نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل السابع والثلاثون
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الثاني > الفصـل السابع والثلاثون

في بيان أن من أعمال البر ما يقتضي غفران الذنوب الكبائر والصغائر وفي بيان جواز مغفرة الله تعالى لعبده جميع ذنوبه الماضية التي فعلها والمستقبلة التي سيفعلها ، وأن الولي قد يعلم ولايته وقد لا يعلمها ، وقد يعلم أنه مأمون العاقبة .
فنقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : اعلم وفقنا الله تعالى وإياك لما يحبه ويرضاه أنا وضعنا هذا الفصل في هذا المحل تتمة للفصل المتقدم وتمهيدا للفصل الذي بعد هذا الفصل لعلك تنجو من الانتقاد الذي يؤدي إلى تكذيب نبيك المعصوم محمد صلى الله عليه وسلم وتكذيب ساداتك الأولياء العارفين ومن الحرمان الآن من أنكر شيئا عوقب بحرمانه . وفي دلائل الخيرات : وعنه صلى الله عليه وسلم أنه قال : "من صلى عليّ مرة واحدة صلى الله عليه عشر صلوات ، ومن صلى عليّ عشر صلوات صلى الله تعالى عليه مائة ، ومن صلى عليّ مائة مرة صلى الله تعالى عليه ألف مرة ، ومن صلى عليّ ألف مرة حرم الله جسده على النار" . قال الفاسي في مطالع المسرات : أي نار جهنم أي : جعله حراما عليها أي ممتنعا فلا سبيل لها إليه وهو كناية على كمال النجاة من النار مطلقا بحسب ظاهر اللفظ فيقتضي غفران الذنوب الكبائر والصغائر . وقد جاءت أحاديث في أعمال البر تقتضي ذلك أيضا كالحج فقد ثبت فيه أحاديث تقتضي تكفيره للذنوب الكبائر والصغائر فاختلف في ذلك العلماء ، فقال قوم : إن كل ما جاء في ذلك إنما هو في الصغائر وإنها مقيدة بحديث "ما اجتنبت الكبائر" المخرج في الصحيحين إلى أن قال : وحكى ابن العربي وغيره على ذلك الإجماع وأن الكبائر وإنما تكفر بالتوبة . قال ابن دقيق العيد : وفيه نظر . وقال الشيخ زروق في شرح الرسالة بعد نقله : وفيه نظر . وظواهر الأحاديث تقتضي خلاف ذلك سيما حديث "أن الله غفر لأهل عرفة وضمن عنهم التبعات" وهو حديث صحيح اهـ . وصرح قوم بجواز تكفير الكبائر والصغائر بالأعمال الصالحة بفضل الله تعالى منهم ابن المنذر فيما نقله ولي الدين العراقي في تكملة شرح التقريب لوالده وأبو نعيم الأصبهاني فيما نقله ابن حجر في شرح فتح الباري مفسرا به حديث الترمذي وغيره : "من قال أستغفر الله العظيم الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه غفرت له ذنوبه وإن كان فر من الزحف" ومشى على ذلك في كتاب الرضا من فتح الباري أيضا وكذلك السيوطي في الكلام على حديث مسلم : من قتل كافرا والباجي في المنتقى في حديث التأمين والقاضي عياض في الإكمال ونقل كلامه الشيخ أبو زيد الثعالبي في كتابه جامع الفوائد واستحسنه وجعله قاعدة عظيمة في كل ما ورد من الوعد الجميل في القرآن والأحاديث من أن من عمل كذا وكذا دخل الجنة كما نقله الشيخ أبو زيد أيضا في تفسيره وفي كتابه العلوم الفاخرة في أمور الآخرة كلام الفخر الرازي وقال بذلك أيضا القرطبي في المفهم ونقل كلامه الأبي ثم نقل كلام ابن العربي وزينه ثم نقل كلام اختيار بن بزيزة تكفي الطاعات للكبائر واحتجاجه بقوله : ثم قال : قلت : الجاري