في ذكر فضل شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به وبيان أنه هو خاتم الأولياء وسيد العارفين وإمام الصديقين وممد الأقطاب والأغواث وأنه هو القطب المكتوم والبرزخ المختوم الذي هو الواسطة بين الأنبياء والأولياء بخيث لا يتلقن واحد من الأولياء من كبر شأنه ومن صغر فيضا من حضرة النبي إلا بواسطته رضي الله تعالى عنه من حيث لا يشعر به ذلك الولي وحيث كان الأومر هكذا فإياك يا أخي الإنكار على مثل هذا السيد العظيم والإمام الأعظم الكريم قد أجمع أئمة الإسلام والمسلمين وجميع الأولياء والعارفين على أم الاعتقاد ربح والانكار خسران واعلم أنا ما قدمنا لك الفصول التي قدمناها أول هذا الكتاب المبارك وذكرنا فيها ما على المنكرين وأطنبنا فيها بعض الإطناب إلا نصيحة لك وتحذيرا من أن تكون مع السالكيم بالانتقاد إن لم تكن مع الرابحين بالاعتقاد
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : اعلم أنه ينبغي لنا أن نورد هنا كلا من قبل الشرع في هذا الفصل الذي نريد الشروع فيه لأن بعض من لم يكن له في العلم ولا في نفحات أهل الله من خلاق قد يورد علينا إيرادين أولهما أنه يقول : الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه مدح نفسه وزكاها وذلك مذموم ثانيهما أمه يقول أن قول الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به أن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود صلى الله عليه وسلم تتلقاها ذوات الأنبياء وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي ومني يتفرق على جميع الخلائث من نشأة العالم إلى النفخ والصور ويدخل فيه جميع الصحابة رضوان اللله تعالى عليهم فيكون أفضل من جميع الصحابة رضي الله تعالى عنهم وذلك باطل ، وكذا قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به لا يشرب ولي ولا يسقى إلا من بحرنا من نشأة العالم إلى النفخ في الصور وكذلك قوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : إذا جمع الله تعالى خلقه في الموقف ينادي مناديا على صوته يسمعه كل من في الموقف يا أهل المحشر هذا إمامكم الذي كان مددكم منه وكذا قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : روحه صلى الله عليه وسلم وروحي هكذا مشيرا بإصبعيه السبابة والوسطى ، روحه صلى الله عليه وسلم تمد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام ورحي تمد العارفين والأقطاب والأولياء من الأزل إلى الأبد وكذا قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور وكذا قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : إن مقامنا عند الله في الآخرة لا يصله أحد من الأولياء ولا يقاربه من كبر شأنه ولا من صغر وأن جميع الأولياء من عصر الصحابة إلى النفخ في الصور ليس فيهم من يصل مقامنا وكذلك قوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : أعمار الناس كلها ذهبت مجانا إلا أعمار أصحاب الفاتح لما أغلق فقد فازوا بالربح دنيا وأخرى ولا يشغل بها عمره إلا السعيد . فيقول المعترض : هذه الأقوال تقتضي تفضيله هو وأهل طريقته على جميع الصحابة رضوان الله عليهم أجمعين فالجواب والله تعالى الموفق بمنه للصواب : أن الإيراد الأول غير وارد لأن هذا كما قال الحافظ جلال الدين عبد الرحمن السيوطي في الصواعق على النواعق ليس من باب الافتخار ولا تزكية النفس بل لهم في هذا وجهان أحدهما أن هذا من باب التعريف بحاله إذا جهل مقامه قال النووي في الأذكار من باب مدح الإنسان مدحه وذكر محاسنه : اعلم أن ذكر محاسنه فردان مذموم ومحمود فالمذموم أن يذكره للافتخار ولإضهار الارتفاع وشبه ذلك والمحبوب أن يكون فيه مصلحة دينية وذلك بأن يكون آمرا بالمعروف أو ناهيا عن المنكر أو ناصحا او مشيرا بالمصلحة أو معلما أو مؤدبا أو واعضا أو مذكرا أو مصلحا بين اثنين أو يدفع عن نفسه أو نحو ذلك فيذكر محاسنه ناويا بذلك أن يكون هذا أقرب إلى قبول قوله واعتماد ما يذكره وأن هذا الذي أقوله لا تجدوه عند غيري فاحتفظوا به فقد جاء في مثل هذا كثير من النصوص كقول النبي صلى الله عليه وسلم : " أنا النبي لا كذب أنا سيد ولد آدم ولا فخر أنا أول من تنشق عنه الأرض ويدخل الجنة وأنات أعلمكم بالله وأتقاكم له أبيت عند ربي " الحديث ، وأشباه هذه كثيرة وقاتل يوسف عليه الصلاة والسلام { اجعلني على خزائن الارض إني حفيظ عليم } وقال شعيب ستجدني إن شاء الله من الصالحين وقال عثمان رضي الله عنه حين حصر كما رويناه في صحيح البخاري ومسلم قال : ألستم تعلمون أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال من حفر رومة فله الجنة أنا حفرتها وصدقوه فيما قال وروينا في صحيحيهما عن سعد بن أبي وقاس رضي الله عنه أنه شكى أهل الكوفة إلى عمر بن الخطاب رضي الله عنه وقالوا لا يحسن الصلاة فقال سعد والله إني أول من رمى بسهم في سبيل الله ولقد كنا نغزوا مع رسول الله صلى الله عنليه وسلم وذكر تمام الحديث وروينا في صحيح مسلم عن علي رضي الله عنه أنه قال : والذي برأ النسمة إنه لعقد رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه لا يحبني إلا مؤمن ولا يبغضني إلا منافق وروينا في صحيح مسلم عن أبي وائل قال : خطبنا عبد الله بن مسعود رضي الله عنه وقال : والله لقد أخذت من رسول الله صلى الله عليه وسلم بضعا وسبعين سورة ولقد علم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أني لأعلمهم بكتاب الله وما أنا بخيرهم ولو أعلم أحدا أعلم مني لرحلت إليه وروينا ي صحيح مسلم عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه سئل عن الدية فقال : على الخبير سقطت يعني نفسه وذكر تمام الحديث ونضائر هذا كثيرة لا تنحصر كلها محمولة على ما ذكرنا آخر كلام النووي . وقال صاحب الكشاف عند قوله تعالى حكاية عن يوسف عليه السلام : { قال لا ياتيكما طعام ترزقانه إل نبأتكما بتاويله ذلك مما علمني ربي } الآية ، فيه أن العالم إذ جهلت منزلته في العلم فوصف نفسه بما هو بصدده لم يكن من باب التزكية وقال أيضا في موضع آخر : لا تذم التزكية إذا كانت لغرض صحيح في الدين وطابقت الواقع بدليل قوله صلى الله عليه وسلم لمن قال له اعدل في القسمة : " ومن يعدل إذا لم أعدل " وقوله : " والله إني لأمين في السماء أمين في الأرض " واستدل لذلك بما أخرجه الترمذي وابن حبان في صحيحه عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : قال أبو بكر رضي الله تعالى عنه : ألست أحق الناس ألست أول من أسلم ألست صاحب كذا . وبما أخرجه ابن أبي شيبة عن عثمان بن عفان رضي الله تعالى عنه أنه قيل له وهو محصور : إن فلانا ذكر كذا وكذا قال عثمان : ومن أين وقد اختبأت عند الله تعالى عشرا إني لرابع الإسلام وقد زوجني رسول الله صلى الله عليه وسلم ابنته ثم ابنته وقد بايعت رسول الله صلى الله عليه وسلم بيدي هذه فما مسست بها ذكري ولا تغنيت ولا سببت ولا شربت خمرا في جاهلية ولا إسلام وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " من يشتري هذه التربة ويزيدها في المسجد له بيت في الجنة " فاشتريتها وزدتها في المسجد .وبما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف وأبو نعيم في الحلية عن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه أنه قال على منبره : وأنى أنا فقأت عين الفتنة ولولم أكن يكم لقوتل فلان وفلان وأهل النهروان وأيم الله لولا أن تتكلموا وتدعوا العمل لحدثتكم بما سبق لكم على لسان نبيكم صلى الله تعالى عليه وسلم ثم قال : سلوني فإنكم لا تسألون عن شيء فيما بينكم وبين الساعة إلا حدثتكم به . وبما أخرجه ابن أبي شيبة عن علي رضي الله تعالى عنه أنه قال على المنبر : أنا عبد الله وأخو رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا الصديق الأكبر لم يقلها أحد قبلي ولا يقولها أحد بعدي إلا كذاب مفتر ولقد صلت قبل الناس سبع سنين . وبما أخرجه ابن أبي شيبة عن زيد بن يشع قال : بلغ علينا أن أناسا يقولون فيه فصعد المنبر فقال : أنشد الله رجلا سمع من النبي صلى الله عليه وسلم شيئا إلا قام فقام نفر فقالوا : نشهد أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : من كنت مولاه فعلي مولاه اللهم وال من والاه وعاد من عاداه . وبما أخرجه ابن سعد في الطبقات عن محمد بن المرتفع قال : سمعت ابن الزبير يقول : يا معشر الحجاج سلوني فعلينا كان التنزيل ونحن حضرنا التأويل . وبما أخرجه ابن سعد عن سعيد بن عبد الرحمن عن أبيه قال تفاخر قوم من قريش فذكر رجل ما عنده فقال معاوية للحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه : ما يمنعك من القول فما أنت بكليل اللسان قال : ما ذكروا مكرمة ولا فضيلة الأولى محضها ولبابها ثم قال :
فيم الكلام وقد سبقت مبرزا *** سبق الجياد من المدى المتنفس
وبما اخرجه ابن سعد عن أبي عون قال : فخرت عائشة على صفية فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" ألا قلت أبي هارون وعمي موسى " عليهما السلام . ورأيت في مجموع شيخنا الإمام تقي الدين الشمني رحمه الله تعالى قال : نقلت من خط الشيخ كمال الدين الدميري فقال : نقلت من خط كمال الدين بن هشام قال : رأيت بخط الشيخ جمال الدين بن مالك رسالة إلى الملك الظاهر بيبرس صورتها : من الفقير إلى رحمة ربه محمد بن مالك ينهي إلى السلطان أيد الله جنوده وابد سعوده أنه أعلم أهل زمانه بعلوم القرآن والنحو واللغة وفنون الأدب وسرد باقي القصة . وقال أبن رشيق في عمدته : لا يحسن مدح الإنسان نفسه في غير الشعر إلا منافرة .
