعب الحبار أنه قال : صاح ورشان عند سليمان عليه السلام فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا : لا ، قال : يقول : لدوا للموت وابنوا للخراب ، وصاحت فاختة فقال : أتدرون ما تقول ؟ قالوا : لا ، قال : فإنها تقول : يا ليت هذا الخلق لم يخلقوا ، وصاح طاووس فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا : لا ، قال : فإنه يقول : كما تدين تدان ، وصاح هدهد فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا : لا ، قال : فإنه يقول : من لا يرحم لا يُرحم ، وصاح صرد فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا : لا ، قال : فإنه يقول : كل كائن حي ميت وكل جديد بلل ، وصاح خطاف فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا : لا ، قال : فإنه يقول : قدموا خيرا تجدوه ، وهدلت حمامة فقال : أتدرون ما تقول ؟ قالوا : لا ، قال : فإنها تقول : سبحان ربي الأعلى ملأ سمائه وأرضه ، وصاح قمري فقال : أتدرون ما يقول ؟ قالوا : لا ، قال : إنه يقول : سبحان ربي الأعلى ، قال : فالغراب يدعو على العشار ، والحدأة تقول : كل شيء هالك إلا وجه الله ، والقطاة تقول : من سكت سلم ، والببغاء تقول : ويل لمن كانت الدنيا همه ، والضفدع يقول : سبحان ربي القدوس ويقول أيضا : سبحان المذكور بكل لسان ، والبازي يقول : سبحان ربي العظيم وبحمده . وعن مكحول قال : صاح دراج عند سليمان فقال : أتدرون ما تقول ؟ قالوا : لا ، قال : فإنه يقول : الرحمن على العرش استوى . وروي عن فرقد السنجي قال : مرّ سليمان على بلبل فوق شجرة يحرك رأسه ويميل ذنبه فقال لأصحابه : أتدرون ما يقول هذا البلبل ؟ قالوا : الله ورسوله أعلم ، قال : يقول : أكلت نصف ثمرة فعلى الدنيا العفاء وهو بالفتح والمد التراب . وقال أبو عبيدة : وهو الدروس . وفي حديث صفوان : إذا دخلت بيتي فأكلت رغيفا وشربت عليه ماء فعلى الدنيا العفاء . وروي أن جماعة من اليهود قالوا لابن عباس : إنا سائلوك عن سبعة أشياء فإن أخبرتنا آمنا وصدقنا ، قال : اسألوا تفقها ولا تسألوا تعنتا ، قالوا : أخبرنا ما يقول القنبر في صفيره والديك في صعيقه والضفدع في نقيقه والحمار في نهيقه والفرس في صهيله وما يقول الزرزور والدراج ، قال : نعم ، أما القنبر فيقول : اللهم العن مبغضي محمد وآل محمد ، وأما الديك فيقول : اذكروا الله يا غافلين ، وأما الضفدع فيقول : سبحان الله المعبود في لجج البحار ، وأما الحمار فيقول : اللهم العن العشار ، وأما الفرس فيقول : إذا التقة الصفان سبوح قدوس رب الملائكة والروح ، وأما الزرزور فيقول : اللهم إني أسألك قوت يوم يا رزاق ، وأما الدراج فيقول : الرحمن على العرش استوى . قال : فأسلم اليهود وحسن إسلامهم . وروي عن جعفر بن محمد الصادق عن أبيه عن جده عن الحسين بن علي قال : إذا صاح النسر قال : يا ابن آدم عش ما شئت آخرك الموت ، وإذا صاح العقاب قال : في البعد من الناس أنس ، وإذا صاح القنبر قال : إلهي العن مبغضي محمد وآل محمد ، وإذا صاح الخطاف قرأ : {الحمد لله رب العالمين} ويمد {ولا الضالين} كما يمد القارئ اهـ . قلت : ويكفي في الرد على المنكر قوله تعالى : {قالت نملة يا أيها النمل ادخلوا مساكنكم} الآية ، حتى أثبت لها أهل المعاني أنواعا من البلاغة في هذا الكلام الموجز حيث نادت ونبهت وسمت وأمرت ونصت وحذرت وخصت وعمت وأشارت وأعذرت ووجهة ، نادت يا نبهت ها سمت النمل أمرت ادخلوا نصت مساكنكم حذرت لا يحطمنكم خصت سليمان عممت جنوده أشارت وهم أنذرت لا يشعرون ولما كان هذا أمرا معجبا لما فيه من جزالة الألفاظ وجلالة المعاني تسبب عنه قوله : {فتبسم ضاحكا من قولها} أي : لما أوتيته من الفصاحة والبيان وسرورا بما وصفته من العدل في أنه هو وجنوده لا يؤذون أحدا وهم يعلمون وبما آتاه الله تعالى من سمعه كلام النملة وإحاطته اهـ ، انظر السراج المنير . وفي لباب التأويل والسراج المنير واللفظ له عند قوله تعالى : {وتفقد الطير فقال مالي لا أرى الهدهد أم كان من الغائبين} وكان سبب غيبة الهدهد على ما ذكره العلماء أن سليمان لما فرغ من بناء بيت المقدس عزم على الخروج إلى أرض الحرم فتجهز للمسير واصطحب من الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش ما بلغ معسكره مائة فرسخ فحملتهم الريح ، فلما وافى الحرم أقام به ما شاء الله أن يقيم وكان ينحر في كل يوم مدة مقامه بمكة خمسة آلاف ناقة ويذبح خمسة آلاف بقرة وعشرين ألف شاة ، وقال لمن حضره من أشراف قومه : إن هذا المكان يخرج منه نبي عربي صفته كذا وكذا ويعطي النصر على جميع من ناوأه وتبلغ هيبته مسيرة شهر ، القريب والبعيد عنده في الحق سواء لا تأخذه في الله لومة لائم ، قالوا له : فبأي دين يدين يا نبي الله ؟ قال : بدين الحنيفية فطوبى لمن أدركه وآمن به ، قالوا : فكم بيننا وبين خروجه يا نبي الله ؟ قال : مقدار ألف عام فليبلغ الشاهد منكم الغائب فإنه سيد الأنبياء وخاتم الرسل وأقام بمكة حتى قضى نسكه ثم خرج منها صباحا وسار نحو اليمن فوافى صنعاء وقت الزوال وذلك مسيرة شهر فرأى أرضا حسنا تزهو خضرتها فأحب النزول ليصلي ويتغذى فلما نزل قال الهدهد : إن سليمان اشتغل بالنزول فارتفع نحو السماء فنظر إلى طول الدنيا وعرضها يمينا وشمالا فرأى بستانا لبلقيس فمال إلى الخضرة فوقع فيه فإذا هو بهدهد من هداهد اليمن فهبط عليه وكان اسم هدهد سليمان يعفور فقال هدهد اليمن ليعفور : من أين أقبلت وأين تريد ؟ قال : أقبلت من الشام مع صاحبي سليمان بن داوود عليهما السلام ، فقال : ومن سليمان ؟ قال : ملك الجن والإنس والشياطين والطير والوحوش والريح وذكر له من عظمة ملك سليمان وما سخر الله له من كل شيء فمن أين أنت ؟ فقال له الهدهد الآخر : أنا من هذه البلاد ووصف له ملك بلقيس وأن تحت يدها اثنا عشر ألف قائد ، تحت كل قائد مائة ألف مقاتل ، ثم قال : فهل أنت منطلق معي حتى تنظر إلى ملكها ، قال : أخاف أن يتفقدني سليمان في وقت الصلاة إذا احتاج إلى الماء ، فقال الهدهد الثاني : إن صاحبك يسره أن تأتيه بخبر هذه الملكة ، فانطلق معه ونظر إلى ملك بلقيس وما رجع إلى سليمان إلا بعد العصر وكان سليمان قد نزل على غير ماء . قال ابن العباس : وكان الهدهد دليل سليمان على الماء وكان يعرف الماء ويرى الماء تحت الأرض كما يرى في الزجاجة ويعرف قربه وبعده فينقر الأرض ثم تجيء الشياطين فيسلخونها كما يسلخ الإهاب ويستخرجون الماء إلى أن قال : فلما دخل على سليمان وقت الصلاة سأل الإنس والجن والشياطين عن الماء فلم يعلموه فتفقد الهدهد فلم يجده فدعا عريف الطير وهو النسر فسأله عن الهدهد فقال : أصلح الله تعالى الملك ما أدري أين هو ولا أرسلته إلى مكان ، فغضب سليمان عند ذلك وقال : {لأعذبنه عذابا شديدا أو لأذبحنه أو لياتيني بسلطان مبين} إلى أن قال : ثم دعا بالعقاب سيد الطير فقال له : عليّ بالهدهد الساعة ، فرفع العقاب نفسه دون السماء حتى التزق بالهواء فنظر إلى الدنيا كالقصعة في يد الرجل ثم التفت يمينا وشمالا فإذا هو بالهدهد مقبلا من نحو اليمين فانقض عليه العقاب يريده ، فلما رأى الهدهد ذلك علم أن العقاب يقصده بهدوء ناشده وقال : أسألك بحق الذي قواك وأقدرك علي إلا ما رحمتني ولم تتعرض لي بسوء فتركه ثم قال : ويلك ثكلتك أمك إن نبي الله قد حلف ليعذبنك أو يذبحنك فقال : أو ما استثنى نبي الله ؟ قال : بلى قال : أو ليأتيني بسلطان مبين ، قال الهدهد : قد نجوت إذا ، ثم طارا متوجهين نحو سليمان عليه السلام فلما انتهيا إلى المعسكر تلقاه النسر والطير فقالا له : أين غبت في يومك هذا فلقد توعدك نبي الله وأخبروه بما قال ، فقال الهدهد : أو ما استثنى نبي الله عليه السلام ، قالا : بلى قال : أو ليأتيني بسلطان مبين ، قال : قد نجوت إذا ، ثم طار الهدهد والعقاب حتى أتيا سليمان وكان قاعدا على كرسيه فقال العقاب : قد أتيتك به يا نبي الله ثم قال : فلما قرب منه الهدهد أرخى ذنبه وجناحيه يجرهما على الأرض تواضعا لسليمان ، فلما دنا منه أخذ برأسه فمده إليه وقال له : أين كنت لأعذبنك عذابا شديدا قال له الهدهد : يا نبي الله اذكر وقوفك بين يدي الله تعالى ، فلما سمع سليمان ذلك منه ارتعد وعفا عنه ثم سأله : ما الذي أبطأك عني ؟ اهـ . ثم قال في السراج : {فقال أحطت} أي علما بما لم تحط به وجئتك أي الآن من سبأ بنبأ أي خبر يقين أي محقق ، فقال سليمان : وما ذلك ؟ قال : {إني وجدت امرأة تملكهم وأوتيت من كل شيء ولها عرش عظيم} ولما كان الهدهد في خدمة أقرب أهل ذلك الزمان إلى الله تعالى فحصل له من النورانية ما حصل له ، قال مستأنفا معجبا : {وجدتها وقومها يسجدون للشمس من دون الله وزين لهم الشيطان أعمالهم} ثم تسبب عن ذلك ضلالهم فلهذا قال : {فهم لا يهتدون ألا يسجدوا لله الذي يخرج الخبء في السماوات والأرض ويعلم ما يخفون وما يعلنون الله لا إله إلا هو رب العرش العظيم} فإن قيل : من أين للهدهد التهدي إلى معرفة الله تعالى ووجوب السجود له وإنكاره سجودهم للشمس وإضافته إلى الشيطان وتزيينه ، أجيب بأنه لا يبعد أن يلهمه الله تعالى ذلك كما ألهم غيره من الطيور وسائر الحيوانات المعارف اللطيفة التي لا يكاد ذوو العقول الراجحة يهتدون لها خصوصا في زمن نبي سخرت له الطيور وعلم منطقها وجعل ذلك معجزة ، ثم قال : ولما فرغ الهدهد من كلامه قال سليمان : سننظر أصدقت فيه فنعذرك أم كنت من الكاذبين اذهب بكتابي هذا فألقه إليهم ، ثم قال : إذا ألقيته إليهم تول أي تنح عنهم إلى مكان تسمع فيه كلامهم ولا يصلون معه إليك فانظر ماذا يرجعون أي يردون من الجواب اهـ . ثم قال في اللباب والسراج واللفظ له : فأخذ الهدهد الكتاب وأتى به إلى بلقيس وكانت بأرض يقال لها مأرب من صنعاء على ثلاثة أيام . قال قتادة : فوافاها في قصرها وقد غلقت الأبواب وكانت إذا رقدت غلقت الأبواب وأخذت المفاتيح فوضعت تحت رأسها فأتاها الهدهد وهي نائمة مستلقية على قفاها فألقى الكتاب على نحرها ، وقيل : نقرها فانتبهت فزعة . وقال مقاتل : حمل الهدهد الكتاب بمنقاره حتى وقف على رأس المرأة وحولها القادة والجنود فرفرف ساعة والناس ينظرون إليه حتى رفعت المرأة رأسها فألقى الكتاب