على مذهب الأشعرية أنه يجوز مغفرة الكبائر دون توبة وصحة تكفير الحج لها ونقله الشيخ السنوسي في تكمله الكمال وأقره ونقل القول بذلك ابن التين الصفاقسي في شرح البخاري والبدر الدماميني في حواشيه وكذا قال بذلك أيضا ابن عرفة في ما نقله عنه السيد الشريف السلوي والبسيلي في تقييدهما في التفسير وقد ألف في هذه المسألة الشيخ أبو العباس أحمد بابا أقيت ونقل نصوص الأئمة المسلمين كلهم وغيرهم ثم قال : وأقول الذي يتبادر للفهم ويظهر للنظر هو القول الثاني وهو جواز غفران الكبائر كالصغائر ببعض الأعمال المقبولة بفضل الله تعالى لأمور أحدها ما ثبت من قواعد أهل السنة وأصولهم أن الله تعالى بفضله وكرمه سبب لنجاة من شاء لعباده العاصين عملا صالحا يعمله وقولا طيبا يقوله من أي أنوع الطاعات سيما التي جاءت الأخبار أنها تكفر الذنوب ثانيها ما قاله الأئمة أن ظواهر الشرع هي الجادة عند اختلاط الآراء واشتباك الأقوال إن لم تخالف الأدلة العقلية ولا شك أن ما جاء في الأحاديث من تكفير الأعمال للذنوب كثير جدا بحيث لا يحيط بها أحد ثم ذكر جماعة الفوافي الخصال المكفرة لما تقدم وما تأخر من الذنوب من حفاظ المتأخرين ثم قال : وليس رد جميع الأحاديث الواردة في ذلك بحديث :" ما اجتنبت الكبائر " والحكم عليها بالتقييد به بينا سيما منها ما لا يمكن تقييده به ثم ذكر أحاديث كثيرة مما لا يمكن تقييده ثم إلى غيرها من الأحاديث في المعنى التي لو تتبعت لجاء منها أوراق عدة بعضها صحيح وبعضها ضعيف ولا يمكن تقييدها بحديث ": ما اجتنبت الكبائر " أصلا لأنها صريحة في تكفير الكبائر صراحة لا تقبل التقييد ثم ذكر تأويل حديث "ما اجتنبت الكبائر " ثم ذكر وجودها أخر في تقوية هذا القول الثاني ذكر في خامسها ما جاء في روايات كثيرة عن الصالحين وتواتر في رؤيتهم خلقا من الناس في المنام بعد موتهم فتذكر كل أحد أنه غفر له بسبب عمل خاص وقد كان مات على غير توبة ثم سرد من ذلك جملة صالحة ثم قال : وغيرها مما يكثر في ذه المنامات وإن كانت لا يستدل بها على الأحكام الشرعية كما قال المحققون : ونقضوا لأجله ما وقع كثيرا لأبي الأصبغ بن سهل في أحكامه منها ما قاله الإمام القدوة المحقق نخبة العلماء أبو إسحاق الشاطبي رحمه الله في موافقاته وكذا عز الدين بن عبد السلام قبله في فتاويه والشيخ البسيلي في نكت التفسير : لكنها مما يستأنس بها ويتقوى رجاء العاصي بها على رفقة لعله يحصل له مثل ذلك اعتمادا على فضله تعالى اهـ ما نقله في مطالع المسرات ونقلته منه ملخصا . ثم قال : والذي يظهران خلافهم لم يتوارد على محل واحد وإن المانعين لتكفير الكبائر السيئات بالحسنات إنما يعنون مطلق الحسنات التي في قوله تعالى : {إن الحسنات يذهبن السيئات} ونحوه مما ورد فيه تكفير السيئات من غير تصريح فيه بتكفير الكبائر ولا بخروجه من ذنوبه كيوم ولدته أمه ونحو ذلك وهذا هو الذي تقتضيه قاعدة السنة من عدم الموازنة والإبطال ، وإن المجيزين لتكفير الكبائر بالأعمال الصالحة إنما يعنون ما ورد فيه نص بتكفيره لها أو من شاء الله تعالى أن يغفر له ذنوبه كلها بعمل صالح عمله . ومن قاعدة السنة أن الله تعالى يغفر ذنوب من يشاء بلا توبة