الوجه الثاني أن هذا من باب التحدث بنعمة الله شكرا وامتثالا لقوله تعالى : { وأما بنعمة ربك فحدث } وأخرج ابن أبي حاتم عن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه في قوله تعالى : { وأما بنعمة ربك فحدث } قال : إذا أصبت خيرا فحدث إخوانك . وأخرج عبد الله بن أحمد بن حنبل في رواية المسند والبيهقي شعب الإيمان عن النعمان بن بشير رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " التحدث بنعمة الله شكر وتركها كفر " وأخرج ابن جرير في تفسيره عن أبي نصر قال : كان المسلمون يرون ان من شكر النعمة أن يحدث بها . وأخرج البيهقي عن الجريدي قال : كان يقول أن تعداد النعم من الشكر . واخرج البيهقي عن يحيى بن سعيد قال : كان تعداد النعم أن يحدث بها . وأخرج عن سعيد بن منصور في سننه عن عمر بن عبد العزيز قال أن ذكر النعمة شكر . وأخرج البيهقي عن أبي الحاوري قال : جلس الفضيل بن عياض وسفيان بن عيينة ليلة إلى الصباح يتذاكران النعم يقولان : أنعم الله تعالى علينا في كذا أنعم الله تعالى علينا في كذا .واخرج ابن أبي شيبة عن أبي صالح كان عمر بن ميمون إذا لقي الرجل من إخوانه قال : رزق الله تعالى البارحة من الصلاة كذا وكذا ورزق الله تعالى البارحة من الخير كذا وكذا . وقد عرف العلماء الشكر بأنه اعتقاد بالجنان وذكر باللسان وعمل بالأركان وأنشدوا على ذلك
أفادتكم النعماء مني ثلاثة*** يدي ولساني والضمير المجبا
وقال هنا العلامة الشيخ شمس الدين بن القيم : الشيء الواحد تكون صورته واحدة وينقسم إلى محمود ومذموم فمن ذلك التحدث بالنعمة شكرا والفخر بها ، فالأول المقصود به إظهار فضل الله تعالى وإحسانه ونعمته وإفشاؤها وفيه حديث :" التحدث بالنعمة شكر وكتمها كفر ". ومما أورده ما أخرجه ابن سعد عن عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : فضلت على نساء النبي صلى اله عليه وسلم وبعشر قيل ما هن يا أم المؤمنين ؟ قالت : لم ينكح بكرا قط غيري ، ولم ينكح امرأة أبواها مهاجران غيري ، وأنزل الله تبارك وتعالى براءتي من السماء وجاء جبريل بصورتي من السماء في حريرة وقال : تزوجها فإنها امرأتك وكنت أغتسل أنا وهو في إناء واحد ولم يكن يصنع ذلك بواحدة من نسائه غيري وكان يصلي وأنا معترضة بين يديه ولم يكن يفعل ذلك بأحد من نسائه غيري وقد ينزل عليه الوحي وهو معي ولم ينزل عليه وهو مع أحد من نسائه غيري وقبض الله تعالى نفسه وهو بين سحري ونحري ومات في الليلة التي كان يدور علي فيها ودفن في بيتي . وقال ابن عدي في الكامل عن ابن عباس قال : قال سعد بن معاذ ثلاث أنا فيهن رجل وفي ما سوى ذلك أنا واحد من الناس ما سمعت حديثا من رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا علمت أنه حق من عند الله تعالى ولا كنت في صلاة فشغلت نفسي بغيرها حتى أقضيها ولا كنت في جنازة فحدثت نفسي بغير ما تقول وما يقال لها حتى أنصرف عنها قال ابن عباس : أن هذه الخصال لم أكن أحسبها إلا في نبي وإن سعد المأمون من الفزع . وأخرج ابن سعد عن عائشة قالت : أعطيت خصالا ما أعطيتهن امرأة ملكني رسول الله صلى الله عليه وسلم وأنا بنت سبع سنين وأتاه الملك بصورتي في كمه فنظر إليها وبنى بي في تسع سنين ورأيت جبريل عليه السلام ولم تره امرأة غيري وكنت أحب نسائه إليه وكان أبي أحب أصحابه إليه ومرض في بيتي فمرضته وقبض ولم يشهده غيري والملائكة . وفي تذكرة الشيخ تاج بن مكتوم قال سيف الدين بن عبد الله المعروف بابن الأبطش في تاريخه وتوفي سنة أربع وأربعين : ومن عجب الشعر أن مدح النفس مهجن للقائل وإن كان حقا وذلك لأنهم أرادوا تخليد أخبارهم فلا يصلون إلى ذلك إلا بالتدوين ولا ديوان لهم إلا الشعر ، وكل من أخبرك عن نفسه بأمر يحتاج إلى معرفته لولا أخباره ما عرفته فليس بقبيح ذكره وإن اتصل بمدحه ولهذه العلة مدحت الأنبياء أنفسها مع تواضعها اهـ
وأما الإيراد الثاني فالجواب والله تعالى الموفق بمنه للصواب أن العلماء كما قال جلال الدين السيوطي أيضا في الكتاب السابق قد افترقوا في مثل هذا فرقتين : فمنهم من جعل ذلك اصطلاحا عرفيا ، ومنهم من قال : هو موكول إلى تخصيص العقل وحاصله أنه من العام الذي أريد به الخصوص الذي تعذر بيانه في علم أصول الفقه وذكر لذلك أمثلة وشواهد إلى أن قال : ومنها قوله تعالى : {تدمر كل شيء بأمر ربها} أطبق العلماء على أن هذا من العام المراد به الخصوص لأنها لم تدمر الملائكة ولا العرش ولا الكرسي ولا السماوات ولا الأرض ولا الجبال ولا بقية من كان من البشر سوى عاد ، ومنها قوله تعالى : {وأوتيت من كل شيء} أطبقوا على أنه من ذلك وأن المراد من كل شيء يؤتاه جنسها من الملوك لا من كل شيء على الإطلاق فإنها لم تؤت ما أوتيه سليمان ، ومنها قوله تعالى : {الذين قال لهم الناس إن الناس قد جمعوا لكم} وقوله تعالى : {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} وقوله : {ثم أفيضوا من حيث أفاض الناس} كلها من العام المراد به الخصوص ، ومنها الله خالق كل شيء ، أجمعوا على أنها مخصصة بالعقل فإن الذات المقدسة والصفات الشريفة لمولانا جل وعلا غير داخلة في هذه ، ومنها قوله تعالى : {كل شيء هالك إلا وجهه} أجمعوا على أنها خصص منها العرش والكرسي والجنة والنار وما فيها والأرواح أو مؤولة ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : "أرأيتكم ليلتكم هذه فإن على رأس مائة سنة لا يبقى ممن هو اليوم على ظهرها أحد" [أخرجه البخاري] وأطبقوا على أن هذا الكلام خاص بمن هو في عالم الشهادة الذين هم بين أظهر الناس دون من هو في عالم الغيب كالخضر وإلياس إن ثبت وجودهما وإبليس ومن عمر من الجان ، قال ابن الصلاح في فتاويه : الحديث فيمن يشاهده الناس ويخالطونه لا في من ليس كذلك كالخضر ، قال النووي : وقال الحافظ بن حجر في شرح البخاري : الحديث مخصوص بغير الخضر كما خص منه إبليس بالاتفاق ، ومنها قوله صلى الله عليه وسلم : "ما أظلت الخضراء ولا أقلت الغبراء أصدق لهجة من أبي ذر" [أخرجه ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة وأبي الدرداء] فهذا من العام المراد به الخصوص قطعا لأنه لا سبيل إلى دخوله صلى الله عليه وسلم وسائر الأنبياء في هذا العموم ولا الخضر إن سلم وجوده ، ومنها ما أخرجه ابن أبي شيبة في المصنف قال : حدثنا شريك عن إسحاق عن عاصم بن ضمرة قال : خطب الحسن بن علي رضي الله عنهما حين قتل علي فقال : يا أهل الكوفة لقد بين أظهركم رجل قتل الليلة لم يسبقه الأولون بعلم ولا تدركه الآخرون ، كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعثه في سرية كان جبريل عن يمينه وميكائيل عن يساره فلا يرجعوا حتى يفتح الله عليه . وقال : حدثنا عبد الله بن نمير عن إسماعيل بن أبي خالد عن هبيرة بن مريم قال : سمعت الحسن بن علي رضي الله تعالى عنه بعد وفاة علي فقال : فارقكم رجل بالأمس لم يسبقه الأولون ولا يدركه الآخرون ، وهذا الكلام من الحسن بن بنت رسول الله صلى الله عليه وسلم من العام المراد به الخصوص قطعا ، فإن العقل يخص من لفظ الأولين سيد المرسلين وسائر الأنبياء وجبريل الجائي بالوحي وسائر الملائكة صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين ، فلم يقصد الحسن بتفضيل أبيه في العلم عن أحد من هؤلاء ولا مساواته معاذ الله بل ولا قصد تفضيله عن أبي بكر وعمر رضي الله عنهما ، إنما أراد من سوى هؤلاء لا يمتري في ذلك عاقل ، وكذلك يخص من قوله : ولا يدركه الآخرون عيسى ابن مريم عليه السلام ، وكل هذا موكول إلى تخصيص العقل لا يحتاج إلى التصريح إذ لا يمتري فيه عاقل ، وإنما يتوهم دخول مثل ذلك في اللفظ من اشتدت عرانينه في الجهل ولم تكن له خبرة بأساليب الكلام ولا له اطلاع على عبارات العلماء وتحقيقاتهم ولا علم قواعد أصول الفقه وعلوم البلاغة ، ومن هو بهذه المثابة لا يلتفت إلى توهماته الفاسدة بل يترك وهذيانه ينعق مع الناعقين بل ينهق مع الناهقين ، ومن ذلك قول الإمام الشافعي رضي الله تعالى عنه :
ولولا الشعر بالعلماء يزرئ *** لكنت اليوم أشعر من لبيد
ولولا خشية الرحمن ربي *** حسبت الناس كلهم عبيدي
فهل يتوهم عاقل قط أن عبارة الشافعي هذه يدخل فيها أحد مشايخه كمالك وسفيان ومسلم بن خالد الزنجي ، أو من قبلهم كالأوزاعي وأبي حنيفة فضلا عن التابعين فضلا عن الصحابة فضلا عن الأنبياء صلوات الله تعالى وسلامه عليهم معاذ الله لا يتوهم هذا إلا جاهل كامل الجهل مختل العقل لم يعلم بشيء من العلم ولا نوّر الله تعالى قلبه بشيء من نور الحكمة . انتهى كلام السيوطي رحمه الله تعالى . وإذا علمت ما تقدم وفهمته علمت أن كلام الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه لا يتوجه إلى الصحابة أصلا رضي الله تعالى عنهم ، ومما يؤيد ذلك أن الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به صرّح بأن الصحابي أفضل من غيره ولو بلغ ذلك الغير ما بلغ في المعرفة بالله تعالى . وفي جواهر المعاني : وسألته رضي الله تعالى عنه عن تفضيل الصحابي الذي لم يفتح عليه وعن القطب من غير الصحابة فأجاب رضي الله عنه بقوله : اختلف الناس في تفضيل الصحابي الذي لم يفتح عليه على القطب من غير الصحابة ، فذهب طائفة إلى تفضيل الصحابي الذي لم يفتح عليه على القطب من غير الصحابة ، وذهب طائفة إلى تفضيل القطب ، والراجح تفضيل الصحابي على القطب بشاهد قوله صلى الله عليه وسلم : "إن الله اصطفى أصحابي على سائر العالمين سوى النبيين والمرسلين" وقوله صلى الله عليه وسلم : "لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه" وقوله صلى الله عليه وسلم : " خير القرون قرني ثم الذين يلونهم ثم الذين يلونهم " الحديث . وقوله تعالى : { كنتم خير أمة اخرجت للناس تامرون بالمعروف وتنهون عن المنكر } الآية وهذا من شدة اعتناء الله بنبيه صلى الله عليه وسلم خصوصية له والله تعالى ولي التوفيق أهــ . ويؤيد ذلك أيضا قول سيدي علي حرازم في جواهر المعاني بعد إيراه ما سمع من الشيخ رضي الله عنهما وأرضاهما وعنا بهما من فضائل صلاة الفاتح لما أغلق أنه رضي الله عنه قال للشيخ رضي الله تعالى عنه : يفهم مما تقدم أن صاحب الصلاة يعني صلاة الفاتح لما أغلق له فضل أكثر من جميع من تقدمه من عباد الله المؤمنين لكون جميع صلواتهم على النبي صلى الله عليه وسلم وجميع أذكارهم وأورادهم تضاعف له كما تقدم في فضل صلاة الفاتح .. إلخ إلا نوعا واحدا وهو قول دائرة الإحاطة فلا مدخل له هنا ولا يتناوله هذا التضعيف ثم قال : إن الشيخ رضي الله عنه وأرضاه وعنا به بقوله رضي الله عنه : هو كما ذكرتم من تضعيف الأعمال لصاحبها ولكن كل واحد من الصحابة الذين بلغوا الدين مكتوب في صحيفته جميع أعمال من بعده من وقته إلى آخر هذه الأمة فإذا فهم هذا ففضل الصحابة لا مطمع فيه لمن بعدهم ولو كان من أهل هذا الفضل المذكور من هذا الباب لمرتبة الصحابة وقال : ثم ضرب مثلا رضي الله عنه لعمل الصحابة مع غيرهم قال : عملهم مع غيرهم كمشي النملة مع سرعة القطاة قال سيدي حرازم رضي الله عنه وأرضاه وعنا به وصدق رضي الله تعالى عنه فيما مثل به لأنهم رضي الله عنهم حازوا قصبة السبق بصحبة سيد الوجود صلى الله عليه وسلم قال في حقهم صلى الله تعالى عليه وسلم :" إن الله اصطفى أصحابي على سائر العالمين ما عدا النبيين والمرسلين " قال صلى الله عليه وسلم : " لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه " انتهى . ومما يؤيد ذلك أيضا قول الشيخ رضي الله عنه وأرضاه وعنا به أن جميع الأولياء من عصر الصحابة إلى النفخ في الصور ..إلخ ، لأن من لانتهاء الغاية في هذا المحل يعلم ذلك كل من له أدنى معرفة بعلم النحو لأن من تكون بمعنى إلى ومثلوا لذلك بنحو رأيته من ذلك الموضع فجعلته غاية لرؤيتك أي محلا للابتداء قال في الفريدة :
من ابتدئ بها وبين علل *** بعض وللفضل أتت وللبدل
والنص للعموم أو مثل إلى *** وعن وفي وعند والبا وعلى
