نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الثاني والخمسون
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الثاني > الفصـل الثاني والخمسون

في ذكر الأسباب الموجبة لانقطاع العبد عن ربه عز وجل الطارئة على هذه الأمة المحمدية من غير شعور لأكثرهم وهي منحصرة في ثلاثمائة وستة وستين سببا كلها موجبة لانقطاع العبد عن ربه عز وجل
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : قال في الإبريز : وسألته رضي الله تعالى عنه : لم كان الناس يستغيثون بذكر الصالحين دون الله عز وجل فترى الواحد إذا جهر في يمينه يقول : وحق سيدي فلان كحق سيدي عبد القادر الجيلاني أو سيدي أبي يعزى أو سيدي أبي العباس السبتي وغيرهم وإذا أراد أن يخاف أحد ويؤكد عليه في يمينه يقول له : احلف لي بسيدي فلان ، وإذا أصابه ضرر أراد أن يسأل كالسعادة الذين يتكففون للناس صرح باسم سيدي فلان وهم في ذلك كله منقطعون عن الله عز وجل وإذا قيل لهم توسلوا بالله تعالى أو احلفوا به أو نحو ذلك لا يقع ذلك الكلام منهم موقعا فما السبب في ذلك ؟ فقال رضي الله تعالى عنه : أهل الديوان من أولياء الله تعالى فعلوا ذلك عمدا لقوة الظلام في الذوات وكثرة المنقطعين عن الله عز وجل فصارت ذواتهم خبيثة وأولياء الله تعالى يحبون الذين يذكرون سيدهم وخالقهم سبحانه أن تكون ذواتهم طاهرة لأنه تعالى يجيب من دعاء إذا انقطع إليه باطنا وقت الدعاء وإجابته تكون بأحد أمرين : إما أن يعطيه ما سأل وإما أن تبين له سر القدر في المنع إذا منعه وهذا لا يكون إلا للأولياء ولا يكون للبعداء المحجوبين فلو توجهت الذات الظلمانية إليه تعالى بجميع عروقها وبكل جواهرها وسألته أمرا ومنعها ولم يطلعها على سر القدر في المنع لربما وقع لها وسواس في وجود الحق سبحانه فتقع في ما هو أدهى وأمر من عدم قضاء حاجتها فكان من المصلحة ما فعله أهل الديوان من ربط عقول الناس بعباد الله تعالى الصالحين لأنه إذا وقع لهم وسواس في كونهم أولياء فإن ذلك لا يضرهم قال رضي الله تعالى عنه : ومما يدلك على كثرة المنقطعين وزيادة الظلام في ديوانهم أنك ترى الواحد يخرج من داره بعشرين موزونة مثلا ويذهب بها إلى ضريح ولي من أولياء الله تعالى فيطرحها عنده ليقضي له حاجته وكم من فقير محتاج يلقاه في الطريق ويطلب له متاع الله تعالى في سبيل الله تعالى لوجه الله تعالى فلا يعطيه درهما واحدا حتى يبلغ للولي فيطرحها عند رأسه وهذا من أقبح ما يكون وسببه أن الصدقة لم تخرج لله عز وجل وعظمته وكبريائه ووجهه الكريم العظيم إذ لو خرجت لذلك لدفعها صاحبها لكل محتاج لقيه لكن لما كان الحامل عليها والداعي إلى إخراجها هو قصد النفع لنفسه واستكمال أغراضه وحظوظه خص بها موضعا دون موضع لظنه أن النفع يتبع ذلك الموضع وجودا وعدما قال رضي الله تعالى عنه : وقد رأيت في هذا اليوم ما أهدى للصالحين من باب تلمسان إلى الساقية الحمراء فإذا هو من الدنانير ثمانون دينارا ومن الغنم ثلاثمائة وستون شاة ومن البقر اثنان وسبعون ثورا أخرج هذا كله في يوم واحد للصالحين وما أخرج لله تعالى في ذلك اليوم عشرة دراهم قال رضي الله تعالى عنه : وهذا سبب من الأسباب للانقطاع عن الله عز وجل الطارئة على هذه الأمة من غير شعور لأكثرهم بها وهي منحصرة في ثلاثمائة وستة وستين سببا كلها موجبة لانقطاع العبد عن ربه عز وجل ، قال : فقلت : وهل حضركم الآن منها شيء ؟ فقال رضي الله تعالى عنه : اكتب : الأول الإهداء للصالحين على الوجه السابق دون وجه الله عز وجل ، الثاني التوسل إلى الصالحين بالله عز وجل قال : ليقضوا الحاجة فيقول الزائر : قدمت لك وجه الله يا سيدي فلان إلا ما قضيت لي حاجتي وإنما كان سببا للانقطاع لأن الزائر قلب الواجب وعكس القضية فإنه كان من حقه أن يتوسل لله عز وجل بأوليائه لا أن يعكس ، الثالث زيارة الصالحين وعلى الزائر دين فرض كعدد صلوات وجب قضاؤها عليه فترك قضائها الذي هو حق لله تعالى وفيه نور الله تعالى وسره الذي يرحمه به وذهب إلى زيارة صالح ولا يخفى ما فيه من الانقطاع والظلم ، الرابع الخوف من الظالم على العمر والرزق وغيرهما فيقول لنفسه : لا أعصي هذا الظالم لأني إن عصيته قتلني أو منع رزقي أو غير ذلك مما يوجب الخوف منه ولو تحقق بوجود الحق تعالى معه وتصرفه فيه وفي ذلك الظالم لعلم أنه هو الفاعل وحده لا يشاركه ذلك الظالم ولا غيره في فعل من الأفعال وحينئذ فلا يخاف إلا منه تعالى وبقدر ما يقوى هذا النظر في البعد يقوى قربه من ربه تعالى وبقدر ما يقل أو ينعدم يكون بعده من الله عز وجل وانقطاعه ، الخامس الطمع في الظالم فيتقرب إليه لينال منه رزقا ولو تحقق بأن الله سبحانه هو الرزاق لم يصدر منه ذلك ، السادس النصيحة للكافرين فيلهمهم مصالحهم في دنياهم بأن يري لهم طريقا من نحوه فإنه من أسباب الانقطاع عن الله عز وجل . قال : قلت : وما رأينا من نصح ظالما إلا وكانت عاقبة أمره خسرا ونذكر هاهنا قصة سفيان الثوري رضي الله عنه مع الذي أراد أن يوقظه سببا للصلاة فقال له سفيان : لا توقظه دعه هذه الساعة نسترح منه ومن شره فيها ، السابع عدم النصيحة للمسلمين فيرى ما يضرهم ولا يأمرهم بالتحرز منه ويرى ما ينفعهم ولا يأمرهم بالتأهب له ، الثامن استحلاء التعب والمشقة في طلب الدنيا على عبادة الله عز وجل فمن أحس بذلك من نفسه فليعلم أنه مرتكب سببا من أسباب الانقطاع ، التاسع طلب الدنيا بما هو أهون منها وأذل وأحقر وقد كان السلف الصالح رضي الله عنهم يطلبونها بما هو أعلى منها وأعز كالجهاد والتجارة والزراعة وغير ذلك من أسباب الحلال وأما من طلب الدنيا بالكذب والفجور والأيمان الحانثة فقد طلبها بمعاص هي أخس منها أي من الدنيا فمن أحس بذلك من نفسه فليتب إلى الله عز وجل فإن الدنيا لا تدرك إلا بما هو أعز منها ، العاشر أن تكون أعمال العبد وطاعاته بقصد أن يرحمه الله بها وبقصد نفع نفسه وتحصيل أغراضه وحظوظه لا بقصد وجه الله الكريم وجوده العظيم وهذا سبب قد عم أكثر أهل الزمان إلا من رحمه الله عز وجل جعلنا الله تعالى منهم بمنه وفضله . قال رضي الله عنه : ولو لم يخلق الله جنة ولا نارا لتبين من يعبده ممن لا يعبده ولكانت عبادة الذي يعبده خالصة لوجهه الكريم وحينئذ تحصل المعرفة بالله تعالى على وجهها الكامل لمن عبده ولكن الناس لما سمعوا بذكر الجنة والنار تفرقت أعراضهم نحوهما فضلوا على السبيل ، الحادي عشر المعاصي في حرمات الله تعالى كالمساجد ونحوها فإن العبد لو تحقق بإضافة البيت إلى ربه وقال في قلبه : هذا بيت الله تعالى لم تصدر منه فيه معصية ، الثاني عشر اللواط وستأتي إن شاء الله تعالى مفسدته قلت : وهو قوله : وسمعته رضي الله عنه يقول : إنما حرم الله اللواط لأنه يسقط مع نطفة الرجل عدد من الملائكة فإذا وقعت النطفة في الدبر الذي هو ليس محلا للحراثة ماتوا جميعا ومرة قال : إنهم بمنزلة فرخ الحمام إذا سقط على صخرة من عش عال أترى يبقى فيه شيء ؟ قال : وأما إذا وقعت النطفة في الفرج الذي هو محل الحراثة فإنه يبقى مع تلك النطفة العدد إن من الملائكة عدد ملائكة نطفة الأب وعدد ملائكة نطفة الأم ومجموع ذلك ثلاثمائة وستة وستون ملكا أنصافا بينهما إلا أن الرجل يزيد بعشرة لأن ملائكته أكثر لسر في أصالة آدم لحواء قال : فإذا قضى الله تعالى بالتكوين فإن النطفة تصير علقة ثم مضغة ثم ما بقي من الأطوار وكذا عدد الملائكة ينمو كل واحد منهم كما تنمو النطفة فإذا خرج الولد للدنيا خرج معه أولئك الملائكة وهم حفظة ذاته وكبيرهم الحافظ الذي على اليمين وكما أن الولد نشأ بين الأب والأم كذلك أولئك الملائكة