فضلا من الله تعالى ورحمة ، ومن فضله ورحمته غفر له بسبب العمل الذي عمله وترتبه لذلك فيقبله منه بفضله ومنته اهـ . وقال في كتاب الخصال المكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة : وبعد فهذه أحاديث نبوية تتبعتها من كتب غريبة ومشهورة وكلها داخلة تحت معنى واحد وهو العمل بما ورد الوعد فيه بغفران ما تقدم من الذنوب وما تأخر على لسان الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم وقد رتبتها على الأبواب ليسهل كشفها على الطلاب وسميتها بالخصال الكفرة للذنوب المتقدمة والمتأخرة ، وقبل الشروع في إيراد الحديث فقد أردت أن أذكر شيئا من كلام الأئمة هناك في جواز وقوع ذلك ، فمن ذلك أن الأئمة رضي الله تعالى عنهم تكلموا على قوله صلى الله عليه وسلم في أهل بدر "أن الله تعالى اطلع عليهم وقال : اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم" بالجزم ، والرواية الأخرى : "لعل الله" وقوله : اعملوا للتكريم ، والمراد أن كل عمل عمله البدري لا يؤاخذ به . وقيل أن أعمالهم السيئة تقع مغفورة كأنها لم تقع . وقيل أنهم محفوظون فلا تقع منهم سيئة . ومما يدخل في هذا المعنى ما ورد في صوم يوم عرفة فإنه يكفر ذنوب سنتين الماضية والمستقبلة فهو دال على وجود التكفير قبل وقوع الذنب . ومن ذلك ما أخرجه ابن حبان في صحيحه عن عائشة رضي الله عنها قالت لرسول الله صلى الله عليه وسلم : ادع لي ، فقال : "اللهم اغفر لعائشة ما تقدم من ذنوبها وما تأخر وما أسرت وما أعلنت" الحديث . وقال لعمر رضي الله تعالى عنه : "غفر الله لك ما قدمت وما أخرت وما هو كائن إلى يوم القيامة" فدعاء المعصوم صلى الله عليه وسلم بذلك لبعض أمته دال على جواز وقوع ذلك ، وإذا علم أن الله تعالى مالك كل شيء له ما في السماوات وما في الأرض وما بينها وما تحت الثرى لم يمنع أن يعطي ما شاء لمن شاء ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم . قلت : والأحاديث التي أوردها نوردها إن شاء الله تعالى آخر الكتاب في فصل مكفرات الذنوب هنالك ولكني أورد لك أحاديث تبين لك أن ما يأتي ذكره في الفصل الذي يأتي بعد هذا الفصل لا ينتقده إلا من كان منتقدا على النبي صلى الله عليه وسلم لأن الأذكار التي نذكرها هي التي ذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم ما سيذكر في ذلك الفصل ومن قال أن ذلك يوجب الأمن من مكر الله تعالى وما يوجب إلا من من مكر الله تعالى لا ينبغي أن يذكروا أنه الكذب فكلامه متوجه إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم لا إلينا فنقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : عن أنس كان رسول الله صلى الله عليه وسلم ف6ي مسيره فقال : استغفروا فاستغفرنا فقال : أتموها سبعين مرة فأتممناها فقال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم :"ما من عبد ولا أمة استغفر الله سبعين مرة إلا غفر له سبع مائة ذنب وقد خاب عبد أو أمة عمل في يوم وليلة أكثر من سبع مائة ذنب " رواه ابن أبي الدنيا والبيهقي والأصبهاني . وروى أبو داوود في سننه والطبراني في كتاب الدعاء وأبو يعلى وابن مردويه عن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :"أتاني آت من ربي فقال : {من يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا} رحيما وقد كانت شقت عليهم الآية التي قبلها من يعمل سوء يجز به فأردت أن أبشر أصحابي قال : قلت يا رسول الله وإن زنى وإن سرق ثم استغفر غفر له ؟ قال : نعم قلت يا رسول الله : وإن زنى وإن سرق ثم استغفر غفر له ؟ قال : نعم ثم قلت : يا رسول الله وإن زنى وإن سرق ؟ قال : نعم على رغم أنف عويمر ثم قال كعب بن ذهل : وأنا رأيت أبا الدرداء يضرب أنف نفسه . وروى بن جرير وابن المنذر من طريق عن ابن عباس في قوله تعالى : { ومن يعمل سوء أو يظلم نفسه ثم يستغفر الله يجد الله غفورا رحيما } قال : أخبر الله عباده بحلمه وعفوه وكرمه وسعة رحمته ومغفرته فمن أذنب ذنبا صغيرا كان أو كبيرا ثم استغفر الله يجد الله غفورا رحيما ولو كانت ذنوبه أعظم من السماوات والأرض والجبال. وروى الطبراني مرفوعا : من صلى صلاة واحدة صلى الله تعالى عليه عشرا ومن صلى علي عشرا ص3لى الله تعالى عليه مائة مرة ومن صلى مائة مرة كتب الله تعالى بين عينية براءة من النفاق وبراءة من النار واسكنه الله يوم القيامة مع الشهداء . وروى الترمذي عن ابن مسعود قال النبي صلى الله عليه وسلم إن أولى الناس بي يوم القيامة أكثرهم علي صلاة . ,اخرج البزار عن أبي هريرة عن النبي صلى الله عليه وسلم : " قال الله تبارك وتعالى عمودا من نور بين يدي العرش فإذا قال العبد لا إله إلا الله اهتز ذلك العمود فيقول الله تبارك وتعالى : اسكن فيقول كيف أسكن ولم تغفر لقائلها ؟ فيقول قد غفرت له فيسكن عند ذلك . وعن أنس قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إذا قال العبد المسلم لا إله إلا الله خرقت السماوات حتى تقف بين يدي الله عز وجل فيقول الله عز وجل : اسكني فتقول : كيف أسكن ولم تغفر لقائلها فيقول الله عز وجل : ما أجريتها على لسانه إلا وقد غفرت له رواه أبو منصور الديلمي في مسند الفردوس ، قوله خرقت أي قطعت وجاوزت . وفي الفردوس عن أبي سعيد قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم :"مكتوب على باب الجنة لا إله إلا الله لا أعذب من قالها ". وعن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" إني لأعلم كلمة ليقولها عبد حقا من قلبه فيموت على ذلك إلا حرم الله جسده على النار رواه الحاكم . وروى الطبراني في كتاب الدعاء عن عبد الرحمن بن سمرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" رأيت رجلا من أمتي انتهى إلى أبواب الجنة فغلقت الأبواب دونه فجاءت شهادة أن لا إله إلا الله فأخذت بيده وأدخلته الجنة ". وعن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة في قبورهم ولا منشرهم وكأني أنظر إلى أهل لا إله إلا الله وهو ينفضون التراب عن رؤوسهم ويقولون الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن " . وفي رواية :" ليس على أهل لا إله إلا الله وحشة عند الموت ولا عند القبور " رواه الطبراني والبيهقي . وروى أبو منصور الديلمي وقال متصل الإسناد عن أبي هريرة قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" حضر ملك الموت