في حجرها . وقال وهب بن منبه وابن زيد : كانت لها كوة مستقبلة الشمس تقع الشمس فيها حين تطلع فإذا نظرت إليها سجدت لها فجاء الهدهد إلى الكوة فسدها بجناحيه فارتفعت الشمس ولم تعلم بها ، فلما استبطأت الشمس قامت تنظر إليها فرمى بالصحيفة إليها فأخذت بلقيس الكتاب وكانت قارئة اهـ . ثم قال صاحب الإبريز : وسمعته رضي الله تعالى عنه يقول : إن الثور إذا رأى ثورا آخر تكلم معه بما وقع له في سائر يومه فيقول له : رعيت عشية كذا وكذا وشربت ماء كذا وكذا وبقي في خاطري كذا ، فيجيب الآخر بمثل ذلك ويتحدثان بما شاء الله تعالى وفي كلامهما تقطيع وتقدير بمنزلة الحروف والمخارج من كلامنا ولكن ذلك محجوب عنا وكذا كلام سائر الحيوانات والأشجار والأحجار كما أنه حجب عنها سماع كلامنا بمخارجه وحروفه المقطعة بل لا يسمعون منه إلا صياحا وأصواتا ، وأما من فتح الله عليه فإنه يسمع كلامها ويفهم معناه ويعرف التقطيعات التي فيه وفهمه بالروح ، والروح تعرف المقاصد والأغراض قبل النطق بها ، ومادمت لم تر مفتوحا عليه من العجم ومفتوحا عليه من العرب وهما يتحدثان سائر يومهما يتكلم هذا بعجميته ويجيب الآخر بعربيته فإنك لم تر شيئا . قال : وسمعته رضي الله تعالى عنه يقول : كم مرة أذهب لأقضي حاجتي في بيت الوضوء فأرجع من غير قضائها لما أسمع من ذكر الماء لاسم الجلالة اهـ . ومما يؤيد كلام الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به في قول الشيخ الورتجيني في عرائس البيان عند قوله تعالى : {يسبح له السماوات السبع والأرض ومن فيهن وإن من شيء إلا يسبح بحمده ولكن لا تفقهون تسبيحهم} : إن الله سبحانه أوجد الخلق بقدرته القديمة الأزلية والمشيئة السابقة والإرادة القائمة بذاته وعلمه وحكمته فخرج الكون من العدم مما ظهر عليها صفات القدم فباشر أنوار قدرته الوجود فأثرت قدرته ومباشرتها في الأشياء الأرواح الحضرية والعقول الربانية والألسنة الحيارية والمعرفة الأبدية ورفع الحجاب من بينها وبين معادن القدرة ومصادر الفعل فشاهدت الأشياء مصادرها فاهتزت أرواحها بنعت عشقها إلى معادها وتكلمت ألسنتها بقدس خالقها وتقديس بارئها وتسبيح صانعها وذلك من حياة ناقصة شائعة من تأثير الحياة الأزلية فالكل في حياتها قائمة بتلك الحياة مسبحة لصانعها بتلك الألسنة وذلك من استيلاء غواشي أنوار القدرة وسبحات العظمة عليها فالسماوات تسبح له بلسان العظمة والأرض تسبح له بلسان القدرة ومن فيهن يسبح له من ذوات الأرواح والحياة بألسنة الصفات والأفعال على قدر مراتبهم وجميع الأشياء تسبح له الناميات والجمادات بالظاهر من قول أهل الرسوم لا من قول أهل المعرفة يسبح بلسان الأوصاف والأسماء والنعوت والعارفون به من بينهم يسبحون له بالألسنة الذاتية لأنهم في شروق شموس الأزل وأنوار طلوع أقمار الآباد ولكن لا يعرف تسبيح الجميع إلا من تجلى الحق لسره وروحه وعقله وقلبه وصورته بجميع الذات والصفات والأشياء الغيبية روحانية ملكوتية تسبح الحق بها بلغات غيبية وإشارات أزلية ولا يسمعها إلا أهل شهود الغيب الذين ينطقون بالحق ويسمعون بالحق ويعقلون بالحق ويعرفون الحق بالحق وينظرون بالحق إلى الحق وتصديق ما ذكرنا في تسبيح الجمادات ما روى أنس بن مالك قال : كنا عند رسول الله صلى الله عليه وسلم فأخذ كفا من حصى فسبحن في يد رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى سمعنا التسبيح ثم صبهن في يد أبي بكر فسبحن في يد أبي بكر حتى سمعنا التسبيح ثم صبهن في يد عمر فسبحن حتى سمعنا التسبيح ثم صبهن في أيدينا فما سبحن في أيدينا " والدليل على صدق هذا الحديث قوله تعالى :{ يا جبال أوبي معه } أو سبحي معه ومعروف أن الجبال تسبحن بتسبيح داوود عليه السلام . وعن جعفر بن محمد عن أبيه قال : مرض رسول الله صلى الله عليه وسلم فأتاه جبريل عليه السلام بطبق فيه رمان وعنب فأكل النبي صلى الله عليه وسلم فسبحن ثم دخل الحسن والحسين فتناولا منه فسبح العنب والرمان ثم دخل علي رضي الله تعالى عنه فتناول منه فسبح أيضا ثم دخل رجل من أصحابه فتناول فلم يسبحن فقال جبريل : إنما يأكل هذا نبي أو ولد نبي . وأصدق التصديق قوله سبحانه في آخر الآية :{ إنه كان حليما غفورا } ومن حلمه وغفرانه أنه عرف المخلوقات كلها نفسه بصفاته القديمة الأزلية ولولا حلمه وغفرانه ما كان الكون ولم يكن لسان يذكره ولكن بكرمه ورحمته وهب للكل من سلطانه وبرهانه لسانا يسبح بحمده وحمده شامل لكل ذرة وثناؤه في لسان كل ذرة سبحان الغني المحسن وهب عطاءه العميم والكرم القديم بغير استحقاق من الكون ولا يبالي . قال أبو عثمان المغربي : المكونات كلها يسبحن الله باخلاف اللغات ولكن لا يسمع تسبيحها ولا يفقه عنها ذلك إلا العلماء الربانيون الذي فتحت أسماع قلوبهم أهـ . قلت : ويكفي في هذه المسألة قوله تعالى :{ قالو أنطقنا الله الذي أنطق كل شيء } . قلت : وإذا تقرر واتضح وظهر صحة كلام الشيخ ظهورا لا غبار عليه وتبين جهل من لعله قد يعترض عليه فلنرجع إلى ما كنا بصدده فنقول : ثم قال الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : فإذا عرفت هذا فاعلم أن أرواح جميع الموجودات فردا فردا من كل ما سوى الله تعالى في كل لمحة من الزمان مشتغلة بـأمور لا تنفك عنها حتى طرفة عين وتلك الأمور هي صلاة الفاتح لما أغلق وفاتحة الكتاب وجميع القرآن والاسم الذي خلقها به والاسم الأعظم الكبير والتسبيح الخاص بها ، وقولنا : الاسم الذي خلقها به إذ لكل روح اسم من أسماء الله تعالى خلقها به وبه قوامها لا تشترك روحان فأكثر في اسم واحد فهي في كل كمقدار طرفة عين تذكر هذه الأمور بتمامها وإذا عرفت هذا عرفت ما تذكره بعد هذا وهذا أوان الشروع في المقصود فسلم الأمور ولا تنكر فإذا أخذناه من وجه لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خلفه بل هو في تحقيقه ووضوحه أشد وضوحا من الشمس في وقت الظهيرة صيفا : أما المرتبة الظاهرة في الفاتح لما أغلق مهما قرأها أحد بشرطها كتب الله له فيها أن يؤخذ جميع تلك الأذكار من تسبيح وتهليل وتكبير وتحميد واستغفار وصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وقراءة القرآن وغيره من الكتب الإلهية كلها مثل التوراة والإنجيل مثلا من أول منشأ العالم إلى بروز تلك الصلاة من الذاكر وتجمع تلك الجمعية المذكورة وتتضاعف ستة آلاف مرة ثم تحسب ألسنة جميع المخلوقات من كل ما سوى الله تعالى وتتضاعف فيها تلك الجمعية بعد مضاعفتها ستة آلاف مرة وتتضاعف أيضا على عدد ألسنة جميع العوالم من كل ما سوى الله تعالى ثم تتضاعف مضاعفة ثالثة على قدر مرتبة كل لسان فإن من الألسنة من ليس له من ذكره إلا مرة واحدة من كل لفظ وفيهم من له التضاعف مائة مرة في كل كلمة من كل ذكر وفيهم من له عشرة آلاف وفيهم من له ألف ألف إلى عشرة آلاف ألف إلى مائة ألف ألف إلى ألف ألف ألف إلى ما وراء ذلك مما يكثر ذكره ثم تحسب كل لفظة على حدتها بعد التضاعف المذكور ويجري القانون في ثوابها على قدر ما ذكر في رسم الشروع من كون كل صلاة عليه صلى الله عليه وسلم خواصها في الشروع وكل صلاة بحوراء وقصر في الجنة وعشر درجات وعشر حسنات ومحو عشر سيئات والطائر الذي يقوم منها على صورة ما ذكر في الحديث يسبح الله تعالى إلي يوم القيامة وثوابه للمصلي وعشر صلوات من الله تعالى من جميع الملائكة وهذه الصلوات من الله تعالى في غير التي تأتي في المرتبة الباطنة فإن تلك ليست هذه وفي كل صلاة أيضا يخلق منها ملك ينغمس في بحر الحياة ثم يخرج فينتفض فيخلق الله تعالى من كل قطرة تقطر منه ملكا يستغفر للمصلي إلى يوم القيامة ثم في كل صلاة ثواب أربعمائة غزوة وثواب أربعمائة حجة مقبولة واما كل تسبيحة وتحميدة وتهليلة فكلها فيها ثواب القرآن وأما ثواب القرآن في هذا فهو غير ما عند أهل الظاهر فثواب القرآن في هذا أنه لو اجتمعت الأذكار كلها من كل روح في العالم فردا فردا من أي ذكر كان وجميع أسماء الله تعالى الظاهرة والبطنة وجميع الحسنات من جميع الموجودات في العالم فردا فردا وجميع العبادات في العالم من جميع الأرواح في جميع العالم فردا فردا وجمعت هذا الثواب الذي ذكرناه كله لم يعادل ثواب حرف من القرآن وهذا في غير الفاتحة وأما الفاتحة فثوابها ثواب ختمة من القرآن كاملة في كل مرة وفيها أيضا في كل مرة منها من الحور والقصور ألف ألف حوراء يعني ألف ألف ثم ألف ألف أخرى ثم ستمائة ألف وسبعة آلاف وكسر هذا العدد فيها كله كامل من الحور والأبكار ومثله من القصور وفيها ثواب قيام ليلة القدر كاملا وفيها أيضا أكثر ما سبح به ربنا في جميع كورة العالم من جميع الأذكار كلها وجميع القرآن من كل تال ومن كل روح من كل ما سوى الله تعالى وهذا كله في الفاتحة من كل قارئ لها والأذكار المحسوبة في كورة العالم من كل روح من أول منشأ العالم وقت بروز صلاة الفاتح لما أغلق من ذاكرها هذا الذي ذكر في الفاتحة بعد مضاعفتها بالمضاعفات الثلاث التي تقدمت وكل سلكة في القرآن أيضا من كل قارئ من منشأ العالم إلى وقت بروز الصلاة بالفاتح لما أغلق من ذاكرها تتضاعف أيضا تلك السلكة من القرآن من كل تال على قدر المضاعفات الثلاث المتقدمة ويكون حكم ثواب تلك السلكة على قدر ما ذكرنا آنفا في ثواب القرآن عند أهل الظاهر وخذ بجميع الأذكار هذا القياس وهذا المهيع واعمل به في المضاعفات الثلاث المتقدمة ولا يستثنى من هذه الجمعية التي في الفاتح لما أغلق من جميع ما ذكر في الفاتحة والقرآن وجميع الأذكار إلا الاسم الأعظم وأذكاره صلى الله عليه وسلم فلا مدخل لهذين في صلاة الفاتح لما أغلق لعلوها عنها لكن بحسب لسانه صلى الله عليه وسلم مع ألسنة الأكوان في المضاعفات فإن له صلى الله عليه وسلم مائة ألف لسان وأربعة وعشرين ألف لسان وكل لسان من ألسنته صلى الله عليه وسلم إذا جمعت له آية واحدة من القرآن وتسبيحة واحدة من أي ذكر لم يعادلها ذكر جميع العالم من كل ذكر وتلاوة الفاتحة والقرآن من أول منشأ العالم إلى النفخ في الصور من كل ما ذكروه ومن كل ما قرأوه قرآنا وفاتحة ومن كل ما عبدوه من أول العالم وجودا إلى النفخ في الصور لم يعادلوا تسبيحة واحدة من تسبيحته أو آية من تلاوته فضلا عن الفاتحة ثم من بعده صلى الله عليه وسلم كل إنسان على قدر مبلغ ثوابه فما عسى أن يكون الأمر إذا حسبت الجمعية التي ذكرناها قبل كلها إلى لسان واحد من ألسنته صلى الله عليه وسلم وما عسى أن يكون ثوابه ذلك فكيف إذا أضيف الجمعية العظمى إلى كل لسان من ألسنته صلى الله عليه وسلم فما عسى أن يبلغ ثوابها ؟ وكذلك لسان أبي بكر الصديق رضي الله عنه حيث يقول جبريل لنبينا صلى الله عليه وسلم : لو حدثتك بفضائل عمر في السماء ما لبث نوح في قومه ما نفذت فضائل عمر وإن عمر لحسنة من حسنات أبي بكر فما عسى أن يكون الأمر إذا تلى أبو بكر رضي الله تعالى عنه تلك الجمعية كلها بلسانه وكان ثوابه فيها على قدر رتبته وأعطي ذلك كله لصاحب الفاتح لما أغلق في كل مرة فما عسى أن يكون ثوابه ؟ وكذا في الملائكة العالين الذين هم وراء العرش إذا ذكر كل واحد منهم تلك الجمعية بلسانه ستة آلاف مرة وهو أبعد من أبي بكر الصديق بكثير لا حصر له وكذا إن تلا كل لسان من ألسنته صلى الله عليه وسلم تلك الجمعية ستة آلاف مرة فما عسى أن يحسب ثوابها وكل لسان من كل نبي يتلو تلك الجمعية كل لسان منهم ستة آلاف مرة وهو أبعد من الملائكة العالين وهم خارجون عن الحصر والعد وهذا الثواب كله بتمامه في كل مرة من صلاة الفاتح لما أغلق فانظر ما جمعت من الثواب وهذا آخر مرتبتها الظاهرة أهـ . تكميل : بقي علينا من الكلام على مرتبتها الظاهرة في الفاتح لما أغلق ثم اعلم أن عدد الأرواح لا يوقف له على غاية لأن عدد العوالم الإلهية ثمانية آلاف عالم ،العرش بكل ما في جوفه عالم واحد من هذه العوالم وفي جوفه الكرسي والفلك الأطلس وفلك الكواكب الثابتة والسماوات السبع والأرضون والجنة والنار وكلها مملوءة بالمخلوقات وأرض السمسمة واسعة جدا لو وضع العرش فيها بجميع ما في جوفه لكان كحلقة ملقاة في فلاة وهي مملوءة بما لا يحصي عدده إلا الله تعالى ثم هي كل مقدار طرفة عين يتزايد الخلق فيها تزايدا لا عد له منذا خلقت إلى الأبد وأهلها لا يموتون وكل من خلق فيها بقي إلى الأبد وأول نشأتها حين كون الله طينة آدم عليه الصلاة والسلام ومن حين أنشأها الله تعالى والخلق يتزايدون فيها تزايدا لا يقع عليه عدد من كثرته وفيها من أعداد عوالم المخلوقات ما لا يحصي عدده إلا الله تعالى وهي على هذا المهيع إلى ألأبد وكل أهلها مع الثمانية آلاف بجميع ما فيهم من المخلوقات داخلون تحت حيطة الفاتح لما أغلق ولأهل أرض السمسمة مجبولون على تعظيم الله عز وجل وعبادته وزمنها مخالف لزمننا منذ خلقت فإن مقدار اليوم عندنا تمر عليهم فيه سنون وفي كل نفس يحدث الله تعالى فيها من الخلق ما لا يعلمه إلا الله تعالى وفي كل نفس يحدث الله تعالى فيها عوالم يسبحون الليل والنهار لا يفترون مثل الملائكة وهكذا إلى الأبد بلا نهاية ثم في عالمنا وغيره كل ذرة على انفرادها لها روح لا تفتر عن ذكر الله تعالى ولا عن عبادته من حيوان وجماد حتى أوراق الأشجار ورقة ورقة وحتى الحصى والرمل والهباء فردا فردا وحتى قطر المطر فردا فردا وحتى حبوب الثمار المأكولة وغير والمأكولة فردا فردا وكل ما هلك من أجساد هذه المخلوقات بموت أو هدم أو أكل بقية أرواحها لا تفنى لأن الأرواح خلقت للأبد فهي على حالها منذا خلقت لم تفتر عن ذكر الله تعالى في الأمور التي ذكرناها وكذا من المخلوقات التي لها أرواح والحروف المكتوبة فما من حرف يوضع في محل أي محل كان إلا ألبسه الله تعالى روحا جديدة تذكر الله تعالى بتلك الأذكار التي قدمناها وكذا آثار الأقدام والمشي وكذا آثار العيدان في الجدران والتراب إذا حركتها الرياح كل فرد من ذلك له روح حيث انطمثت تلك الأجسام بموت أو هلاك بقيت أرواحها إلى الأبد لا تفنى بفنائها فانظر في هذا كم في الأشجار من أوراق متجددة في كل عام وحبوب متجددة في كل عام بل وجميع ما يصور الخلق في الأواني عودا ومعدنا نحاسا وغيره أو طينا أو آجرا أو زليجا أو دورا أو جدرانا كل شيء من ذلك له روح حكمها حكم ما تقدم ذكره باقية إلى الأبد لا تموت بموت جسدها وهدمه وهذا كله من منشأ العالم إلى الأبد منسحب عليه هذا الحكم ثم كل تلك الجمعية العظمى التي تقدمت في أول المرتبة الظاهرة تتضاعف على هذه الألسنة في جميع العوالم ثم في ستة آلاف أخرى في مراتب الذاكرين كما قدمنا فإن مرتبة النبي إذا ذكر تلك الجمعية كلها كل كلمة منه لا يقدر قدرها في الثواب ولا يحصى ثوابها من كل من كان من الأنبياء له لسان واحد ومن كل من كان قطبا فإن كل قطب من الأنبياء والصديقين له ثلاثمائة لسان وستة وستون لسانا وغير القطب له لسان واحد وانظر الملائكة العالين في عددهم وهم لا يحصى عددهم فإن السماوات السبع والأرضين السبع مملوءة بالملائكة وإن أضيفت إلى ملائكة الكواكب الثابتة كان نزرا قليلا ، وكذا نسبة ملائكة الفلك الثامن إلى الأطلس على هذا المهيع وكذا الفلك الأطلس مع الكرسي على هذا المهيع والكرسي مع العرش على هذا المهيع ، إن حول العرش ستمائة ألف سرادق والسرادق هو الصور بعد ما بين كل سرادق وسرادق قدر مسافة السماوات والأرض وذلك