وقال بعضهم : أتت من بمعنى الباء وعند وفي وعن وللفعل معنى ربما والانتهاء والمعنى أن جميع الأولياء من حيث انتهاء عصر الصحابة وإذا تمد هذا فلنشر إلى المقصود بالذات فنقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : اعلم أن أفراد الأحباب من الصديقين والأغواث وجواهر الأقطاب وبرازخ الأغواث يعلمون أن مقام خاتم الأولياء الذي يكون مقامه ختم المقامات يفوق جميع مقامات الولاية ولا يكون فوقه إلا مقامات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وذلك الخاتم هو سيد الأولياء وممدهم وإن لم يعلموا عينا ، قال الشيخ محي الدين بن عربي الحاتمي رضي الله تعالى عنه : فكل نبي من لدن آدم إلى آخر ما منهم أحد يأخذ النبوة لا من مشكاة خاتم النبيين وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود وهو قوله : "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" أي : لم يكمل بدنه العنصري بعد فكيف من دونه من أنبياء أولاده ، وبيان ذلك أن الله سبحانه وتعالى لما خلق النور المحمدي كما أشار له صلى الله عليه وسلم بقوله : "أول ما خلق الله تعالى نوري" جمع في هذا النور المحمدي جميع أرواح الأنبياء والأولياء جمعا أحديا قبل التفضيل في الوجود العيني وذلك في مرتبة العقل الأول ، ثم تعينت الأرواح في مرتبة اللوح المحفوظ الذي هو النفس الكلية وتميزت بظاهرها النوري فبعث الله الحقيقة المحمدية الروحية النورية إليهم نبأهم عن الحقيقة الأحدية الجمعية الكمالية ، فلما وجدت الصور الطبيعية العلوية من العرش والكرسي ووجدت صور مظاهر تلك الأرواح ظهرت تلك البعثة المحمدية إليهم ثانيا فآمن من الأرواح من كان مؤهلا للإيمان بتلك الأحدية الجمعية الكمالية ، ولما وجدت الصور الطبيعية العنصرية ظهر حكم ذلك الإيمان في كمّل النفوس البشرية فآمنوا بمحمد صلى الله عليه وسلم ، فمعنى قوله : "كنت نبيا" أنه كان نبيا بالفعل عالما بنبوته انظر شرحه ، ثم قال الحاتمي أي وشارح كلامه : وغيره من الأنبياء ما كان نبيا بالفعل ولا عالما بنبوته إلا حين بعث بعد وجوده ببدنه العنصري واستكماله شرائط النبوة فاندفع بذلك ما يقال من أن كل واحد بهذه المثابة من حيث أنه كان نبيا في علم الله تعالى السابق على وجوده العيني صورة وآدم بين الماء والطين ، ثم قال الحاتمي أي وشارحه : وكذلك خاتم الأولياء كان وليا بالفعل عالما بولايته وآدم بين الماء والطين ، وغيره من الأولياء ما كان وليا بالفعل ولا عالما بولايته إلا بعد تحصيله شرائط الولاية من الأخلاق الإلهية في الاتصاف بها من أجل كون الله تعالى تسمى بالولي الحميد ، وخاتم الأولياء هو الولي الوارث الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب العارف باستحقاق أصحابها ليعطي كل ذي حق حقه وهو حسنة من حسنات سيد المرسلين محمد صلى الله عليه وسلم مقدم الجماعة ، انتهى كلام الحاتمي رضي الله تعالى عنه . وقال الشيخ سيدي عبد الوهاب الشعراني في الرسالة المباركة في الموضع الذي عدّ فيه علوم الأولياء الخاصة بهم ومنها علوم صفات خاتم الأولياء في كل قرن وصفة خاتمهم الأكبر وعلم الصفات التي يستحق بها الختمية كما يستحق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أن يكون خاتم الأنبياء كلهم في الشرائع أي لا في التلقي كما هو شأن عيسى عليه السلام اهـ . وقال في درر الغواص على فتاوي شيخه علي الخواص : وسألته يعني عليا الخواص رضي الله تعالى عنه عن قول الشيخ محي الدين بن العربي رضي الله عنه اجتمعت في مشهد أقدس بجميع النبيين والمرسلين ولم يكلمني أحد منهم ولم يفرح بي إلا هود عليه السلام بكلامه وفرحته به دون غيره ثم ذكر أنه أجابه بكلام من جملته أن هودا عليه السلام يعلم أن لهذه الأمة المحمدية ختمين جامعين لكل رتبة ومقام وارث وولاية بأحدية جمعها وتنوع وحدتها حتى تستغرق كل نعت ووصف وإمداد واستمداد أحديا كان أو واحديا بسر تنزله وإحاطته بعوالمه المطلقة والمقيدة وما هو خصيص به أصلا وفرعا حكما وعينا سعة وضيقا قيدا وإطلاقا حتى أن كل ولي كان أو يكون إنما يأخذ من هذين الختمين اللذين يكون أحدهما خاتم ولاية الخصوص والآخر يختم به ولاية العامة فلا ولي بعده إلى قيام للساعة وقد أخبر العارف عن نفسهأنه أحد الختمين إلى أن قال هذا ما ظهر لي من الجواب في هذا الوقت والله أعلم أهــ . قلت وإذا فهمت كلام هؤلاء علمت أن خاتم الأولياء متصف فيما وصفناه أول الفصل وإن أكابر الأولياء مجمعون على أنه سيوجدوعل أنه سيدهم وممدهم وأنه هو الواسطة بينهم وبين سائرالأنبياء وإنما أخفى الله تعالى عنهم معرفة عينه فقط وأما قوله : وقد أخبرالعارف عن نفسه أنه أحد الختمين فهو كذلك قال في الفتوحات المكية أنه رأى حائطا من ذهب وفضة كمل إلى موضع لبنتين إحداهما من ذهب وأخرى من فضة فانطبع رضي الله عنه في موضع تينك اللبنتين وقال رضي الله عنه : وكنت لا أشك في أني أنا الرائي ولا أني أنا المنطبع في موضعهما وبي كمل الحائط ثم حبرت الرؤية بانختام الولاية بي وذكرتها للمشايخ والكاملين والمعاصرين وما قلت من المرئي فعبروها بما عبرتها به أهــ . ولذلك تعرض للمتكلم على الأسئلة المائة والخمسين سؤالا التي ذكر الحكيم الترمذي أنه لا يعرف الجواب عنها ولا الختم وإذا تأملت ما أسلفنا علمت أن الختمية التي تكون للخاتم الأكبر لم تثبت لأحد من الشيوخ قبل شيخنا رضي الله تعالى عنهم أجمعين لأن سيدي عليا الخواص قد بين أنه إنما اعتمد على كلام محيي الدين رضي الله عنه لقوله : وقد أخبر العارف عن نفسه أنه أحد الختمين وأنت خبير بأن محيي الدين رضي الله عنه لم يعتمد بكونه ختما على قاطع وإنما اعتمد على هذه الرؤية ونحوها ويؤيد ما قلنا ويشهد له أنه صرح بعد ذلك بأنه لم يكن هو القطب المكتوم والبرزخ المختوم والخاتم المحمدي المعلوم وذلك أنه رضي الله عنه رأى مقاما فوق مقامات الأقطاب كلها ما فوقه إلا مقامات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام فظن أنه له واطمأنة نفسه به غاية الاطمئنان والفرح وأنشد :
بنا ختم الله الولاية فانتهت *** إلينا فلا ختم يكون لها بعدي
وما فاز بالختم الذي لمحمد *** من أمته والعلم إلا أنا وحدي
فبينما هو كذلك إذ سمع منايا يقول له : ليس لك ما ظننت وتمنيت وإنما هو لولي في آخر الزمان ليس ولي أكرم على الله تعالى منه فعند ذلك قال : سلمت الأمور إلى خالقها ومكونها ولقد طال ما جلت ببصيرتي في الغيوب لأطلع عليه وعلى مقامه واسمه واسم بلده ومكانه وكيف حاله فما أطلعني الله تعالى على شيء منه ولا شممت له رائحة أصلا أهـ . قلت : وهذا الكلام من الحاتمي فيه تصريح بأنه تبرأ من ادعاء الختمية الكبرى وإنها لم توجد لواحد ممن تقدم من السادات الذين مضوا قبل زمانه وإنها إنما تكون لولي في آخر الزمان . ومما يؤيد ذلك أن العارف بالله تعالى الشيخ المختار الكنتي رضي الله تعالى عنه : قال في كتاب الطرائق أن القرن الثاني عشر من الهجرة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة والسلام يشاكل قرنه صلى الله إليه وسلم من وجوه أحدها أن فيه خاتم الأولياء كما في قرنه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ثانيها أن أتباع هذا الولي المجدد الخاتم يدعون إلى الخير ويامرون بالمعروف وينهون عن المنكر كما أن أصحاب ذلك النبي الخاتم الماحي يامرون بالمعرف وينهون عن المنكر ويومنون بالله وحده ويجاهدون الأمم الضالة كما أن هؤلاء يجاهدون النفس والهوى والشيطان الجهاد الأكبر ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم :"رجعنا إلى من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر قالوا : وما الجهاد الأكبر قال : جهاد النفس والهوى " ثالثها الإشارة إلى أن هذا القرن أفضل من جميع ما تقدمه من القرون السالفة سو القرون الثلاثة لورود النص فيها بأفضليتها قال صلى الله عليه وسلم :ط خير القون قرني ثم الذين يلونهم " الحديث ، ثم فسر ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله :" خير هذه الأمة أولها وآخرها " أهـ . فانظر رحمنا الله وإياك إلى هذا الكلام وتأمله راشدا تجده مصرحا بختمية شيخنا التجاني رضي الله عنه وأرضاه وعنا به لأن الشيخ المختار رضي الله عنه ما ادعى الختمية الكبرى لنفسه مع أنه أهل ذلك القرن ومحيي الدين بن العربي رضي الله عنه مات في القرن السابع وشيخنا التجاني رضي الله عنه ولد عام خمسين ومائة وألف ووقع له الإذن من النبي صلى الله عليه وسلم يقظة لا مناما بتربية الخلق على العموم والإطلاق سنة ألف ومائة وست وتسعين قال : أخبرني سيدي محمد الغالي رضي الله عنه وأرضاه وعنا به أن الشيخ رضي الله عنه وأرضاه وعنا به عاش وهو في المرتبة الختمية ثلاثين سنة وإذا تأملت هذا علمت أن الختمية لم تثبت لأحد قبل شيخنا رضي الله عنه وأرضاه وعنا به وأن أحدا ما ادعاها وثبت على ادعائها لنفسه ، وأما شيخنا وسيدنا ووسيلتنا إلى ربنا سيدي أحمد بن محمد الشريف الحسني التجاني رضي الله عنه وأرضاه وعنا به قال : قد أخبرني سيد الوجود صلى الله عليه وسلم بأني أنا القطب المكتوم منه إلي مشافهة يقظة لا مناما فقيل له وما معنى المكتوم فقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : هو الذي كتمه الله تعالى عن جميع خلقه حتى الملائكة والنبيين إلا سيد الوجود صلى الله عليه وسلم فإنه علم به وبحاله وهو الذي حاز كل ما عند الأولياء من الكمالات الإلهية واحتوى على جميعها وأكبر من هذا أن النبي صلى الله عليه وسلم قال : " إن لله ثلاثمائة خلق من تخلق بواحد منها أدخله الله الجنة" وما اجتمعت في نبي ولا ولي قبله إلا في سيد الوجود صلى الله عليه وسلم ، وأما الأقطاب الذين بعده حتى الحجة العظمى ابن العربي الحاتمي فإنما يعلمون ظواهرها فقط ويسمون المحمديين ، وبه ختم الله الأقطاب المجتمعة فيهم الأخلاق الإلهية وهذه الأخلاق لا يعرفها إلا من ذاقها ولا تدرك بالوصف ولا يعرف ما فيها إلا بالذوق ، وقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به أن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود صلى الله عليه وسلم تتلقاها ذوات الأنبياء ، وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاها ذاتي ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور وخصصت بعلوم بيني وبينه منه إلي مشافهة لا يعلمها إلا الله عز وجل بلا واسطة ، وقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : أنا سيد الأولياء كما كان صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء ، وقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : لا يشرب ولي ولا يسقى إلا من بحرنا من نشأة العالم إلى النفخ في الصور ، وقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : إذا جمع الله خلقه في الموقف ينادي مناديا على صوته حتى يسمعه كل من في الموقف : يا أهل الحشر هذا إمامكم الذي كان ممدكم منه ، قال في جواهر المعاني : وسألته رضي الله عنه عن حقيقة الولاية فأجاب رضي الله عنه بما نصه : الولاية عامة وخاصة ، فالعامة هي من آدم عليه السلام إلى عيسى عليه السلام ، والخاصة من سيد الوجود صلى الله عليه وسلم إلى الختم ، والمراد بالخاصة هي من اتصف صاحبها بأوصاف الحق الثلاثمائة على الكمال ولم ينقص منها واحد ، إن لله ثلاثمائة خلق من اتصف بواحد منها دخل الجنة وهذا خاص بسيد الوجود صلى الله عليه وسلم ومن ورثه من أقطاب هذه الأمة الشريفة إلى الختم هكذا قال ، ونسبة للحاتمي رضي الله عنه ، ثم قال سيدنا رضي الله عنه : ولا يلزم من هذه الخصوصية التي هي الاتصاف بالأخلاق على الكمال أن يكونوا كلهم أعلى من غيرهم في كل وجه ، بل قد يكون من لم يتصف بها أعلى من غيره في المقام وأظنه يشير إلى نفسه رضي الله عنه وبعض الأكابر من الصحابة لأنه أخبره سيد الوجود صلى الله عليه وسلم بأن مقامه أعلى من جميع المقامات اهـ . وقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : القطب المكتوم هو الواسطة بين الأنبياء والأولياء ، فكل ولي لله تعالى من كبر شأنه ومن صغر لا يتلقى فيضا من حضرة نبي إلا بواسطته رضي الله عنه من حيث لا يشعر به وممده الخاص به ، إنما يتلقاه منه صلى الله عليه وسلم ، ولا اطلاع لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على فيضه الخاص به لأن له مشربا معهم منه صلى الله عليه وسلم ، قال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به مشيرا بإصبعه السبابة والوسطى : روحي وروحه صلى الله عليه وسلم هكذا ، روحه صلى الله عليه وسلم تمد الرسل والأنبياء عليهم الصلاة والسلام وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من الأزل إلى الأبد ، وسبب ذلك أن بعض أصحابنا تجاور مع بعض الناس في قوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : كل الشيوخ أخذوا عني بالغيب ، فحكى له ذلك فأجاب رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : نسبة الأقطاب معي كنسبة العامة مع الأقطاب ، وقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه قال : قدمي هذه على رقبة كل ولي لله تعالى يعني أهل عصره ، أما أنا فقدماي هاتان وجمعهما رضي الله عنه وكان متكئا فجلس وقال : على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور ، قلت وقد أجبرني شيخي وسيدي محمد الغالي أبو طالب الشريف الحسيني وأنا معه في المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام أن الشيخ رضي الله عنه وأرضاه وعنا به قال ذات ليلة في مجلسه : أين السيد محمد الغالي ؟ فجعل أصحابه ينادون : أين السيد محمد الغالي ؟ على عادة الناس مع الكبير إذا نادى أحدا ، فلما حضر بين يدي الشيخ قال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى ، وقال سيدي محمد الغالي وكان لا يخافه لأنه من أكابر أحبابه وأمراتهم : يا سيدي أنت في الصحو والبقاء أو في السكر والفناء فقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : بل أنا في الصحو والبقاء وكمال العقل ولله الحمد ، وقال : قلت : ما تقول في قول سيدي عبد القادر رضي الله عنه : قدمي هذه على رقبة كل ولي لله تعالى فقال : صدق رضي الله عنه يعني أهل عصره ، وأما أنا فأقول : قدماي هاتان على رقبة كل ولي لله تعالى من لدن آدم إلى النفخ في الصور ، قال : فقلت له : يا سيدي فكيف تقول إذا قال أحد بعدك مثلما قلت ؟ فقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : لا يقوله أحد بعدي ، قال فقلت له : يا سيدي قد حجرت على الله تعالى واسعا لم يكن الله تعالى قادرا على أن يفتح على ولي فيعطيه من الفيوضات والتجليات والمنح والمقامات والمعارف والعلوم والأسرار والترقيات والأحوال أكثر مما أعطاك ، فقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : بلى قادر على ذلك وأكثر منه ولكن لا يفعله لأنه لم يرده ، ألم يكن قادرا على أن ينبئ أحدا ويرسله إلى الخلق ويعطيه أكثر مما أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم ؟ قال : قلت : بلى لكنه تعالى لا يفعله لأنه ما أراده في الأزل ، فقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : وهذا مثل ذلك ، ما أراده في الأزل ولم يسبق به علمه تعالى . فإن قلت : ما صورة برزخية القطب المكتوم المعبر عنه عند العارفين والصديقين وأفراد الأحباب وجواهر الأقطاب بجوهر الجواهر وبرزخ البرازخ والأكابر فالجواب والله تعالى الموفق بمنه للصواب : اعلم وفقني الله وإياك لما يحبه ويرضاه إن الحضرات المستفيضة سبع : الأولى حضرة الحقيقة الأحمدية وهي في جواهر المعاني غيب من غيوب الله تعالى فلم يطلع أحد على ما فيها من المعارف والعلوم والأسرار والفيوضات والتجليات والأحوال العلية والأخلاق الزكية ، فما ذاق منها أحد شيئا ولا جميع الرسل والنبيين اختص صلى الله عليه وسلم وحده بمقامها إلى أن قال : فما نال منها أحد اختص بها صلى الله عليه وسلم لكمال عزها وغاية علوها ، والثانية حضرة الحقيقة المحمدية فمنها كما في جواهر المعاني كل مدارك النبيين والمرسلين وجميع الملائكة والمقربين وجميع الأقطاب والصديقين وجميع الأولياء والعارفين إلى أن قال : وكل ما أدركه جميع الموجودات من العلوم والمعارف والفيوضات والتجليات والترقيات والأحوال والمقامات والأخلاق إنما هو كلله من فيض حقيقته المحمدية . والثالثة الحضرة التي فيها حضرات ساداتنا الأنبياء على اختلاف أذواقهم ومراتبهم وأهل هذه الحضرة هم الذين يتلقون كل ما فاض وبرز من حضرة الحقيقة المحمدية كما قال شيخنا رضي الله عنه وأرضاه وعنا به مشيرا إلى أهل هذه الحضرة بقوله : إن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود صلى الله تعالى عليه وسلم تتلقاها ذوات الأنبياء وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : روحه صلى الله عليه وسلم تمد الرسل والأنبياء إلا أن لخاتم الأولياء مشربا من النبي صلى الله عليه وسلم مع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ولا اطلاع لهم عليه الآن كما سيأتي قريبا إن شاء الله تعالى . والرابعة حضرة خاتم الأولياء الذي يتلقى جميع ما فاض من ذوات الأنبياء لأنه رضي الله عنه وأرضاه وعنا به هو برزخ البرازخ كما قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به مشيرا إلى هذه الحضرة بقوله : إن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود صلى الله عليه وسلم تتلقاها ذوات الأنبياء وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء تتلقاه ذاتي ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور وخصصت بعلوم بيني وبينه منه إلي مشافهة لا يعلمها إلا الله عز وجل بلا واسطة وبقوله : أنا سيد الأولياء كما كان صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : لا يشرب ولي ولا يسقى إلا من بحرنا من نشأة العالم إلى النفخ في الصور . وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به إذا جمع الله تعالى خلقه في الموقف يناد مناد بأعلى صوته حتى يسمعه كل من في الموقف ك يا أهل المعشر هذا إمامكم الذي كان مددكم منه . وبقوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به مشيرا بأصبعيه السبابة والوسطى : روحي وروحه صلى الله عليه وسلم هكذا روحه صلى الله عليه وسلم تمد الرسل والأنبياء وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من الأزل إلى الأبد . وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : إن القطب المكتوم هو الواسطة بين الأنبياء والأولياء فكل ولي لله تعالى من كبر شأنه ومن صغر لا يتلقى فيضا من حضرة نبيي إلا بواسطته رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به من حيث لا يشعر به ، ومدده الخاص به إنما يتلقاه منه صلى الله عليه وسلم ولا اطلاع لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على فيضه الخاص به لأن له مشربا معهم منه صلى الله عليه وسلم . والخامسة حضرة أهل طريقته الخاصة بهم وإلى هذه الحضرة أشار الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به بقوله : لو اطلع أكابر الأقطاب على ما أعد الله لأهل هذه الطريقة لبكوا وقالوا : يا ر بنا ما أعطيتنا شيئا ، أو بقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : لا مطمع لأحد من الأولياء في مراتب أصحابنا حتى الأقطاب الكبار ما عدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم . وبقوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : كل الطرائق تدخل عليه طريقتنا فتبطلها وطابعنا يركب على كل طابع ولا يحمل طابعنا غيره . وبقوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : من ترك وردا من أوراد المشايخ لأجل الدخول في طريقتنا هذه المحمدية التي شرفها الله تعالى على جميع الطرق آمنه الله تعالى في الدنيا والآخرة فلا يخاف من شيء يصيبه لا من الله ولا من رسوله ولا من شيخه أيا كان من الأحياء أو من الأموات ، وأما من دخل زمرتنا وتأخر عنها ودخل غيرها تحل به المصائب دنيا وأخرى ولا يفلح أبدا . قلت : هذا لأنه قد ثبت أول هذا الفصل أن صاحبها رضي الله عنه وأرضاه وعنا به هو الختم الممد الذي يستمد منه من سواء من الأولياء والعارفين والصديقين والأغواث ، ومن ترك المستمد ورجع إلى الممد فلا لوم عليه ولا خوف بخلاف من ترك الممد ورجع إلى المستمد . وبقوله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : وليس لأحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بغير حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلا أنا وحدي ووراء ذلك مما ذكر لي فيهم وضمنه صلى الله عليه وسلم أمرا لا يحل لي ذكره ولا يعرف إلا في الآخرة . قلت : وجه تقديم حضرة أهل طريقتنا على الحضرة التي فيها حضرات الشيوخ الذين هم أهل الطرق من ساداتنا الأولياء رضي الله عنهم بين ظاهر لأن أهل طريقته هم أول من يفيض عليهم ما يستمده من الحضرة المحمدية ومن حضرات ساداتنا الأنبياء عليهم من الله تعالى أفضل الصلاة وأتم السلام ، ومن هنا صار جميع أهل طريقته أعلى مرتبة عند الله تعالى في الآخرة من أكابر الأقطاب وإن كان بعضهم في الظاهر من جملة العوام المحجوبين كما سيأتي بيانه في آخر هذا الفصل وفي الفصل الثامن والثلاثين إن شاء الله تعالى أعني الصادقين منهم ، وأما الكاذبون فما توجه الكلام إليهم . والسادسة : الحضرة التي فيها حضرات ساداتنا الأولياء رضي الله تعالى عن جميعهم وهي مستمدة من حضرة خاتمهم الأكبر جميع ما نالوا وإليها يشير قول شيخنا أحمد رضي الله عنه وأرضاه وعنا به كما في جواهر المعاني بقوله : فلكل شيخ من أهل الله تعالى حضرة لا يشاركه فيها غيره اهـ . والسابعة : الحضرة التي فيها حضرات تلاميذهم ، وإذا تحرر هذا فأني أرتب لك سبع دوائر على ترتيب الحضرات أولها الدائرة الأحمدية المحمدية المحيطة بالكل وقد تقدم أن لا حظ لأحد مما في داخلها لعلوها ، والثانية التي في داخلها دائرة الحقيقة المحمدية الممدة ولها بابان : باب في أعلاها يفيض منه على سادتنا الأنبياء ما فاض من ذات سيد الوجود صلى الله عليه وسلم وعليهم أجمعين ، وباب من جهة اليمين يتلقى منه خاتم الأولياء مدده الخاص به من غير برزخية أحد بينه وبين سيد الأنبياء عليه وعليهم الصلاة والسلام ولا اطلاع لأحد على ذلك الفيض . الثالثة التي في داخلها دائرة حضرات سادتنا الأنبياء كما تتراها مصورة ولها باب من جهة الأعلي يفيض منه على حضرة الخاتم ما فاض منها . والرابعة التي في داخلها دائرة حضرة الخاتم ولها بابان باب من جهة اليمين يفيض منه على حضرة أهل طريقته خاصة وباب من جهة الشمال يفيض منه على حضرة الشيوخ التي فيها حضراتهم عامة لكن الفيوضات التي تفيض من دائرة حضرة الخاتم إلى دائرة أهل طريقته خاصة أكثر وأفضل وأعظم وأجزل وأضخم وأغزر من الفيوضات التي تفيض منها إلى دائرة حضرات ساداتنا الشيوخ أهل الطرق من ساداتنا الأولياء رضي الله عنهم بل ما يفيض من دائرة حضرة الخاتم إلى دائر حضرات الشيوخ بالنسبة إلى ما يفيض من دائرة حضرة الخاتم إلى حضرة أهل طريقته الخاصة بهم كنسبة نقطة إلى البحر المحيط ومن هنا أيضا فضل أهل طريقته على غيرهم . والخامسة التي في داخلها دائرة حضرة أهل طريقته ولها باب يفيض منه عليهم خاصة ما فاض من الخاتم من مدده الخاص به الفائض من الحقيقة المحمدية الذي لا شعور لساداتنا الأنبياء به ومن هنا يظهر فضلهم أيضا على غيرهم لاختصاصهم بهذا الفيض مع مشاركتهم غيررهم في سائر الفيوضات التي تفيض من حضرة الخاتم على الدوان مع كونه نصيبهم وحظهم منها أكثر وأغزر أيضا من نصيب غيرهم منها بل نصيب غيرهم منها إذا نشب إلى نصيبهم يكون كنسبة نقطة أو بسقة إلى البحر المحيط كما تقدم وإلى هذا يشير ما يأتي في فصل فضل المتعلقين به رضي الله عنه وفصل سبب تسمية طريقته الطريقة الأحمدية المحمدية الإبراهيمية لأن لأهلها لطفا من الله تعالى خاصا بهم بعد لطفه العام لهم ولغيرهم لاعتناء مولاهم الكريم بهم في أزله كاعتنائه بخاتم أولياءه لأنه تعلى كما اصطفى هذا الخاتم المحمدي بالغوثية والختمية اصطفائية محضة لا تعلق لها بسبب من الأسباب وخصه بهذه المرتبة التي قصر عن إدراكها جميع الأقطاب والأغواث بغير علة ، كذلك اصطفى أهل طريقته في الولاية والتقريب والمحبوبية والقبول عنده تعالى والتأهيل لهذا الخاتم وطريقته وتخصيصهم وجعله نصيبهم وجعلهم نصيبه اصطفائية محضة ولا تعلق لها بسبب من الأسباب بل كما سبق له في الأزل العناية بالختمية وبجميع ما نال كذلك سبقت لهم في الأزل العناية بالولاية والفضل