رجلا فنظر في كل عضو من أعضائه فلم يجد له حسنة ثم شق عن قلبه فلم يجد شيئا ثم فك لحييه فوجد طرف لسانه لاصقا بحنكه يقول لا إله إلا الله فقال : وجبت لك الجنة بقولك كلمة إخلاص " انتهى . قلت : وسيأتي في فصل فضائل الأذكار اللازمة وفصل فضائل الغير اللازمة وفصل مكفرات الذنوب من الأحاديث كثير مما يؤيد هذا المقدم وإذا تحر هذا وفهمته وأعطيته حقه من التأمل ظهر لك ظهورا لا غبار عليه أنما سنورده في الفصل الذي بعد هذا الفصل لا ينتقد إلا من يريد الانتقاد على رسول الله صلى الله عليه وسلم الصادق المصدوق صلى الله عليه وسلم لا علينا لأن الفضائل التي سنذكرها في ذلك الفصل لذاكر أذكار طريقتنا هذه هي التي ذكر فيها النبي صلى الله عليه وسلم ما سمعته من الأحاديث المتقدمة قريبا ومن قال إن ذلك يوجب إلا من مكر الله وما يوجب ذلك لا ينبغي أو قال إنه كذب أو جنون فكلامه متوجه إلى النبي المعصوم صلى الله عليه وسلم وحينئذ فقد استرحنا لكفره وكذا المستهزئ الذي يقول أنظروا إلى الذين دخلوا الجنة أو الذين جاوزوا الصراط والذين غفر الله لهم جميع ذنوبهم أو الذين صاروا أولياء الله لاستهزائهم بشعائر الدين وبآيات الله وبأحاديث رسول الله صلى الله عليه وسلم قال تعالى: { قل أبالله وآياته ورسوله كنتم تستهزءون لا تعتذروا قد كفرتم بعد إيمانكم } وأما نحن معاشر فقراء الطريقة الأحمدية المحمدية فلا كلام لنا معهم إذ لا يتوجه شيء من كلامهم إلينا لأنا لا نأمن من مكر الله وكيف نأمن وعدم الأمن من مكر الله تعالى شرط لازم في طرقتنا هذه ومن خالف وأمن ينسلخ عنها ولا يموت إلا كافرا والعياذ بالله تعالى أنظر الفصل الثاني والثلاثين من هذا الكتاب المبارك إن قيل بقي عليك إيرادان الأول : من مقتضى كلام شيخكم أنه علم أنه مأمون العاقبة وإن عاقبته لا تتغير والولي لا يبلغ ذلك المقام . الثاني : إنا نرى ممن أحب الشيخ التجاني وأهل طريقته وأوراده ولم تر فيهم الولاية وذلك يدل على أن ما قيل : كل من أحبه وأخذ طريقته لا يموت حتى يكون وليا قطعا باطل . قلت : وهذان الإيرادان مردودان على موردهما ودالان على أنه من الجهلة لأن ساداتنا الأولياء والعلماء نصوا على أن الولي قد يكون مأمون العاقبة وأنه لا تتغير عاقبته وقد يعلم ذلك وعلى أن الولي لا يشترط في كونه وليا أن يعلم أنه ولي بل يجوز أن يعلم الولي أنه ولي وقد يجهله ، وقد يشترط أيضا في كونه وليا أن تكون له كرامة ظاهرة وإذا كان الولي نفسه يجهل أنه ولي فكيف يحكم بعدم ولايته غيره أنه ولي . قال الإمام أبو القاسم القشيري رضي الله تعالى عنه في رسالته : واختلف أهل الحق في الولي هل يجوز أن يعلم أنه ولي أم لا ، فكان الإمام أبو بكر بن فورك يقول : لا يجوز ذلك لأنه يسلبه الخوف ويوجب له الأمن ، وكان الأستاذ أبو علي الدقاق يقول بجوازه وهو الذي نؤثره ونقول به وليس ذلك بواجب في جميع الأولياء حتى يكون كون كل ولي يعلم أنه ولي واجبا لكن يجوز أن يعلم بعضهم ذلك كما يجوز أن لا يعلم بعضهم . فإذا علم بعضهم أنه ولي كانت معرفته كرامة له انفرد بها وليس كل كرامة لولي تجب أن تكون تلك بعينها لجميع الأولياء ، بل لو لم تكن للولي كرامة ظاهرة لم