ثلاثة عشر ألفا وخمسمائة سنة وكلها مملوءة بالملائكة ، ومن وراء السرادقات مائة ألف صف وسبعون ألف صف من الملائكة وكل هذه الملائكة في ملائكة الصور نزر قليل ، ثم من وراء العرش سبعون حجابا محيطة به كإحاطة بيضة النعامة غلظ كل حجاب سبعون ألف عام سيرا ، وسعة كل ما بين حجاب وحجاب مسيرة سبعين ألف عام هواء ، وكل ذلك الهواء مملوء بالملائكة لا تجد فيها قدر الأنملة فراغا ، وبين الحجاب الأول والعرش سبعون ألف عام هواء كله مملوء بالملائكة ، ومن وراء العرش حجاب عالم الرقا ، وكل حجاب فوق حجاب مثل الحجب التي فوق العرش حتى قال الشيخ العارف بالله تعالى سيدي إبراهيم المتبولي إن كشفه انتهى إلى مشاهدة سبعمائة حجاب وراء العرش يعني مثل الحجب السبعين في القدر والسعة ، ثم عالم الرقا كله حجب مثلما تقدم في السبعين حجابا إلى الطوق الأخضر المحيط بكورة العالم ، ووراء الطوق الأخضر حجب كثيرة بين كل حجاب وحجاب سبعون ألف حجاب كلها مملوءة بالملائكة ، وكل ملائكة الحجب من العرش إلى الطوق الأخير الأخضر إلى ما وراءه كلهم عالون ، ومرتبة كل ملك من العالين في الثواب كمرتبة النبي أو أقل بكثير أو تقرب منه ، ولكل ملك من العالين سبعون لسانا فإذا زادت تلك الجمعية المتقدمة على كل لسان من ألسنة الملائكة العالين على كثرتهم إلى غير نهاية كم يكون ثوابه ؟ وهذا في كل مرة من الفاتح لما أغلق . إلحاق : ثم من جملة ما تتلوه الأرواح ولا تفنى عنه دعاء : يا من أظهر الجميل من أول العالم إلى الأبد ، ثم التسبيح الذي يقدس الله تعالى به نفسه دائما تذكره الأرواح لا تفتر عنه ، فأما : يا من أظهر الجميل فذكر في الحديث أن الله تعالى يعطي لذاكره في كل مرة ثواب جميع الخلائق وهو عام لجميع الخلق في العوالم كلها من كل عابد وذاكر ، فإذا كانت الأرواح تذكره من حين خلقت إلى الأبد ثم أخذت جمعية ذلك من كل روح وجماد وضوعف بالمضاعفات الثلاث المتقدمة كم يبلغ ثوابه ؟ ومثله التسبيح الذي يقدس الله تعالى به نفسه دائما تذكره الأرواح لا تفتر عنه . وذكر في الحديث أن ثوابه في كل مرة أن يعطيه الله تعالى عبادة أهل السماوات والأرض فإذا جمعت أذكار الأرواح بها كلها من حين أنشأ الله تعالى العالم إلى الأبد وضوعف بالمضاعفات الثلاث كم يبلغ ثوابه ؟ وفي هذين الذكرين يا من أظهر الجميل والتسبيح الذي يقدس الله تعالى به نفسه يستغرق جميع الثواب حتى ثواب الأنبياء والأقطاب والصديقين من غير ما يذكرونه بالاسم الأعظم فلا مدخل له فيه والباقي من الثواب كله داخل ويدخل فيه ثواب أعمال قلوبهم فإن ثواب عمل الصديقين بإعطاء حقوق التجليات أبدا ووظائف لو أضيف أعمال الجن والإنس وكثير من العوالم من منشأ العالم إلى قيام الساعة ما بلغت من عمل الصديق مقدار طرفة عين ، وجميع الصديقين لا يبلغ ثوابهم ثواب قطب واحد ، وجميع الأقطاب من غير الأنبياء لا يبلغ ثوابهم ثواب نبي واحد من أعمال القلوب وهو حاصل لكل ذكر في هذين الذكرين فاعتبارهما في هذه الجمعية مع المضاعفات الثلاث كم تبلغ ؟ ثم اعتبر أعمال جميع الملائكة العالين وثوابها من حين أنشأ الله تعالى العالم إلى النفخ في الصور وهو داخل في ثواب يا من أظهر الجميل واعتبر بقدر الجمعية التي تذكره جميع المخلوقات لا تفتر عنه من حين أنشأ الله تعالى العالم إلى الوقت التي ذكرت فيه صلاة الفاتح واعتبر جمعيته بالمضاعفات الثلاث من كل ملك عال وانظر كم بلغ ثوابه ، انتهى ما أردنا ذكره من المرتبة الظاهرة في الفاتح لما أغلق . واعلم أن ما ذكرناه من فضل مرتبتها الظاهرة بالنسبة لما لم نذكره منها كنقطة في بحر ، ثم اعلم أن ما ذكرناه فيها لا ينال إلا بما هو معلوم عند أهله وذلك لا يكتب في كتاب بل لا يكاد يذكر لخواص خواص الخواص فضلا عن أن يذكر للعوام ، وأما ما في مرتبتها الباطنة فلا نذكر شيئا منه في هذا الكتاب المبارك ولو بالإشارة وفي وقت آخر يفعل الله تعالى ما يريد . وأما فضل الهيللة فمعلوم مشهور في هذه الملة المحمدية كما جاء في الكتاب والسنة ، أما الكتاب فقد قال تعالى لسر خليقته وأفضل بريته صلى الله عليه وسلم : {فاعلم أنه لا إله إلا الله} وقال في ذم أهل النار : {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} . وأما السنة فقد ورد في فضلها أحاديث كثيرة ، روى مالك بن أنس عن طلحة بن عبيد الله أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "أفضل ما قلت أنا والنبيون من قبلي لا إله إلا الله" . وروى ابن منصور الديلمي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "من قال لا إله إلا الله ومدها هدمت له أربعة آلاف ذنب من الكبائر" . وروى أبو منصور الديلمي أيضا عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "ثمن الجنة لا إله إلا الله وثمن النعمة الحمد لله" . وروى صاحب الفردوس من غير إسناد عن أم هانئ رضي الله تعالى عنها قالت : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا إله إلا الله لا يسبقها عمل ولا تترك ذنبا" . وروى الموصلي وأبو منصور الديلمي عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "لا إله إلا الله تمنع العبد من سخط الله عز وجل ما لم يؤثروا صفقة دنياهم فإذا آثروا صفقة دنياهم على دينهم وتركوا لا إله إلا الله ردت إليهم وقال الله عز وجل : كذبتهم" . وروى صاحب الفردوس عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : "لقنوا أمواتكم لا إله إلا الله فإنها خفيفة على اللسان ثقيلة في الميزان لو جعلت لا إله إلا الله في كفة وجعلت السماوات والأرض في كفة لرجحت بهن لا إله إلا الله" . وروى النسائي وابن حبان في صحيحه والحاكم عن أبي سعيد الخدري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم : قال موسى عليه السلام : يا رب علمني شيئا أذكرك به وأدعوك به قال : يا موسى قل لا إله إلا الله ، قال : يا رب كل عبادك يقولون هذا قال : قل لا إله إلا الله قال : إنما أريد شيئا تخصني به قال : يا موسى لو أن السماوات السبع والأرضين السبع في كفة ولا إله إلا الله في كفة مالت بهن لا إله إلا الله . وروى عبد بن حميد عن عبد الله بن عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "يؤتى برجل يوم القيامة ثم يؤتى بالميزان ثم يؤتى بتسعة وتسعين سجلا كل سجل منها مد البصر فيها خطاياه وذنوبه فتوضع في كفة الميزان ثم يخرج له قرطاس مثل هذا ـ وأمسك بإبهامه على نصف أصبعه ـ فيها أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمدا عبده ورسوله فتوضع في كفة أخرى فترجح بخطاياه وذنوبه" قال الفشني في شرحه على الأربعين النووية عند قوله صلى الله عليه وسلم : "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله" الحديث . فصل : في الكلام عن لا إله إلا الله وبعض فضائلها : اعلم أن الله سبحانه وتعالى أمر عباده أن يعتقدوها ويقولوها فقال سبحانه : {فاعلم أنه لا إله إلا الله} وذم مشركي العرب بقوله : {إنهم كانوا إذا قيل لهم لا إله إلا الله يستكبرون} وقال صلى الله عليه وسلم لعمه أبي طالب : "قل لا إله إلا الله كلمة أشهد لك بها يوم القيامة" فلا إله إلا الله كلمة التقوى كما فسرها صلى الله عليه وسلم . وفي حديث عثمان رضي الله تعالى عنه : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول : "إني لأعلم كلمة لا يقولها عبد حقا من قلبه إلا حرمه الله تعالى على النار" فقال عمر رضي الله تعالى عنه : أنا أحدثك ما هي كلمة الإخلاص التي لازمها محمد وأصحابه . قال سهل النستري رحمه الله تعالى : ليس لقول لا إله إلا الله ثواب إلا النظر إلى وجه الله عز وجل والجنة ثواب الأعمال . وقيل أن كلمة التوحيد إذا قالها الكافر ينتفي عنه ظلمة الكفر ويثبت في قلبه نور التوحيد وإذا قالها المؤمن في كل يوم ألف مرة فكل مرة تنفي عنه شيئا لم تنفه المرة الأولى وهي أفضل الذكر كما قاله النبي صلى الله عليه وسلم وهي أدب الناسكين وعمدة السالكين وعدة السائرين وتحفة السابقين . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : يفتح الله أبواب الجنة وينادي مناد من تحت العرش : أيتها الجنة وكل ما فيك من النعم لمن أنت ؟ فتنادي الجنة وكل ما فيها : نحن لأهل لا إله إلا الله ، وعند هذا تقول النار وكل ما فيها من العذاب : لا يدخلني إلا من أنكر لا إله إلا الله ولا أطلب إلا من كذب بلا إله إلا الله وأنا حرام على من قال لا إله إلا الله وأنا أمتلئ بمن جحد لا إله إلا الله وليس غيظي وزفيري إلا على من أنكر لا إله إلا الله قال فتجيء رحمة الله ومغفرته فتقول : أنا لأهل لا إله إلا الله وناصرة لمن قال : لا إله إلا الله ومحبة لمن قال لا إله إلا الله والجنة مباحة لمن قال لا إله إلا الله والنار محرمة على من قال لا إله إلا الله والمغفرة من كل ذنب لأهل لا إله إلا الله والرحمة والمغفرة غير محجوبة عن أهل لا إله إلا الله . وقال بعضهم : الحكمة في قوله تعالى :{ إذا الشمس كورت وإذا النجوم انكدرت } أن يوم القيامة يتجلى نو لا إله إلا الله فيضمحل في ذلك نور الشمس والقمر لأن أنوار تلك أنوار مجازية ونور لا إله إلا الله نور حقيقي ذاتي واجب الوجود لذاته تعالى والمجاز يبطل في مقابلة الحقيقة . وجاء في الآثار أن العبد إذا قال : لا إله إلا الله أعطاه الله تعالى من الثواب بعدد كل كافر وكافرة قيل : والسبب أنه لما قال هذه الكلمة فكأنه قد رد على كل كافر وكافرة فلا جرم يستحق الثواب بعددهم . وسئل بعض العلماء عن معنى قوله تعالى :{ وبير معطلة وقصر مشيد } فقال : البئر المعطلة قلب الكافر معطل من قول لا إله إلا الله والقصر المشيد قلب المؤمن معمور بشهادة أن لا إله إلا الله . وقيل في قوله تعالى :{ وقولوا قولا سديدا } يعني قول لا إله إلا الله . وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يمشي في الطريق ويقول : " قولوا لا إله إلا الله تفلحوا " . وقال سفيان بن عيينة : ما أنعم الله على العباد بنعمة أفضل من أن عرفهم لا إله إلا الله وأن لا إله إلا الله في الآخرة كالماء في الدنيا . وذكر سفيان الثوري رحمه الله : أن لذة قول لا إله إلا الله في الآخرة كلذة شرب الماء