نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الخامس والثلاثون
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الثاني > الفصـل الفصل الخامس والثلاثون

في ذكر آداب الذكر وما يراد منه
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : اعلم أن للذكر آدابا لابد من مراعاتها ، ثم اعلم أن المراد من الذكر تحقيق الأنس بالله تعالى والوحشة من الخلق ، وآدابه اثنان وعشرون : خمسة منها سابقة على التلفظ بالذكر أولها النوبة وحقيقتها ترك ما لا يعنيه قولا وفعلا وإرادة ، والثاني أن يكون على طهارة كاملة من حدث وخبث ، والثالث السكوت والسكون ، والرابع أن يستمد بقلبه عند شروعه في الذكر همة شيخه ويستحضره ويلاحظه ليكون رفيقه في السير إلى الله تعالى وهذا من أهم الآداب ، ولو نادى شيخه بلسانه بالاستغاثة عند الاحتياج جاز ، قال الشيخ جبريل الخرماباذي قدس الله سره العزيز : فإذا ابتدأ بالذكر يحضر صورة شيخه في قلبه ويستمد منه إذ قلب شيخه يحاذي قلب شيخ الشيخ إلى الحضرة النبوية ، وقلب النبي صلى الله عليه وسلم دائم التوجه إلى الحضرة الإلهية ، فالذاكر إذا تصور شيخه واستمد من ولايته تفيض الامدادات من الحضرة الإلهية على قلب سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم ثم تفيض من قلب سيد المرسلين صلى الله عليه وسلم على قلوب المشائخ على الترتيب حتى ينتهي إلى شيخه ، ومن قلب شيخه إلى قلبه فيقوى على استعمال الآلة أي الذكر إذ هو في البداية على مثال الطفل ليس له قوة استعمال الآلة على الوجه الذي يورث ويقع محصلا للغرض وإن كان بيده سيف الله وهو الذكر ، قال صلى الله عليه وسلم : " الذكر سيف الله" ولكن أين للسيف ضرب إلا بقوة مستفادة من حضرة نبي السيف فإذا استمد من شيخه جاءه المدد ليقوله تعالى : { وإن استنصروكم في الدين فعليكم النصر} ، الخامس أن يرى استمداده من شيخه هو استمداده من النبي صلى الله عليه وسلم لأنه نائبه ، واثنا عشر منها في حال الذكر أولها الجلوس على مكان طاهر متربعا أو كجلوسه في صلاة مستقبل القبلة إن كان وحده وإن كانوا جماعة فيتحلقون ، وفرق بعض المتأخرين بين المبتدي والمنتهي فقال : إن المبتدي يكون جلوسه كجلوسه في الصلاة والمنتهي يكون متربعا ، الثاني أن يضع راحتيه على فخذيه ، والثالث تطييب مجلس الذكر والبدن والفم وبعد الرائحة الكريهة لأن مجالس الذكر لا تخلو عن الملائكة وعن مؤمني الجن ، والروحانيون لا يقبلون الرائحة الكريهة فبانقطاعهم عن مجلس الذكر ينقطع المدد كما هو مشاهد بالذوق ، والرابع ليس اللباس الطيب حلا ورائحة ، والخامس أن يكون المكان مظلما حتى أن لو كان هناك سراج أطفأه إن كانوا في خاصة أنفسهم وهذا إن أمكن المكان المظلم ، والسادس تغميض العينين لأنه أسرع في تنوير قلبه ، فبتغميض عينيه ينسد عليه طرق الحواس الظاهرة ، وانسداد الحواس الظاهرة سبب لفتح حواس القلب ، والسابع أن يخيل خيال شيخه بين عينيه وهذا آكد الآداب ، والثامن الصدق وهو استواء السر والعلانية ، والتاسع الإخلاص وهو تصفية العمل من كل شوب بأن يفرغ قلبه عما سوى الله تعالى حتى لا يطلب دنيا ولا أخرى ولا ثوابا ولا ترقيا وإنما يذكر الله تعالى حبا في الله كما قال : أحبك لا لي بل لأنك أهله *** ومالي في شيء سواك مطامع وبالصدق والإخلاص يصل الذاكر إلى درجة الصديقية وهي أن يظهر جميع ما يخطر بقلبه من حسن وقبيح لشيخه ، وإن لم يظهره كان خائنا والله لا يحب الخائنين ، والعاشر أن يذكر بهمة تامة ويميل برأسه إلى الجهة اليمنى بلا ويرجع باله إلى جهة يساره وبلا الله إلى جهة القلب وهي اليسار تحت الثدي الأيسر ويقتطفها من سرته إلى قلبه حتى تنزل الجلالة على القلب فتحرق سائر الخواطر الرديئة ويخفف ويمد الألف مدا طبيعيا أو أكثر ويفتح الهاء من إله ويسكن الهاء من الله ، قال الشيخ يوسف العجمي رحمه الله تعالى : قد اعترض بعض الفضلاء على الذكر بالجهد مستدلا بقوله تعالى : {واذكر ربك في نفسك تضرعا وخيفة} وقوله صلى الله عليه وسلم : " خير الذكر ما خفي " وأجاب الشيخ يوسف المذكور فقال : إن الله تعالى خاطب عباده بمثل قوله { أفلا ينظرون إلى الابل كيف خلقت } وخاطب الخاصة بقوله { أفلا يتدبرون القرآن } وخاطب سيد أهل الحضرة محمدا صلى الله عليه وسلم بعد أن عرفه بنفسه وبربه بقوله { واذكر ربك في نفسك } فمن لا يعرف نفسه ولا ربه فكيف يذكر ربه في نفسه بل هم المخاطبون بقوله تعالى { واذكروا الله ذكرا كثيرا } وأما الذكر الخفي فهو ما خفي عن عن الحفظة لا ما يخفض به الصوت وهو أيضا خاص به وبمن له إسوة وعن جابر بن عبد الله رضي الله تعالى عنه أن رجلا كان يرفع صوته بالذكر فقال رجل : لو أن هذا خفض صوته فقال النبي صلى الله عليه وسلم دعه فإنه أواه والأواه الرقيق القلب [ وروى ] أن الناس كانوا يذكرون الله تعالى عند غروب الشمس يرفعون أصواتهم بالذكر فإذا خفيت أرجل إليهم عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أن قووا الذكر أي ارفعوا أصواتكم قال الشيخ يوسف المذكور والجمع بين الآية والحديث السابقين اللذين استدل بهما وبين الحديث والاثران الذاكرين إذا كانوا مجتمعين على الذكر فالأولى في حقهم رفع الصوت بالذكر بالقوة وأما إذا كان الذاكر وحده فإن كان من الخواص فالأولى في حقه الإخفاء وإن كان من العوام فالأولى في حقه رفع الصوت . والحادي عشر إحضار معنى الذكر بقلبه مع كل مرة ويصغي حال الذكر بقلبه مع كل مستحضرا للمعنى حتى كان قلبه هو الذاكر وهو يسمعه . والثاني عشر نفي كل موجود من القلب سوى الله تعالى بلا إله إلا الله ليتمكن تأثير لا إله إلا الله بالقلب ويسري إلى الأعضاء . وخمسة بعد الفراغ من الذكر ، الأول أنه إذا ختم سكت وسكن واستحضر الذكر لإجرائه على قلبه مترقبا لوارد الذكر فلعله يرد عليه وارد في لمحة ويغمره وجوده في لحظة ما لا تغمره المجاهدة والرياضة في ثلاثين سنة ، وهذا الوارد إما وارد زهد أو ورع أو تحمل أذى أو سخاء أو كشف أو محبة أو غير ذلك ، فإذا سكت وسكن وكتم نفسه مرارا دار الوارد في جميع عوالمه فيجب عليه التمهل حتى يتمكن وإلا ذهب ، والثاني مراقبة الله تعالى حتى كأنه بين يديه ، والثالث أن يجمع حواسه بحيث لا تتحرك منه شعرة كحال الهرة عند اصطياد الفأر ، والرابع يزم نفسه مرارا حتى يدور الوارد في جميع عوالمه لأنه أسرع لتنوير البصيرة وكشف الحجب وقطع خواطر النفس والشياطين لأنه إذا زم نفسه وعطل حواسه وصار يشبه الميت والشيطان لا يقصد الميت ، والخامس عدم شرب الماء إثر الذكر ولا في أثنائه لأن للذكر حرارة تجلب الأنوار والتجليات والواردات والشوق والتهييج إلى المذكور وشرب الماء يطفئ تلك الحرارة وأقل ذلك أن يصبر نحو نصف ساعة فلكية ، وكلما كثر كان أحسن ، حتى أن الصادق لا يكاد يشرب إلا عن ضرورة قوية اهـ ملخصا من الوصايا القدسية وتحفة الإخوان والخلان والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب .





الفصل التالي >>