يقدح عدمها بكونه وليا بخلاف الأنبياء فإنه يجب أن تكون لهم معجزات لأن النبي مبعوث إلى الخلق فللناس حاجة إلى معرفة صدقه ولا يعلم إلا بالمعجزة وبعكس ذلك حال الولي فإنه ليس بواجب على الخلق ولا على الولي أيضا العلم بأنه ولي والعشرة من أصحابه صدقوا رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما أخبرهم به من أنهم من أهل الجنة . قلت : وكذا شيخنا وسيدنا ووسيلتنا إلى ربنا أحمد بن محمد رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به صدق الرسول صلى الله عليه وسلم فيما أخبره به من أنه هو وجميع أحبابه وأهل طريقته من أهل الجنة ، ونحن معاشر الفقراء الأحمدية المحمدية التجانية صدقنا كذلك ولله الحمد . قال الإمام أبو القاسم القشيري رضي الله تعالى عنه : وقول من قال : لا يجوز ذلك لأنه يخرجهم من الخوف فلا بأس أن يخافوا تغير العاقبة ، والذين يجدون في قلوبهم من الهيبة والتعظيم والإجلال للحق سبحانه يزيد ويرقى على كثير من الخوف ، وقال بعد كلام : يجوز أن يكون من جهة كرامات ولي أن يعلم أنه مأمون العاقبة وأنه لا تتغير عاقبته فتلحق هذه المسألة بما ذكرنا أن الولي يجوز أن يعلم أنه ولي اهـ . وفي الإبريز : أن ابن العربي الحاتمي رضي الله عنه قال في الفتوحات المكية في الباب الرابع والستين وثلاثمائة : أن الولي إذا نزل عليه الملك فقد يأمره بالاتباع ويخبره بصحة حديث ضعفه العلماء ، وقد ينزل عليه بالبشرى من الله تعالى وأنه من أهل السعادة والأمان كما قال تعالى : {لهم البشرى في الحياة الدنيا وفي الآخرة} اهـ . وقال الشيخ الشعراني في كشف الحجاب والران على وجه أسئلة الجان : وسألوني : أيما أفضل الأولياء عندكم ؟ من كان كثير الكرامة أو من كان قليلها ، فأجبتهم : الفضيلة لها جهتان : جهة تتعلق بالولي وجهة تتعلق بأهل عصره ، فجهة الولي في نفسه أن يكون على الكتاب والسنة لا يخرج عنهما قيد شبر ، وأما جهة أهل عصره فإنه كلما كثر تكذيبهم له كثرت كرامته ، فأكثر الأولياء كرامة من كثر تكذيب قومه له ، وأقلهم كرامة من كثر تصديق قومه له ، لأن الرسول إنما يبعث لإقامة الحجة على أهل الضلال وكذلك أتباعه من الأولياء ومن هداه الله لا يتوقف في إجابة الداعي إلى حضرته على ظهور كرامة أبدا . قد أنشدوا في الكرامات : بعض الرجال يرى كون الكرامات *** دليل حق على نيل المقامات وأنها غير بشرى قد أتتك بها *** رسل المهيمن من فوق السماوات وعندنا فيه تفصيل إذا علمت *** به الجماعة لم تفرح بآيات كيف السرور والاستدراج يصحبها *** في حق قوم ذوي جهل وآفات وليس يدرون حقا أنهم جهلوا *** وذا إذا كان من أقوى الجهالات وما الكرامة إلا عصمة وجدت *** في حق قوم بأفعال ونيات تلك الكرامة لا تبغي به بدلا *** واحذر من المكر في طي الكرامات وأنشدوا : ترك الكرامة لا يكون دليلا *** فاسمع لقولي فهو أقوم قيلا أن الكرامة قد يكون وجودها *** لحظ المكرم ثم ساء سبيلا فاحرص على العلم الذي كلفته *** لا تتخذ غير الإله بديلا ستر الكرامة واجب متحقق *** عند الرجال فلا تكن مخذولا وظهورها في المرسلين فريضة *** وبها تنزل وحيه تنزيلا وإيضاح ذلك : أن الولي يدعو إلى الله تعالى