البارد في الدنيا . وقال مجاهد في تفسير قوله تعالى :{ وأصبغ عليكم نعمه ظاهرة وباطنة } أنه لا إله إلا الله . وقيل أن كل كلمة يصعد بها الملك إلا قول لا إله إلا الله فإنه يصعد بنفسه دليله قوله تعالى :{ إليه يصعد الكلم الطيب } أي قول لا إله إلا الله { والعمل الصالح يرفعه } أي الملك يرفعه إلى الله تعالى حكاه الرازي . وحكى أيضا : أنه إذا كان آخر الزمان فليس لشيء من الطاعات فضل كفضل لا إله إلا الله لإن صلاتهم وصيامهم يشوبها الرياء والسمعة وصدقاتهم يشوبها الحرام ولا إخلاص في شيء منها أما كلمة لا إله إلا الله فهي ذكر الله تعالى والمؤمن لا يذكرها إلا عن صميم قلبه . وفي الخبر يقول الله تعالى : لا إله إلا الله حصني فمن دخل حصني أمن من عذابي . ويقال : لا إله إلا الله محمد رسول الله سبع كلمات وللعبد سبعة أعضاء وللنار سبعة أبواب فكل كلمة من هذه الكلمات السبع تغلق بابا من الأبواب السبعة على كل عضو من الأعضاء السبعة . حكي عن الإمام الرازي رحمه الله تعالى أن رجلا كان واقفا بعرفة فكان في يده سبعة أحجار فقال : يا أيتها الأحجار اشهدوا لي أني أشهد أن لا إله إلا الله وأشهد أن محمدا رسول الله فنام فرأى في المنام كأن القيامة قد قامت وحوسب ذلك الرجل فوجبت له النار فلما ساقوا به إلى باب من أبواب جهنم جاء حجر من تلك الأحجار السبعة وألقى نفسه على ذلك الباب فاجتعمت ملائكة العذاب على رفعه فما قدروا ثم سيق إلى الثاني فكان الأمر كذلك وهكذا الأبواب السبعة فسيق به إلى العرش فقال الله سبحانه وتعالى : عبدي أشهدت الأحجار فلا يضيع حقك وأنا شاهد على شهادتك بتوحيدي ادخل الجنة فلما قرب من أبواب الجنان وجد أبوبها مغلوقة فجاءت شهادة لا إله إلا الله وفتحت الأبواب ودخل الرجل الجنة . وروى القرطبي بسنده أن اتلنبي صلى الله عليه وسلم قال : " حضر ملك الموت عليه السلام رجلا فنظر في كل عضو من أعضائه فلم يجد فيه حسنة ثم شق عن قلبه فلم يجد فيه شيئا ثم فك عن لحييه فوجد طرف لسانه لاصقا بحنكه يقول لا إله إلا الله فقال وجبت لك الجنة بقول كلمة الإخلاص يعني لا إله إلا الله . وفي الحديث : من كان آخر كلامه من الدنيا لا إله إلا الله دخل الجنة . وفيه أيضا : ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا نشورهم وكأني بأهل لا إله إلا الله ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون : الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن . والأحاديث والآثار في فضلها كثيرة شهيرة وفي هذا كفاية أهـ . وأما فضل قول الذاكر : عليه سلام الله بعد قوله في المرة الأخيرة من كلمة الشهادة لا إله إلا الله سيدنا محمد رسول الله صلى الله عليه وسلم فسيأتي في الفصل الموفي أربعين في ذكر فضائل الأذكار غير اللازمة للطريقة عند تعرضنا لذكر فضل السلام عليه وذكر فضل السلام عليك أيها النبي ورحمة الله وبركاته . وأما فضل أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم فروى أبو يعيى الموصلي والطبراني عن البراء بن عازب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من استغفر الله دبر كل صلاة ثلاث مرات فقال : أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت له ذنوبه وإن كان فر من الزحف " . وروى ابن أبي شيبة عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من قال أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه خمس مرات غفر له وإن كان عليه مثل زبد البحر " أهـ . وأما فضل جوهرة الكمال فقد قال الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : أن رسول الله صلى الله عليه وسلم ذكر لها خواص منها : المرة الواحدة تعدل تسبيح العالم ثلاث مرات ومنها من قرأها سبعا فأكثر يحضره رسول الله صلى الله عليه وسلم والخلفاء الأربعة ما دام يذكرها ومنها أن من لازمها كل يوم أزيد من سبع مرات يحبه النبي صلى الله عليه وسلم محبة خاصة ولا يموت حتى يكون من الأولياء ، وقال الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : من داوم عليها سبعا عند النوم على طهارة كاملة وفراش طاهر يرى النبي صلى الله عليه وسلم . وقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : أعطاني رسول الله صلى الله عليه وسلم صلاة تسمى جوهرة الكمال كل من ذكرها اثنتي عشرة مرة وقال هذه هدية مني إليك يا رسول الله فكأنما زاره في قبره يعني في روضته الشريفة وكأنما زار أولياء اله والصالحين من أول الوجود إلى وقته ذلك . وأما فضل : سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ورب العالمين ففي لباب التأويل عند هذه الآية : وقيل العرض من ذلك تعليم المؤمنين أن يقولوا ولا ينحلوا به ولا يغفلوا عنه لما روي عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : من احب أن يكتال بالمكيال الأوفى من الأجر يوم القيامة فليكن آخر كلامه إذا قام من مجلسه : سبحان ربك رب العزة عما يصفون وسلام على المرسلين والحمد لله ورب العالمين . والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>