وأهلية محبته وموافقته فلذلك وقعت لهم محبته وموافقته ومن تلك الأهلية اتبعوه وقبلوا أمره ووضعوا رقابهم تحت قدمه ولولا تلك العناية الأزلية كان حالهم كحال الأعداء المنكرين المنتقدين المحرومين لكن الأمر كما قال تعالى :{ الفضل بيد الله يوتيه من يشاء } ومن هذه الحيثية كان فضلهم على غيرهم كفضله رضي الله عنه وأرضاه وعنا به على غيره من الأولياء لأن فضل التابع على قدر فضل المتبوع ومن هنا فضل أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم على غيرهم على الإطلاق بعد ساداتنا الأنبياء على جميعهم أفضل الصلاة وأزكى السلام ولهذا عظمهم الله تعالى بقوله : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدات والعشي يريدون وجهه ما عليك من حسابهم من شيء }. وفي عرائس البيان : بين الله سبحانه وتعالى في هذه الآية تخصيص الولاية بعد تخصيصه النبوة والرسالة وصرح في بيانه أن الولاية اصطفائية محضة كما أن النبوة والرسالة اصطفائية محضة لا تتعلقان بسبب من الأسباب من العرش إلى الثراء ، وكما أنه وتعالى أحب الأنبياء والرسل كذلك أحب الأولياء والأصفياء محبة بلا علة ، وكما أن الله سبحانه خص نبينا صلى الله عليه وسلم بالرسالة بغير علة إلى أصحابة وجميع الخلائق من الجن والإنس والملك كذلك خص أصحابه بشرف الولاية بغير سبب من جهته ولا جهده وصحة ذلك قوله تعالى : { ما عليك من حسابهم من شيء وما من حسابك عليهم من شيء } . قال صاحب العرائس : بل كما سبق في الأزل العناية له بالرسالة كذلك سبقت لهم في الأزل العناية بالولاية فلذلك وقعت لهم الصحبة والموافقة ومن جهة تلك الأهلية تلقوه وقبلوا أمره ووضعوا رقابهم تحت قدميه ، ولولا تلك العناية الأزلية لكان حالهم كحال هؤلاء الأعداء لكن الفضل بيد الله يوتيه من يشاء فمن الله تعالى على نبيه عليه الصلاة والسلام بتأييده له ونصر أصحابه بقوله تعالى : { هو الذي أيدك بنصره وبالمومنين } ولما بلغ شرفهم إلى هذه المرتبة أوصى الله نبيه عليه السلام بمراعاتهم وراعاية حالهم وتربيتهم بقوله تعالى : { ولا تطرد الذين يدعون ربهم بالغدات والعشي يريدون وجهه } الآية لا تمنع هؤلاء صحبتك لو كان في لحظة لأجل حرصك بإسلام الطالبين طردهم فإن هدايتهم عندي وإنك لا تهدي من أحببت ولكن الله يهدي من يشاء من هؤلاء الفقرا مثل بلال وصهيب وسلمان وعمار وحذيفة ونضائرهم من أصحاب الصفة الذين يدعون الله لوصولهم إليه كل صباح ومساء لشوقهم إلى جماله ومحبتهم اللحوق به وهذا معنى قوله يريدون وجهه أهـ . قلت : ولما ثبت وظهر واتضح مما تقدم في هذا الفصل أن شيخنا سيدي أحمد بن محمد التجاني رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به هو خاتم الأولياء كما أن جده صلى الله عليه وسلم هو خاتم الأنبياء ثبت فضله على جميع الأولياء بعد رسول الله صلى الله عليه وسلم لأن فضله على الأولياء حينئذ كفضل خاتم الأنبياء صلى الله عليه وسلم على جميع الأنبياء ، ولما كان الأمر كذلك فلا شك أن فضل أهل طريقته على غيرهم من أهل طرق هذه الملة المحمدية يكون كفضل هذه الأمة المحمدية على جميع أمم الأنبياء عليهم كلهم من الله تعالى أفضل الصلاة وأزكى السلام كما سيأتي بيان ذلك إن شاء الله تعالى في آخر هذا الفصل وفصل فضل المتعلقين به رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به وفصل سبب تسمية طريقته رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به بالطريقة المحمدية الإبراهيمية الحنيفية إن شاء الله تعالى .ويكفي في تأييد ذلك ما تقدم من قول الشيخ المختار الكنتي رضي الله تعالى عنه أن القرن الذي فيه القطب المكتوم والبرزخ المختوم والختم المحمدي المعلوم شيخنا أحمد بن محمد التجاني رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به وذلك القرن هو القرن الثاني عشر من الهجرة المحمدية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام يشاكل قرنه صلى الله تعالى عليه وسلم من وجوده ، أولها أن فيه خاتم الأولياء كما أن في قرنه صلى الله عليه وسلم خاتم الأنبياء ، الثاني أن أتباع هذا الولي المجدد الخاتم يدعون إلى الخير ويأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويسارعون في الخيرات كما أن أصحاب ذلك الخاتم الماحي يأمرون بالمعروف وينهون عن المنكر ويؤمنون بالله وحده ويجاهدون الأمم الضالة كما أن هؤلاء يجاهدون النفس والهوى والشيطان الجهاد الأكبر ، قال الرسول صلى الله عليه وسلم : "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر ، قالوا : وما الجهاد الأكبر ؟ قال : جهاد النفس والهوى" . الثالث الإشارة إلى أن هذا القرن أفضل من جميع ما تقدمه من القرون السالفة سوى القرون الثلاثة الوارد في النص بأفضليتها ، قال صلى الله عليه وسلم : "خير القرون قرني ثم الذين يلونهم" الحديث . ثم فسر ذلك صلى الله عليه وسلم بقوله : خير هذه الأمة أولها وآخرها اهـ . قلت : وهذه البشارة للطائفة الأحمدية المحمدية الإبراهيمية التجانية أعظم من الدنيا وما فيها ، هنيئا لأهل هذه الطريقة الصادقين فقد حازوا شرف الدنيا والآخرة ، اللهم إنا نسألك أن تحيينا عليها وتميتنا عليها وتحشرنا في زمرة أهلها بجاه من تفضل بها عليه النبي المختار وبجاهه صلى الله تعالى عليه وسلم آمين يا رب العالمين . والسادسة دائرة حضرة الشيوخ التي فيها حضراتهم كما ستراها مصورة وفيها باب لأهل طرقهم . والسابعة التي في داخلها دائرة أهل طرقهم كما ستراها مصورة ، وحضرة أهل كل طريقة تستمد من شيخهم ، والشيوخ يستمدون من الخاتم فصار الكل مستمدا منه ، وإن رأى غيره أنه يستمد من رسول الله صلى الله عليه وسلم أو من نبي من الأنبياء فهو من حيث عدم شعوره بالاستمداد منه لا من حيث حقيقة الأمر ، وذلك كمثل من رأى من الأكابر أنه يأخذ عن الله علما أو سرا ولم يشعر بواسطة من رسول الله صلى الله عليه وسلم . وإذا نظرت إلى ما أسلفناه وأعطيته من التأمل حقه ودققت فيه النظر وفهمته حقيقة الفهم حصلت على طائل في حقيقة برزخية الخاتم لأن دائرة حضرته رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به هي المتوسطة بين الدوائر ، فوقها ثلاث وتحتها ثلاث لا يصل شيء إلى الثلاث التي تحتها إلا باستمداد أهلها من حضرته رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به . قلت : قد حبب إلي أن أنشئ هنا قصيدة مناسبة لما تقدم ولما سيأتي لهذا الفصل وفي الفصل الذي بعده وفي فصل سبب تسمية هذه الطريقة الأحمدية المحمدية الإبراهيمية الحنيفية وفي فصل فضل الأذكار اللازمة وفي فصل فضل الأذكار غير اللازمة أجراها الله تعالى على خاطري يفرح بها الموفق المستمد السعيد على رغم أنف المخذول الشقي المنتقد البعيد ، فبتوفيق الله وتأييده أقول ، وبحوله وقوته على الأعداء أصول وهي :
يا رائم الخيرات روم رجالها *** يا مبتغي الأنوار ثم ظلالها
إن رمت نيل ولاية بكمالها *** وهداية فأجب نداء رجالها
أو رمت إدراك المعالي كلها *** روم البرازخ نيل طيف خيالها
يدعوك داعي حضرة غوثية *** ختمية لا يرتقي لقلالها
يدعوك داعي حضرة لعلوها *** خضعت بها الأغواث روم جمالها
يدعوك داعي حضرة خفيت على الـ *** أغواث طلعة شمسها وهلالها
يدعوك داعي حضرة من فيضها *** ما نال كل الأوليا بخصالها
يدعوك داعي حضرة من مفزع الـ *** أقطاب والأغواث يمن ثمالها
يدعوك داعي حضرة من فضلها *** إن الأكابر أذعنوا لكمالها
يدعوك داعي حضرة أعناق كل *** الأولياء تطأطأت لنعالها
يدعوك داعي حضرة حبية *** خلية موروثة بخلالها
يدعوك داعي حضرة مفتوحة *** فياضة مشدودة بحبالها
يدعوك داعي حضرة مكنونة *** من غير جنس رجالها ورحالها
يدعوك داعي حضرة لطفية *** قهرية قتالة بشبالها
يدعوك داعي حضرة أسرارها *** وعلومها لا يهتدى بمثالها
يدعوك داعي حضرة من حاد عنـ *** ها مبغضا يرديه مدح جالها
يدعوك داعي حضرة من زاغ عنـ *** ها جاحدا يهلكه سهم ثمالها
يدعوك داعي حضرة يسمى لها *** محبوب للمطرود سم نبالها
يدعوك داعي حضرة أصحابها *** يتعاونون على التقى لمآلها
يدعوك داعي حضرة عشاقها *** يتعاضدون لربهم بنصالها
يدعوك داعي حضرة فردية *** وهبية فضلية لنوالها
يدعوك داعي حضرة أحبابها *** قد حبهم مولاهمُ بشمالها
يدعوك داعي حضرة من خاضها *** بشروطها يدرك جميع نمالها
يدعوك داعي حضرة من خاض فيـ *** ها صادقا يغشاه ظل ظلالها
يدعوك داعي حضرة لرجالها *** روح وريحان وشرب زلالها
يدعوك داعي حضرة أبدالها *** فانوا الخصوص فكيف حال نبالها
يدعوك داعي حضرة جودية *** لا منتهى لدقافها وعيالها
يدعوك داعي حضرة فياضة *** من حضرة الرحموت فيض رجالها
يدعوك داعي حضرة أورادها *** يسقون سر بحورها بسجالها
يدعوك داعي حضرة خلانها *** هذا النبي يحبهم لفعالها
يدعوك داعي حضرة خدامها *** جيران هذا المصطفى لجلالها
يدعوك داعي حضرة أتباعها *** بعد الصحابة فضلت لا ثالها
يدعوك داعي حضرة سلاكها *** إخوان صحب محمد لكمالها
يدعوك داعي حضرة فقراؤها *** رفقاء صحب محمد بهزالها
حمد المثال بيمنها وبنيلها *** ونبيها وإمامها ونوالها
وبنيل ما فيها من الأفكار والـ *** دعوات والأسرار ثم نقالها
وهذه صورتها كما ترى .
فإن قلت : كيف يكون الولي المتأخر أفضل من الأولياء الكبار المتقدمين الذين شاع فضلهم وذاع وطار صيتهم شرقا وغربا كالشيخ عبد القادر الجيلاني والشيخ أبي الحسن الشاذلي ونحوهما رضي الله عنهم أجمعين ، قلت : من حيث كان النبي المتأخر محمد صلى الله تعالى عليه وسلم أفضل من إبراهيم خليل الله وموسى كليم الله وعيسى روح الله وغيرهم من الأنبياء والرسل على نبينا وعليهم أفضل الصلاة والسلام . قال أبو المواهب التونسي رضي الله تعالى عنه : واحذروا من قولكم ذهب الأكابر والصادقون من الفقراء فإنهم ما ذهبوا حقيقة وإنما هم ككنز صاحب الجدار ، وقد يعطي الله من جاء في آخر الزمان ما حجبه عن أهل العصر الأول ، فإن الله تعالى قد أعطى محمدا صلى الله عليه وسلم ما لم يعط الأنبياء قبله ثم قدمه في المدح عليهم اهـ . وقال الشيخ أحمد زروق رضي الله تعالى عنه في تأسيس القواعد : النظر للأزمنة والأشخاص من حيث هو أصل شرعي لا أمر جمالي ، حيث قال الكفار : {لولا نزل هذا القرآن على رجل من القريتين عظيم} فرد الله تعالى عليهم بقوله : {أهم يقسمون رحمة ربك} الآية . وقالوا : {وقالوا إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون} فرد الله تعالى عليهم بقوله : {قل او لو جئتكم بأهدى مما وجدتم عليه آباءكم} الآية . فلزم النظر لعموم فضل الله تعالى من غير مبالاة بوقت ولا شخص إلا من خصه الله تعالى به ، والأولياء في ذلك تبع الأنبياء لأن الكرامة شاهد المعجزة ، والعلماء ورثة الأنبياء في الحرمة والرحمة وإن تباينا في أصل الفضل فافهم اهـ . وفيه : أن وجود الجحد مانع من قبول المجحود أو نوعه لنفور القلب عنه ، والتصديق مفتاح الفتح لما صدق به وإن لم يتوجه إذ لا دافع فالمتوقف مع الفقه يتعين عليه تجويز المواهب والفتح من غير قيد بزمان ولا مكان ولا عين لأن القدرة لا تتوقف أسبابها على شيء وإلا كان محروما بما قام به جحوده ثم هو إن استند إلى أضل معذور وإلا فلا عذر له بإنكار ما لا علم له به فسلم تسلم اهـ . قلت : وما حمل من أنكر بلوغ شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به هذا المقام الذي هو الختمية الكبرى التي لم يبلغها أحد من الأولياء إلا ظنهم أن حصول هذا المقام لأحد بعد المشايخ المتقدمين ممنوع شرعا ومستحيل عقلا وكلا الأمرين منتف واعتقاد من اعتقد أن بلوغه رضي الله تعالى عنه هذا المقام لا يصح لا يلزم منه كون معتقده في نفس الأمر كذلك قد تقدم أن الشيخ الشعراني رضي الله تعالى عنه قال في العهود المحمدية : إن رد العلماء على الصوفية هو لدقة مدارك الصوفية عليهم لا غير ، فلا يلوك من الرد عليهم فساد قولهم في نفس الأمر كما قال الغزالي : كنا ننكر على القوم أمورا حتى وجدنا الحق معهم ، قال تعالى : { بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ولما ياتهم تاويله } وقال تعالى : { وإذ لم يهتدوا به فسيقولون هذا إفك قديم } هو مما يؤيد قول الإمام الغزالي قول الإمام أبي