بشرع صحيح ثابت قد تقرر قلبه من غيره من النبيين والنبي يدعو إلى الله تعالى بشرع غريب قد أتى به لم يتقدمه أحد من أهل عصره فاحتاج إلى ظهور المعجزات الدالة على صدقه وصحة ما جاء به اهـ . وقال في فرائد الفوائد : وقد يفترقان يعني المعجزة والكرامة أيضا في أن دلالة المعجزة على النبوة قطعية وأن النبي يعلم أنه نبي ، والكرامة ظنية ولا يعلم مظهرها أو من ظهرت على يده أنه ولي . وقد قال القشيري : الذي نقول به جواز علم الولي بولايته وتكون معرفته تلك كرامة ظاهرة في حقه إذا أطلعه الله تعالى على ما وهبه وهذا هو الراجح وعليه جماهير العلماء . قال ابن فورك : لا يجوز أن يعلم أنه ولي لأن ذلك يسلبه الخوف ويوجب له الأمن فهذا مذهب ضعيف لأن من كان بالله تعالى أعرف كان من الله تعالى أخوف . وقال ابن مغزال ذلك وفاقا لأبي علي الدقاق وأبي القاسم القشيري وردا على من نازع في ذلك بأنه ينافي الخوف لأن التحقيق أن علم الولاية لا ينافي الخوف ، ألا ترى أن العشرة المبشرين بالجنة عالمون بأنهم من أهلها مع ذلك كان عندهم من الخوف ما لا يحد اهـ . قلت : ومع جميع ما تقدم فإنا نطمع برحمة من رحمته سبقت الغضب وفيض من لا يخص من طلب ونحن وإن كنا لسنا أهلا لأن نرحم فربنا الكريم أهل لأن يرحم فكيف لا وقد قوي رجاؤنا بقوله تعالى : { قل كل يعمل على شاكلته } وبقوله تعالى : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك حسنة يضاعفها ويوت من لدنه أجرا عظيما } ويا لله الحجب من قوم بهت يلوموننا في حسن ظننا بربنا ويطلبون منا سوء الظن به بعد ما سمعوا الله تعالى يقول في كتابه : { وذلكم ظنكم الذي ظننتم بربكم أدراكم فأصبحتم من الخاسرين } ورسوله صلى الله عليه وسلم يقول :" خصلتان ليس فوقهما شيء من الشر سوء الظن بالله وسوء الظن بعباد الله تعالى " أو كما قال مما هذا معناه : وفى كيف لا نحسن ظننا بملك كريم يرضى من عبده العمل اليسير ويثيبه الخير الكثير . وفي السراج المنير عند قوله تعالى : { إن الله لا يظلم مثقال ذرة وإن تك مثقال حبة يضاعفها } وعن أبي عثمان النهدي أنه قال لأبي هريرة : بلغني عنك أنك تقول : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الله تعالى يعطي عبده المؤمن بالحسنة الواحدة ألف حسنة قال أبو هريرة : بل سمعته يقول :" إن الله تعالى يعطي عبده المؤمن ألفي أف حسنة ثم تلا هذه الآية . ثم قال في السراج : ويؤتي أي يعطي صاحب الحسنة من لدنه أي من عند الله تعالى سبيلا التفضل زائدا على ما وعد في مقابلة العمل أجرا عظيما أي عطاء جزيلا أهـ . ومن تأمل هذا علم أنه لا ينكر ما سنذكره في الفصل الذي بعد هذا الفصل إلا من جهل سعة فضل الله تعالى وكيف لا نحسن ظننا وقد أعلمنا أنه لا يعطي عبدا من عباده الأمان ظن به تعالى إن خيرا فخير وإن شرا فشر ثم أمر بحسن الظن به بقوله كما في الحديث القدسي : أنا عند ظني بي فليظن بي خيرا " . وفي البحر المورود في المواثيق والعهود للشيخ الشعراني رضي الله تعالى عنه : أخذ علينا العهود أن نحسن ظننا في الله عز وجل ولا نسيء الظن به ولو فعلنا من معاصي أهل الإسلام ما فعلنا واعلم يا أخي أن حسن الظن بالله تعالى هو محط رحال الأولين والآخرين ولذلك ختمنا به عهود هذا الكتاب الخاص بالمريدين ، وقد حث الحق عز وجل على حسن الظن به بقوله في الحديث القدسي : " أنا عند ظن عبدي بي فليظن بي خيرا " والمراد به العبد المسلم دون الكافر بالإجماع وفي الحديث بشرى عظيمة من الله عز وجل لأن في الظن نوع ترجيح إلى جانب العلم الشامل لذلك الظن الخير أو الشر ولكن الحث تعالى ما وقف هنا لأن رحمته عز وجل سبقت غضبه بل قال سبحانه وتعالى معلما لعباده" فليظن بي خيرا " بصيغة الأمر فكل مسلم لم يظن بالله تعالى خيرا فقد عصى أمره سبحانه وتعالى وجهل ما يقتضيه الحرم الإلهي يوم القيامة حين يبسط الحق تعالى بساط الكرم فتدخل جميع الذنوب في حواشيه وتقول الملائكة عليهم الصلاة والسلام ما بقي لغضب ربنا موضع . لكن هنا دقيقة وهي أن المراد من حصول حسن الظن إنما هو حالة طلوع الروح لأن الحكم لها وهو أمر مغيب عنا لا نعرف هل نوفي به أم لا ، وأما قبل طلوع الروح فلا مدار عليه وإن كان محمودا أيضا . ومن هنا خاف الأكابر من سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى فافهم ، فعلم أن الواجب على كل مسلم دوام حسن الظن ليلا ونهارا فإنه عنوان السعادة لكن يكون ذلك بميزان الشريعة . قال : فإن قبل أن بعض العلماء يقول إن ترجيح جانب الرجاء وحسن لا يؤمر به العبد إلا إذا كان محتضرا وإلا فترجيح جانب الخوف أولى في حقه فالجواب أنا نقول أن الوفاة حاضرة عند العبد في كل نفس من أنفاسه وليس هو على يقين من الحياة نفسا واحدا فهو محتضر حينئذ على الدوام فلا يجوز له سوء الظن بالله تعالى أبدا في نفس من الأنفاس لاحتمال أن يكون ذلك النفس هو آخر العمر فتخرج على تلك الحالة فيلقى ربه وهو ظان به السوء فيجني ثمرة ذلك من أنواع العقوبات والخزي في البرزخ يوم القيامة نسأل الله تعالى العافية فيما يعود على العبد إلا ظنه بربه عز وجل إن خيرا فخير وإن شرا فشر ، فعلم أن من ظن بربه عز وجل خيرا فإنه يشاهد من كرمه سبحانه وتعالى ما لم يخطر له على بال . قال الشعراني : فإن ظننت أنه لا يضيعك في الدنيا ولا يكلك إلى نفسك طرفة عين فعل ، وإن ظننت به أنه يوفي عنك ما عليك من حقوق العباد في الأموال والأعراض ولا يؤاخذك بحقوقه تعالى فعل ، وإن ظننت به أنه يميتك على التوحيد وكمال الإيمان والأحوال فعل ، وإن ظننت أنه لا يفتنك في قبرك بل يلقنك حجتك فعل ، وإن ظننت به أنه لا يريك أهوال يوم القيامة بل تقوم من قبرك فتركب على براق أعمالك إلى الجنة فعل ، وإن ظننت به أنه لا يحاسبك على شيء ولا يسألك عن تقصير فعل ، وإن ظننت به أنه يثبت قدميك على الصراط ولا يوقعك في نار جهنم فعل ، وإن ظننت به أنه يدخلك الجنة برحمته ويعطيك فيها ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر فعل فالحمد لله رب العالمين اهـ كلام الشعراني رضي الله تعالى عنه . انظر أخي رحمك الله تعالى وتأمل مناسبة هذا الكلام بما ستراه مذكورا في الفصل الذي بعد هذا الفصل وتأمله راشدا تعلم أنه لا ينكر ما فيه إلا المحرومون بسوء ظنهم بربهم وسوء أدبهم بنبيهم وسوء أدبهم بأولياء الله تعالى والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>