القاسم الجنيد : كان عندي وقفة في قولهم يبلغ الذاكر في الذكر إلى حد لو ضرب بالسيف لم يحس إلى أن وجدنا الأمر كما قالوا . قلت : ولو شاء الله تعالى لرزق جميع إخواننا المؤمنين مثل ما رزقنا نحن وجميع الإخوان بفضله من الإيمان بختمية هذا الختم والتصديق ببرزخيته وقبول ما يبرز منه من العلوم والانتساب إلى طريقته والتعلق بأذياله ولكنه تعالى لما لم يؤلهم لذلك صرفهم عن التصاريف ولو شاء الله تعالى لأطلعهم على ما أطلعنا وجذبهم به إلى هذا الختم المكتوم والبرزخ المختوم ولكنه تعالى قضى على قوم بالضلال والهلاك فصرفهم عن هذا السيد بعدا وطردا ولعنا وخذلانا وصرف عنه آخرين لا لتبعيدهم عن رحمته تعالى ولا لطردهم ولكنه تعالى حجبهم عن معرفة مقامه لكونه القطب المكتوم كما تقدم فظنوا أن لا مقام يجاوز مقاماتهم فقل : كل على قدر مقامه ورحم قوم بتعليمهم مقام القطب المكتوم والختم المحمدي المعلوم ، فمنهم من عرف عينه وانتسب إليه ومنهم من لا ولم ينكر والأمر بيده تعالى كما قال جل وعلا :{ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين إلا من رحم ربك ولذلك خلقهم } وفي عرائس البيان :{ ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة } على سبيل واحد من توحيده ومعرفته وقربه ومشاهدته ، ولكن حكمته الأزلية وعلمه القديم يغرقهم في طرق المعارف وأعطى كل واحد منهم سبيلا يسلك فيه من معرفة ذاته وصفاته جميعا فيسيرون إليه بسبيل الصفات وطرق معارف الذات على حسب مذاقهم ومشاربهم ، فبعض في المعرفة وبعض في التوحيد وبعض في المحبة وبعض في العشق وبعض في الشوق وبعض في الإرادة وبعض في الحالات وبعض في المعاملات ، ولا يشبه حال المريدين حال المتوسطين ولا حال المتوسطين حال العارفين ولا حال العارفين حال الأنبياء والمرسلين وباختلاف قدر علومهم ومعرفتهم لم يرتفع الاختلاف بينهم ، قال الله تعالى : { ولا يزالون مختلفين } أي في الأحوال والمقامات والأفعال والأقوال . { إلا من رحم ربك } يبلغه إلى مقام الغيبة عنه في ولهه في أنوار القدم وفنائه في سطوات الأزل أيضا إلا من يبلغه مقام الصحو والتمكين حتى يطلع على الكل ولا يخالفهم فيما هم فيه لأنه في مقام الاتصاف ونعت التمكين خارج عن التلوين ولذلك خلقهم أي طباعهم مجبولة باختلاف طرق المقامات ودرجات الحالات وهذه سنة الله تعالى جرت في الجميع ، قال تعالى : { قد علم كل أناس مشربهم } أهـ . وكما قال أيضا سبحانه وتعالى : { لكل جعلنا منكم شرعة ومنهاجا ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة ولكن ليبلوكم في ما أتاكم فاستبقوا الخيرات على الله مرجعكم جميعا فينبؤكم بما كنتم فيه تختلفون } قال في العرائس : إن الله تعالى جعل في بحار القدم والبقاء الشرائع ليورد الأوراح القدسية ومشارب القيود العارفة به وسواقي العقول الصادرة من نوره ولكل واحد منها شرعة من تلك البحار ، فلبعض شرعة العلم ولبعض شرعة القدرة ، ولبعض شرعة الصمدية ، ولبعض شرعة الحكمة ، ولبعض شرعة الكلام والخطاب ، ولبعض شرعة المحبة والمعرفة ، ولبعض شرعة العظمة والكبرياء ، ثم جعل لها منهاجا من الصفات إلى الخيرات ومن الذات إلى الصفات ومن الصفات إلى الصفات ومن الذات إلى الذات ومن الأسماء إلى النعوت ومن النعوت إلى الأسماء ومن الأسماء إلى الأفعال ليعرفه كل واحد بقدر ذوقه وشربه وطريقه وجعل بينهم تباعدا وتقاربا ، قال تعالى : { قد علم كل أناس مشربهم } فمن وافق شربه شرب صاحبه لم يقع بينهما خلاف في الشرعة والمنهاج ، ومن لم يكن شربه موافقا لشرب صاحبه لم يعرف أحدهما مكان الآخر ويكون بينهما نزاع وذلك من غيرة الله تعالى عليهم وعلى نفسه ليلا يركن بعضهم إلى بعض فلا يطلع عليه أحد سواه ، ألا ترى كيف وصف مزاج الأبرار من مزاج المقربين وفرق بينهم بالمشارب والسواقي وكيف خص بعضا بالرحيق المختوم بقوله تعالى : { يسقون من رحيق مختوم ختامه مسك } وفي ذلك رحمة منه على الجمهور لتفاوت فوائد استنباطهم علوم الغيبة من قرآن الله تعالى . قال صلى الله عليه وسلم :"اختلاف العلماء رحمة " ولاختبارهم في طريقهم في حقائق العبودية وعرفان الربوبية . قال : وهذا معنى قوله تعالى :{ ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } يعني شيوخا وأكابر بغير المريدين والسالكين ولكن ليبلوكم في ما أتاكم من المقامات الشريفة والأصول السنية كيف تخرجون من دعواكم بحقيقة عبوديتي وتخرجون جواهر العلوم من كتابي وحكمتي . قال : ثم خاطبهم جميعا بقوله : { فاستبقوا الخيرات } عرفهم مكان تقصيرهم أي ما أدركتم مني في جنب ما عندي لكم كقطرة في بحر سارعوا إلى خيرات مشاهدتي وجميل عطياتي . قال : ثم أفدهم مما وجدوا إلى عين جلال بقوله : { إلى الله مرجعكم جميعا } أي إليه مرجعكم لافتقاركم من مقاماتكم إليه لزيادة القربة والمعرفة ، وهناك يظهر تفاضل درجاتكم وما غاب عنكم من دقائق أسراري ونودر لطائفي . قال : وهذا معنى قوله تعالى : { فينبؤكم بما كنتم فيه تختلفون } أهـ . قلت : وسيبين غدا في المحشر تفاضل الأولياء والعارفين والصديقين واللأغواث وتفاوت درجاتهم ومراتبهم بإظهار الله الفاضل وتمييزه المفضول فيظهر عين الفاضل ويعرف من غير نزاع ولا خلاف ، كما أنه تعالى سيرفع كل أشكال في ختمية شيخنا أحمد بن محمد التجتني رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به ويبين أنه هو القطب المكتوم والبرزخ المختوم والختم المحمدي المعلوم إذا نادى مناديا على صوته يسمعه كل من في الموقف : يا أهل المحشر هذا إمامكم الذي كان مددكم منه ويزول حينئذ كل نزاع كما أشار إلى جميع ما ذكرنا هذا العارف مبينا بعض معاني هذه الآية الشريفة على طريق الإشارة . ثم قال : وقال هذا الأستاذ في قوله تعالى : {ولو شاء الله لجعلكم أمة واحدة } أي ولو شاء الله لسوى مراتبكم ولكن غاير بينكم ابتلاء وفضل بعضكم على بعضا امتحانا أهـ . قلت : ومن تأمل هذا الكلام من هذا العارف تفجر له من هذه الآية الكريمة بعض الأسرار التي تحمل أكابر العارفين فأحرى الأولياء على إنكار بعض المراتب التي ينالها بعض الأفراد منهم لأن بعض مراتب أفراد الصديقين لا شعور لبعض الصديقين بها ولا شعور لأفراد الصديقين ببعض مراتب الأغواث ولا شعور لبعض الأغواث ببعض مراتب جواهر الأغواث ولا شعور بجواهر الأغواث ببعض مراتب جواهر الجواهر الذين هم برازخ الجواهر ولا شعور لبرازخ الجواهر ببعض مراتب برزخ البرازخ هو القطب المكتوم والبرزخ المختوم والختم المحمدي المعلوم . والأسرار التي تحملهم على الاختلاف والنزاع كثيرة منها اختلاف المشارب ومنها تباعد مقامات تلك المشارب ومنها إرادة تكفير مشايخ هذه الأمة وإن كان بعضهم وأتابعهم أفضل من بعض وأتباعهم ليكون اختلافهم رحمة لها . قال أبو يزيد البسطامي رضي الله تعالى عنه : الطرق إلى الله تعالى بعدد الخلق لكن السعيد من هدي إلى طريق من تلك الطرق . ومنها أن الله تعالى غاير بينهم ابتلاء ومنها أنه فضل بعضهم على بعض إمتحانا ومنها غيرة الله تعالى على بعضهم من أن يطلع عليهم وعلى مقاماتهم غيره تعالى كالقطب المكتوم والبرزخ المختوم شيخنا وسيدنا أحمد بن محمد التجاني رضي الله تعالى عنه قبل ظهوره ، ومنها إرادة الله تعالى جعل أهل طريقة كل شيخ محصورين بعدد معلوم عنده في أزله فلذلك يحجبهم عن معرفة غيره ومنها إرادته تعالى تفضيل من شاء على من شاء فيخصهم بطريقة سيد الأولياء وبالتعلق به والتمسك بأوراده وأذكاره والتوجه إلى الله بتوجهاته والتأدب بآدابه والانتظام في سلكه والدخول في زمرته واللحوق بدرجته ومجاورته في الملئ الأعلى مع أصفيائه وأحبته وليجب مع من يجيب يوم يدعو الله تعالى كل أناس باسم شيخهم ويدعوهم إلى مجاورة شيخهم في منزلته قال تعالى :{ يوم ندعوا كل أناس بإمامهم } . قاتل في عرائس البيان بعد أن تكلم بكلام في معاني الآية : وأيضا يدعو المريدين بأسماء مشايخهم ويدعوهم إلى منازلهم ولينال منه الحظ الأوفر مما ينال منه أولاده الذين هم أهل طريقته المتمسكون بأوراد وهو اللحوق بدرجته . قال في السراج المنير عند قوله تعالى:{ والذين آمنوا واتبعتهم ذريتهم } أي الصغار والكبار فالكبار بإيمانهم بأنفسهم ، والصغار بإيمان آبائهم ، فإن الولد الصغير يحكم بإيمانه تبعا لأحد أبويه بإيمان أي : سبب إيمان حاصل منهم ولو كان في أدنى درجات الإيمان ولكنهم ثبتوا عليه إلى أن ماتوا وذلك شرط اتباعهم الذريات . {ألحقنا بهم} فضلا منا عليهم ذرياتهم وإن لم يكن للذرية أعمال لأنه لعين تجازى ألف عين وتكرم ، والذريات هنا تصدق على الآباء والأبناء ، وأن المؤمن إذا كان عمله أكثر ألحق به من دونه في العمل آباء كانوا أو أبناء وهو منقول عن ابن عباس وغيره . ويلحق بالذرية من النسب الذرية بالسبب وهو المحبة ، فإن كان منها أخذ العلم أو عمل كانت أجدر فتكون ذرية الإفادة كذرية الولادة وذلك لقوله صلى الله عليه وسلم : "المرء مع من أحب" في جواب من سأل عمن يحب القوم ولما يلحق بهم اهـ . وقال في العرائس أيضا : هذا إذا وقع فطرة الذرية من العدم سليمة طيبة طاهرة مستمدة لقبول معرفة الله تعالى ولم تتغير من تأثير صحبة الأضداد لقوله عليه السلام : "كل مولود يولد على الفطرة فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه" فإذا بقيت على النعت الأول ووصل إليها فيض مباشرة ألحق ولم تتم عليها الأحوال والأعمال يوصلها الله تعالى إلى درجة آبائهم وأمهاتهم الكبار من المؤمنين إذ هناك يتم أرواحهم وعقولهم وقلوبهم ومعرفتهم وعلمهم بالله تعالى عند كشف مشاهدته وبروز أنوار جلاله ووصاله . قال : وكذلك حال المريدين عند العارفين يبلغون إلى درجات كبرائهم وشيوخهم ما آمنوا بأقوالهم وقبلوا كلامهم كما قال رويم قدس الله تعالى سره : من آمن بكلامنا هذا وراء سبعين حجابا فهو من أهله . وقال النبي صلى الله عليه وسلم : "من أحب قوما فهو منهم" . وقال سبحانه وتعالى : {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين} قال : ولا تعجب من ذلك فإنه تعالى يبلغهم إلى أعلى الدرجات . قال : فإذا كانوا في منازل الوحشة يصلون إلى الدرجات العلية فكيف لا يصلون إليها في مقام الوصلة . قلت : وإذا كان الأتباع يدعوهم الله تعالى بأسماء مشايخهم ويدعو أهل كل طريقة إلى منازل شيخهم ويلحقهم بدرجته ظهر بأدنى تأمل أن أتباع ختم الأولياء المختصين بطريقته المتعلقين به المتمسكين بأوراده وأذكاره لا يلحق درجتهم غيرهم إن كانوا من أكابر العارفين والصديقين والأغواث ما عدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما مر وكما سيأتي . ومن هنا كان عوام أهل طريقتنا الأحمدية المحمدية الإبراهيمية الحنيفية التجانية أفضل من غيرهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى ، وجميع ما تقدم إنما هو في بعض الأسرار التي حجب بها بعض الأولياء عن معرفة مراتب بعض مع معرفة الكمّل منهم أن مقام ختمهم الأكبر يفوق جميع مقامات الولاية ، واتفاقهم على أن جميع الأولياء من كان ومن سيكون إلى يوم القيامة إنما يستمدون منه رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين كما تقدم ذلك أول الفصل . وأما أهل الظلام والغباوة والضلالة والطغيان فلم يمنعهم من التعلق بشيخنا أحمد التجاني رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به مع ظهور فضله وفضل طريقته وفضل أهلها كظهور الشمس وقت الظهيرة صيفا رضي الله تعالى عنه وعنهم وأرضاهم وعنا به إلا الطرد عن رحمة الله تعالى والحرمان واللعن والشقاوة والخسران . خرجت مع سيدنا محمد الغالي رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به ذات يوم من المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى التسليم لزيارة شهداء أحد رضوان الله تعالى عليهم ، فلما فرغنا من زيارتهم ورجعنا قلت له : يا سيدي أنا أورد عليك اعتراضات على شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به على تقدير أني منكر عليه وأعوذ بالله تعالى من ذلك وكن أنت مجيبا عليها ، فقال لي رضي الله تعالى عنه : قل ما بدا لك . فشرعت في الإيراد والاعتراض وهو رضي الله تعالى عنه يدفع الإيرادات والاعتراضات ويحل الإشكالات . فلما قربنا من دخول المدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأتم التسليم قلت له : يا سيدي إني لا أزال أتعجب ممن اطلع على فضل هذا الشيخ وعلى فضل طريقته رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به وعلى فضل أهلها ونظر إلى جواهر المعاني وكان معه من له الإذن الخاص في تلقين أذكارها ونظم من طلبها في سلسلة أتباعها ثم تريث قدر لحظة ولم يكن من زمرة أهلها ، ونظر إلي فقال لي رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : تعجب مثلك من مثل هذا أعجب وأغرب عندي . فقلت : لم ؟ فقال لي رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : أي الملل والكتب والأنبياء خير وأفضل ؟ . قلت : الإسلام والقرآن ومحمد صلى الله عليه وسلم . فقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : لما بعث الله تعالى محمدا صلى الله عليه وسلم وأنزل عليه القرآن وأمره بدعوة الخلق إلى التوحيد والإسلام فكيف كان حالهم معه صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : انقسموا قسمين ، أما السعداء فآمنوا به ونصروه وقاتلوا بين يديه فحازوا به شرف الدنيا وعز الآخرة ، وأما الأشقياء فكذبوه وقاتلوه فخسروا به دنيا ولعنوا وطردوا برزخا وأخرى . فقال لي رضي الله تعالى عنه وأعاد علينا من بركاته : كيف يتعجب من يعلم هذا مما تعجبت منه ؟ وأنت تعلم أن سيدنا أحمد رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به إنما كان خليفة لهذا النبي صلى الله عليه وسلم لا غير ، وجميع ما حوته هذه الطريقة من الأنوار والأسرار والمواهب والتحف والعلوم والمعارف والمقامات والفيوضات والأوراد والأحزاب والدعوات والتوجهات والمقاصد والخلوات والكشوفات والتجليات وما يفشى وما لا يفشى أرزاق مقسومة ، فمن قدر له شيء منها يوفقه الله تعالى له ، ومن لا فلا ، ولكل لقمة آكل قسمت له فلا يأكلها غيره اهـ . قلت : ولا شك أنهم لما جهلوا مرتبة الإسلام الذي هو أشرف الملل وأفضلها وأرفعها وأعلاها وأعظمها عند الله تعالى وجهلوا ما انطوى عليه الإيمان من المنازل والمقامات والدرجات والأحوال والأخلاق والآداب والأنوار والأسرار وأعرضوا عنه وطعنوا فيه وقالوا للمؤمنين استهزاء إن أنتم إلا في ضلال كبير كما أخبر ربنا سبحانه وتعالى وكما قال أيضا سبحانه وتعالى : {وإذا رأوهم قالوا إن هؤلاء لضالون} وقال تعالى أيضا : {وقال الذين كفروا للذين آمنوا لو كان خيرا ما سبقونا إليه} ، ولما لم يشاهدوا من الأنبياء والرسل إلا هياكل بشرية وعموا عن إدراك حقائقهم واختصاصهم بما خصوا به من فناء حظوظهم فيهم وبقاء أشباحهم وهياكلهم رحمة للخلق قالوا في حق جميعهم أنهم إنما بهم سحر أو جنون كما قال تعالى : {كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول الا قالوا ساحر او مجنون} كما قالوا في حق نبينا صلى الله عليه وسلم : {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} . قال في السراج المنير : وذكر القرطبي أن المشركين كانوا يقولون للنبي صلى الله عليه وسلم مجنون به شيطان وهو قولهم : {يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون} فأنزل الله تعالى ردا عليهم وتكذيبا لقولهم : {ما أنت بنعمة ربك بكاهن ولا مجنون} ولما جهلوا أمر القرآن وما انطوى عليه من بحار عجائب الربوبية وأخبار غرائب أسرار الصفة القدسية قالوا فيه : {إن هذا إلا سحر يوثر إن هذا إلا قول البشر} هذا عادة السلفة وأهل الجهل والغباوة الذين قاسوا بآرائهم الفاسدة حال الأنبياء والصديقين ، ولو شاهدوا ذرة من حالهم لماتوا حسرة من الشوق إليها لكن سبق لهم الشقاء الأزلي لحجبهم عن جمال أحوالهم وأنوار أسرارهم وبقوا بظنونهم المختلفة وقياساتهم الفاسدة في الأشكال والهياكل واحتجبوا عن رؤية الأرواح وطيرانها في الملكوت والجبروت وتكبروا على أولياء الله من قلة معرفتهم بنفوسهم ومن قلة إدراكهم فلا جرم أن الله يضلهم بما يهدي به أحبابه ، ويهلكهم بعين ما يكرم به أصفيائه ، كما قيل : إن بين العبد وبين الله بحرين : بحر النجاة وبحر الهلاك قد يهلك في بحر النجاة خلق كثير كما قال تعالى : {يضل به كثيرا ويهدي به كثيرا} وقال تعالى : {ومنهم من يستمع إليك وجعلنا على قلوبهم أكنة أن يفقهوه وفي آذانهم وقرا } قال تعالى : {واتل عليهم نبأ الذي آتيناه آياتنا فانسلخ منها فأتبعه الشيطان فكان من الغاوين ولو شئنا لرفعناه بها ولكنه أخلد إلى الارض واتبع هواه فمثله كمثل الكلب إن تحمل عليه يلهث وإن تتركه يلهث ذلك مثل القوم الذين كذبوا بآياتنا فاقصص القصص لعلهم يتفكرون ساء مثلا القوم الذين كذبوا بآياتنا وأنفسهم كانوا يظلمون من يهدي الله فهو المهتدي ومن يضلل فأولئك هم الخاسرون} وقال تعالى : {وننزل من القرآن ما هو شفاء ورحمة للمومنين ولا يزيد الظالمين إلا خسارا} وقال تعالى : {قل هو للذين آمنوا هدى وشفاء والذين لا يومنون في آذانهم وقر وهو عليهم عمى} وقال تعالى : {وإذا ما أنزلت سورة فمنهم من يقول أيكم زادته هذه إيمانا فأما الذين آمنوا فزادتهم إيمانا وهم يستبشرون وأما الذين في قلوبهم مرض فزادتهم رجسا الى رجسهم وماتوا وهم كافرون} وقال تعالى : {وليزيدن كثيرا منهم ما أنزل إليك من ربك طغيانا وكفرا} فقد ظهر مما تقدم أن الله سبحانه وتعالى يهدي بشيء أقواما ويضل به آخرين ، ويسعد بشيء أقواما ويهلك به آخرين كالأنبياء والرسل صلوات الله وسلامه على جميعهم وكتبهم ونبينا محمد صلى الله عليه وسلم والقرآن ودين الإسلام فإن جميع ما ذكر خير كله لا شر فيه لكنه تعالى لم يوفق من أراد هلاكهم بتصريف الأنبياء والرسل وأتباعهم كفروا بالرسل وأعرضوا عنهم فكان هلاكهم في ذلك فذلك حال الأولياء مع من عاصرهم ومن يأتي بعدهم . وإذا فهمت هذا يا أخي فاعلم وفقنا الله وإياك لما يحبه ويرضاه أن القطب المكتوم والبرزخ المختوم والختم المحمدي المعلوم شيخنا وسيدنا ووسيلتنا إلى ربنا الشيخ أحمد بن محمد الشريف الحسني التجاني رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به بحر لنجاة كل من تعلق به بأي وجه من وجوه التعلقات كما سيأتي في الفصل الثامن والثلاثين إن شاء الله تعالى ، كما أنه سفينة لنجاة من يغرق في بحر الهلاك ، وإياك أن تهلك في بحر النجاة أو في سفينة النجاة من بحر الهلاك إن لم تربح بهما والسلام. قلت : وبما قررنا يظهر أنه ما بقي إلا منع فضل الله تعالى والإنكار لوجود العناد ، والمنكر عنادا لا يعتبر لأنه لا يقبل ما ظهر ولا تضبط دعواه ولا يصحبه اعتدال في أمره . قال الشيخ أحمد في تأسيس القواعد : إنكار المنكر إما أن يستند لاجتهاد ولحسم ذريعة أو لعدم التحقيق أو لضعف الفهم أو لقصور العلم أو لجهل المناط أو البساط أو الانبهام لوجود العناد ، فعلامة الكل الرجوع للحق عند تعينه إلا الأخير فإنه لا يقبل ما ظهر ولا تضبط دعواه ولا يصحبه اعتدال في أمره اهـ . فإن قلت : ماذا يكون جوابك في قول الشيخ عبد القادر الجيلاني رضي الله تعالى عنه : قدمي هذه على رقبة كل ولي لله . قلت : جوابي ما قاله الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : يعني أهل عصره . فإن قلت : من وافق شيخكم في ذلك . قلت : وافقه الشيخ عبد القادر بنفسه رضي الله تعالى عنه . وفي كتابه ذكر مناقبه وكان يقول رضي الله تعالى عنه : أنا بحر لا ساحل له ، أنا دليل الوقت اهـ . ووافقه كثير من الأئمة الأعلام ، قال ابن باديس رضي الله تعالى عنه في سينيته المسماة بالنفحات القدسية :
وبالجيلي فابدأ فذلك قطبهم *** ومنه استمدوا في الإضافة والقبس
ثم تمادى على مدحه رضي الله تعالى عنه إلى أن قال :
فأضحى أمير الأولياء بعصره *** له الحكم والتصريف في المنح والحبس
قال شارحه المعروف بأحمد بن محمد المعروف بابن الحاج : أشار في هذا البيت إلى أن هذا الشيخ صار في وقته إمام الأولياء يقتدون به وسيدهم يرجعون إليه في ما يحتاجون إليه من الأمور ، وأن الله تعالى ولاه عليهم وحكمه فيهم وصرفه في شؤونهم اهـ . وفي الكتاب السابق سئل الشيخ عقيل المنبجي رضي الله تعالى عنه يوما : من القطب في ذلك الوقت ؟ فقال : هو في وقتنا هذا بمكة مخفي لا يعرفه إلا الأولياء وسيظهر هنا ـ وأشار إلى العراق ـ فتى أعجمي شريف يتكلم على الناس ببغداد يعرف كراماته الخاص والعام وهو قطب وقته يقول : قدمي هذا على رقبة كل ولي لله تعالى أهـ . وفيه : وكان الشيخ أبو البركات بن صخر الأموي رضي الله تعالى عنه يقول : أخذ الشيخ عبد القادر العهد على كل ولي في زمانه ألا يتصرف في حالة باطن ولا ظاهر إلا بإذنه أهـ . وفي حياة الحيوان للشيخ الدميمري عند ترجمة الذباب : فعليك بالاعتقاد وترك الانتقاد على المشايخ العارفين والعلماء العاملين والمؤمنين الصالحين فإن حرابهم مسمومة فكل من تعرض لهم لم يسلم فسلم تسلم ولا تنتقد فتندم ، واقتد بإمام العارفين ورأس الصديقين وعلامة العارفين في وقته الشيخ محيي الدين عبد القادر الجيلاني رضي الله عنه . وقال الشيخ أحمد زروق في تأسيس القواعد : إثبات الحكم للذات ليس كإثباته بعوارض الصفات فقوله عليه الصلاة والسلام :" سلمان منا أهل البيت" لاتصافه بمجامع النسب الدينية حتى لو كان الإيمان منوطا بالثريا لأدركه . وقد قيل في قوله عليه الصلاة والسلام :" الأقربون أولى بالمعروف" يعني إلى الله تعالى إذ لا توارث بين ملتين فلمعتبر أهل النسب الديني وفرعه مجد دائم إن انضاف إلى الطيني كان له مؤكدا فلا نلحق رتبة صاحبه بحال وبذا أجيب عن قول الشيخ أبي محمد عبد القادر رحمه الله تعالى : قدمي هذه على رقبة كل ولي لله في زمانه لأنه جمع من علوي النسب وشرف العبادة والعلم ما لم يكن لغيره من أهل وقته أهـ . قلت : قد أخبرني بعض من لقي الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به أنه رجع يوما من المسجد يوم الجمعة إلى بيته فلما بلغ باب بيته جلس وحوله جماعات فقال : الحمد لله الذي بلغني في هذا الوقت مرتبة الشيخ عبد القادر الجيلاني وزادني على ما أعطاه أربعين مقاما . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضه وعنا به : أعطاني الله في السبع المثاني ما لم يعطه إلا للأنبياء . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : إن الله أعطاني ما لم يعطه لأحد من الشيوخ أبدا فضلا منه وجودا بلا استحقاق شيء عليه بل في سابق علمه قضى بذلك فلله الحمد ومزيد الشكر . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به أعطاني الله تعالى الشفاعة في أهل عصري من حين ولادتي إلى حين مماتي . وعن تلميذه الأكبر وخادمه الأشهر العارف الأطهر أبي الحسن سيدي الحاج علي حرازم بالراده جامع جواهر المعاني : إن الله أعطى للشيخ الشفاعة في أهل عصره من حين ولادته إلى حين مماته وزيادة عشرين سنة بعد وفاته . قلت : وقد أخبرني سيدي محمد الغالي أن الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به توفي عام يشكر 1230 من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأتم السلام وعلى هذا فكل مؤمن له اليوم وهو عام ألف ومائتين وإحدى وستين من الهجرة النبوية على صاحبها أفضل الصلاة وأزكى السلام أكثر من إحدى عشرة سنة فهو داخل في هذه الشفاعة الأحمدية التجانية قطعا هنيئا ثم هنيئا لهذه الأمة المحمدية وويل ثم ويل لمن حرم من هذا الخير العظيم الذي ينال من غير عمل ولا كلفة ولا مشقة لأجل الإنكار والانتقاد وإذاية أهل طريقته أحينا الله على محبته وأماتنا عليها وحشرنا في زمرته بجاهه عند ربه وجاه جده خير الأنام وسر خليقة الملك العلام . وقال رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : كل الطرق تدخل في طريقة الشاذلي رضي الله تعالى عنه إلا طريقتنا هذه المحمدية الإبراهيمية الحنيفية فإنها مستقلة بنفسها فلا ينبغي التفرد بها لأنه أعطاها لنا منه إلينا وقال : لا يصلك شيء إلا على يدي وهو الذي ربانا وأوصلنا حتى بلغنا المنى صلى الله عليه وسلم حمدا وشكرا لله تعالى . وقال رضي الله عنه : كل الطرق تدخل عليها طريقتنا فتبطل وطابعنا يركب على كل طابع ولا يحمل طابعنا غيره . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه عنا به من ترك وردا من أوراد الشيخ لأجل الدخول في طريقتنا هذه المحمدية التي شرفها الله على جميع الطرق أمنه الله تعالى في الدنيا والآخرة فلا يخاف من شيء يصيبه لا من الله عز وجل ولا من رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا من شيخه أين كان من الأحياء أو من الأموات ، وأما من دخل زمرتنا وتأخر عنها ودخل غيرها تحل به المصائب دنيا وأخرى ولا يعود أبدا . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : إن جميع الأولياء يدخلون زمرتنا ويأخذون أورادنا ويتمسكون بطريقتنا من أول الوجود إلى يوم القيامة حتى الإمام المهدي رضي الله تعالى عنه إذا قام آخر الزمان يأخذ عنا ويدخل زمرتنا بعد مماتنا وانتقالنا إلى دار البقاء . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : لو بحت بما علمنيه الله تعالى لأجمع أهل العرفان على قتلي . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به يتحدث لأصحابه بما أنعم الله تعالى عليه وتفضل : بعد البسملة والحمدلة والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم يليه إعلامكم أن فضل الله لا حد له وأن الفضل بيد الله يوتيه من يشاء وأقول لكم أن مقامي عند الله تعالى في الآخرة لا يصله أحد من الأولياء ولا يقاربه من كبر شأنه ولا من صغر وأن جميع الأولياء من عصر الصحابة إلى النفخ في الصور ليس فيهم من يصل مقامنا ولا يقاربه لبعد مرامه عن جميع العقول وصعوبة مسلكه على أكابر الفحول ولم أقل لكم ذلك حتى سمعته منه صلى الله عليه وسلم تحقيقا . وليس لأحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بغير حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلا أنا وحدي ووراء ذلاك مما ذكر لي فيهم وضمنه صلى الله عليه وسلم أمرا لا يحل لي ذكره ولا يرى ولا يعرف إلا في الآخرة . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه أن سيد الوجود صلى الله عليه وسلم ضمن لنا أن من سبنا وداوم على ذلك ولم يتب لا يموت إلا كافرا وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : سمعت في الحضرة أنه لا يصل إلي أحد بسوء أبدا وكذا بقي في عصمته وصيانة ربه حتى لقي الله تعالى . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بقوله عليه الصلاة والسلام : بعزة ربي يوم الإثنين ويوم الجمعة لم أفارقك فيهما من الفجر إلى الغروب ومعي سبعة أملاك وكل من رآك في اليومين تكتب الملائكة اسمه في ورقة من ذهب ويكتبونه من أهل الجنة . وقد أخبرني بعض من لقيه رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به أنه ما تنزل إلى إفادة الخلق بعدما أخبره صلى الله عليه وسلم بذلك إلا بعد قوله للنبي صلى الله عليه وسلم : إن كنت بابا لنجاة كل عاص مسرف على نفسه تعلق بي فنعم وإلا فأي فضل لي فقال له صلى الله عليه وسلم : أنت باب لنجاة كل عاص تعلق بك وحينئذ طابت نفسه لذلك أهـ . قلت : ومن أهم ما ينبغي ذكره ليتنبه له كل موفق الدائرة العظيمة التي أوقع الله تعالى فيها هذا الشيخ العظيم وأهل طريقته وحزبه الصميم ويتبين لكل ناظر في هذا المحل أنه لا ينكر فضله رضي الله تعالى عنه وعلى جميع الأولياء وفضل أهل طريقته على غيره من أهل سائر الطرق ولا يستغربه إلا من غفل عن هذه الدائرة العظيمة وجهل أنها هي دائرة طريقه وفيها يسبح أهلها وكان مسجونا في سجن عقله جاهلا بسعة فضل ربه وكونه مختارا فيفضل من يشاء ويعطي من يشاء لا يسأل عما يفعل فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : اعلم أن لله سبحانه وتعالى دائرة تسمى الدائر ة الفضلية وتلك الدائرة مكنوزة من وراء خطوط الدوائر التي هي دوائر الأمر والنهي والجزاء خيرا أو شرا والاعتبارات واللوازم والمقتضيات فإن هذه الدائر هي دوائر عموم الخلق وتلك الدائرة الفضلية هي دائر اختصاصه واصطفائه سبحانه وتعالى فيضعها لمن يشاء من خلقه وهذه الدوائر جعلنا سبحانه وتعالى عنده فيضها فائض من بحر الجود الكرم لا يتوقف فيضها على وجود سبب ولا شرط ولا زوال مانع بل الأمر فيها واقع على اختصاص مشيأته فقط ولا يبالي بمن كان فيها وفي العهود أم لا أنتهج الصراط المستقيم أم سقط في المعاصي في الطريق الوخيم ولا يبالي فيها لمن أعطى ولا على ما إذا أعطى ومن وقع في هذه الدائرة من خلق الله كملت له السعادة في الآخرة بلا شوب ألم ولا ترويع وفيها أوقع الله تعالى هذا الشيخ الأحمدي المحمدي الإبراهيمي وجعلها سبحانه وتعالى دائر أهل طريقته وأوقعهم فيها فضلا منه سبحانه وتعالى وجودا وكرما لشدة عنايته بهذا الشيخ العظيم الذي جمع له بين مقام المحبة والخلة الناشئتين من هذه الدائرة التي بها اتخذ الله تعالى نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم حبيبا وسيدنا إبراهيم عليه السلام خليلا لوراثته إياهما من هذين النبيين ولذلك كانت طريقته رضي الله تعالى عنه طريقة المحبة والشكر . قال تعالى : { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم } وقال صلى الله عليه وسلم لمن قال له : أتفعل هذا وقد غفر الله لك ما تقدم من ذنبك وما تأخر " أفلا أكون عبدا شكورا" أو كما قال صلى الله عليه وسلم ، وكانت أسهل الطرق على الإطلاق وكان أهلها محبوبين مقبولين على أية حالة كانوا ما لم يلبسوا حلة الأمان من مكر الله ومن بحرها سخر الله تعالى له جده سيده ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى أحبه محبة لا تعرف ولا تكيف ومن بحرها جعله الله تعالى القطب المكتوب والبرزخ المختوم الخاتم المحمدي المعلوم ومركزا يتفجر منه في جميع الأغواث الفيوض والعلوم سيبين ذلك في المحشر تصديقا بالنبي المعصوم إذا نادى مناديه بالمحشر : هذا إمامكم الذي كان مددكم منه ومن بحرها تفضل عليه مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بكيفيات منه ما تفضل به على غيره ومن بحرها تفضل عليه مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بدائر الإحاطة التي هي خاصة به صلى الله عليه وسلم وبمقامه ومن بحرها تفضل عليه مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالكنز المطلسم الذي هو خاص به صلى الله عليه وسلم وبمقامه ومن بحرها تفضل عليه ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بالخريدة الفريدة التي هي خاصة به صلى الله عليه وسلم ومن بحرها تفضل عليه ومولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم بإطلاقه رضي الله تعالى عنه في إعطاء جميع أوراده من الاسم الأعظم الكبير وما دونه لمن شاء ومعها ممن شاء وكذا جميع من قدمه الشيخ رضي الله تعالى عنه في إعطائها ومن قدمه من قدمه هكذا الأمر إلى أن يرث الله تعالى الأرض ومن عليها وكان يقول رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : هذا عطاؤنا فامنن أو امسك بغير حساب ومن هنا يعلم كل من له أدنى علم ومعرفة أن أهل طريقة الختم المحمدي أفضل من غيرهم لوجهين أحدهما أنه لما كان إمام أهلها رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به وبرزخ البرازخ وشيخ المشايخ المأخوذ منه جميع الطرق المتقدمة كان أهل طريقته الخاصة به أفضل من غيرهم وراثة أحمدية محمدية وثانيهما أنه لما كان دائرة الإحاطة الذي هو سره هو الساري في جميع أسماء الله تعالى الظاهرة والباطنة والاسم الذي لا يلقنه إلا القطب و الكنز المطلسم الذي ما أنزل في القرآن ولا في جميع الكتب الإلهية مثله والخريدة الفريدة ليس فوقها إلا الاسم الأعظم الكبير وكل ما سواه فهو دونها كنوز مطلسمات فيها من العلوم والأسرار الذخائر ما ليس في غيرها من جميع الأذكار ونال هذا الخاتم من أسرارها وعلومها وخباياها ما لم ينله غيره من أكابر الأغواث وكذا كان مأذونا من جده رسول الله صلى الله عليه وسلم في إعطاء جميع ما ذكر وهو رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به تفضل بتلك الأسرار والأذكار وأسرارها وعلومها وخباياها وظاهرها وباطنها ومفشوها ومكتومها على أهل طريقته لكل منهم ما يناسب حاله ومقامه وقابليته واستعداده كان أهل طريقته أفضل من غيرهم بلا ريب وسيأتي في فصل فضائل المتعلقين به الذي هو الثامن والثلاثون من هذا الكتاب طرف من هذا المعنى وقد أودعها في فصل سبب تسمية طريقتنا هذه الطريقة الأحمدية المحمدية الإبراهيمية الحنيفية التجانية ما ينبه بهذا المعنى على فضل أهلها على غيرهم بعضه على طريق التصريح وبعضه على طريق الإشارة والرمز كقوله : فلنذكر هنا بعض ألفاظ أذكار هذه الطريقة للإشارة إلى أنها بلغت الغاية القصوى في الفضل وأن مرتبة أهلها لا يبلغها غيرهم بحال ما وأنها أحمدية على التحقيق فنقول : اللهم صل على سيدنا محمد إلى قوله : حتى لحظة سكوني وهذا في غير الأذكار اللازمة للطريقة فإنها لا تمنع ممن قبل شروطها على أي حالة كانت كما تقدم ، وفي هذه الدائرة الفضلية قال مولانا جل وعلا : {ما يود الذين كفروا من اهل الكتاب ولا المشركين أن ينزل عليكم من خير من ربكم والله يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} وقال : {قل ان الفضل بيد الله يوتيه من يشاء والله واسع عليم يختص برحمته من يشاء والله ذو الفضل العظيم} وقال : {يستبشرون بنعمة من الله وفضل} وقال : {وكان فضل الله عليك عظيما} وقال : {أم يحسدون الناس على ما آتاهم الله من فضله} وقال : {واسألوا الله من فضله} وقال : {ومن يطع الله والرسول فأولئك مع الذين أنعم الله عليهم من النبيئين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله} وقال : {فسوف ياتي الله بقوم يحبهم ويحبونه} إلى قوله : {ذلك فضل الله يوتيه من يشاء} وقال : {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لكنتم من الخاسرين} {ولولا فضل الله عليكم ورحمته لاتبعتم الشيطان إلا قليلا} وقال : {يا أيها الناس قد جاءكم برهان من ربكم وأنزلنا إليكم نورا مبينا فأما الذين آمنوا بالله واعتصموا به فسيدخلهم في رحمة منه وفضل} وقال حكاية عن سيدنا يوسف عليه السلام : {ذلك من فضل الله علينا وعلى الناس ولكن أكثر الناس لا يشكرون} وقال : {ولولا فضل الله عليكم ورحمته ما زكا منكم من احد ابدا} وقال : {ولولا فضل الله عليكم ورحمته في الدنيا والاخرة لمسكم فيما أفضتم فيه عذاب عظيم} وقال : {إن فضله كان عليك كبيرا} وقال : {قل فبفضل الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا هو مما يجمعون} وقال : {إن الذين يتلون كتاب الله وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سرا وعلانية يرجون تجارة لن تبور ليوفيهم أجورهم ويزيدهم من فضله} وقال : {وقالوا الحمد لله الذي أذهب عنا الحزن إن ربنا لغفور شكور الذي أحلنا دار المقامة من فضله} وقال : {لئلا يعلم أهل الكتاب ألا يقدرون على شيء من فضل الله وأن الفضل بيد الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} وقال : {وآخرين منهم لما يلحقوا بهم وهو العزيز الحكيم ذلك فضل الله يوتيه من يشاء والله ذو الفضل العظيم} . وروى البخاري عن ابن عمر قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو قائم على المنبر يقول : إنما بقاؤكم فيمن سلف قبلكم من الأمم كما بين صلاة العصر إلى غروب الشمس أعطي أهل التوراة التوراة فعملوا بها حتى تنصف النهار ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أعطي أهل الإنجيل الإنجيل فعملوا به حتى صلاة العصر ثم عجزوا فأعطوا قيراطا قيراطا ، ثم أعطيتم القرآن فعملتم به حتى غربت الشمس فأعطيتم قيراطين قيراطين ، قال أهل التوراة والإنجيل : ربنا هؤلاء أقل عملا وأكثر أجرا ، قال : هل ظلمتم من أجركم شيئا ؟ قالوا : لا ، قال : فذلك فضلي أؤتيه من أشاء وفي رواية : فغضبت اليهود والنصارى وقالوا : ربنا ، الحديث . والأحاديث الدالة على هذه الدائرة كثير جدا وإنما نبهنا على هذه الدائرة مع أننا قد أودعنا في الفصول المتقدمة ما ينفر كل من له أدنى عقل وبصيرة من الإنكار لكون غرضنا في هذا الكتاب سد باب الإنكار على السادات الأخيار . قال تعالى : {إن في ذلك لذكرى لمن كان له قلب او القى السمع وهو شهيد} والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب .
<< الفصل السابق
الفصل التالي >>