نشأوا بين ملائكة ذات الأب وهم ثلاثمائة وستة وستون وبين ملائكة ذات الأم قال : وأما إذا قضى الله تعالى أنه لا يكون ولد من تلك النطفة فإن عدد الملائكة ينزلون معها إلى الرحم ويموتون ولا ضرر على العبد في ذلك لأنه لا كسب له في ذلك قال : وما شبهتهم حينئذ إلا بقطرات الزيت النازلة من فتيلة القنديل إذا كان مملوءا بالزيت أكثر من القدر المعتاد فتنزل مضيئة ولا تبلغ إلى الأرض حتى تنطفئ ، قال رضي الله تعالى عنه : ولهذا لا يجوز التسبب في إخراج المني من الرحم لأنا لا ندري هل أراد الله تعالى أن يكون من النطفة ولد أم لا فتسعى في هلاك عدد كثير من الملائكة ، وأما المفسدة التي حرم الزنا لأجلها فليست هي من جهة الملائكة وإنما هي من جهة قطع النسب وذلك أن الناس يوم القيامة لهم نفع عظيم بالأنساب ولا تقبل هناك دعوى نسب إلا بشهادة ولذلك أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالإشهاد في النكاح وإعلانه والجهر به والزنا لا يفعل ذلك إلا خفية لأنه لو جهر به لأقيم عليه الحد فهو ساع في قطع النسب واختلاطه ، الثالث عشر ضرب الرجل امرأته من غير ذنب فذلك الضرب سبب في الانقطاع لما لها عليه من الحقوق ، الرابع عشر المنة على العيال والأهل بالنفقة فيقول : أنفقت عليكم كذا وكذا بقصد المنة ، الخامس عشر الحسد وسيأتي إن شاء الله تعالى ما فيه من الفساد إن غالب المعاصي منه ، قلت : وهو قوله وسمعته رضي الله تعالى عنه يحكي عن بعض الصالحين أن سبب رسوخ التوبة في ذات العبد ومد أغصانها فيها وتمكن عروقها منها وبلوغها الغاية فيها هو محبة المؤمنين جميعا من غير فرق كما يبغض الكافرين جميعا من غير فرق ، قال : فإذا كانت هذه المحبة في العبد نزلت عليه التوبة من الله تعالى ولو كرهها وأراد دفعها فإنها تنزل لا محالة وسبب ذلك أن العبد لا يفرق في محبته للمؤمنين حتى يحب بعضا دون بعض إلا لدسيسة بغض في قلبه نشأت عن حسد أو كبر أو نحو ذلك فتكون طويته في ذلك خبيثة والتوبة النصوح لا تنزل إلا بأرض طيبة وطوية طاهرة فإذا أحب جميع المؤمنين فقد ارتفعت الدسائس كلها عن قلبه فتنزل التوبة عليه حينئذ ، ومرة قال : مثل هذا لا يحتاج إلى توبة وهذه المحبة العامة تكفيه في محو جميع الذنوب فإنها تذهب من القلب جميع الدسائس الموجبة للذنوب ، قال : ومن أعظم تلك الدسائس الحسد وهو لا يبقى قطعا مع هذه المحبة وإنما قلنا أن الحسد هو أعظم الدسائس لأن جميع المعاصي والدسائس إنما تتفرع عنه وهو السبب في جميعها فإنك لا تبغض أحدا لكونه أكثر منك مالا وولدا ونحو ذلك إلا لحسد منك له وكذا لا تتكبر عليه إذا كنت أكثر منه مالا وولدا وأعز نفرا إلا لكونك تريد أن تطرده عن بلوغ منزلتك بذلك الكبر الذي تتكبر به عليه وما ذاك إلا لكونك لا تحب تلك المنزلة له وذلك هو الحسد بنفسه وهكذا القول في رد جميع المعاصي إلى الحسد ثم قال : قلت للشيخ رضي الله عنه : فإذا أحب هذا الرجل جميع المؤمنين من غير فرق فإن الحب في الله تعالى والبغض في الله تعالى اللذان هما شعبة من شعب الإيمان فإن العاصي يستحق أن يبغض في الله تعالى فإذا أحببناه في الله تعالى خالفنا مقتضى عصيانه فقال رضي الله عنه : الذي يجب أن يتوجه البغض إليه في المعاصي هو أفعاله لا ذاته المؤمنة وقلبه الطاهر وإيمانه الدائم فالأمور التي توجب محبته لازمة والذنوب التي توجب بغضه عارضة طارئة فتكون محبته هي الساكنة في قلوبنا وبغضه يتوجه نحو الأمور العارضة حتى أنا نمثل ذنوبه بين أعيننا وفي أفكارنا بمنزلة أحجار مربوطة بثيابه خارجة عن ذاته فنحب ذاته ونبغض الأحجار المربوطة بثيابه وهذا القدر هو الذي أمرنا به الشارع في بغض العاصي من غير زيادة عليه وأكثر الناس لا يفرقون بين بغض الأفعال الخارجة عن الذات وبين بغض الذات فيريدون أن يبغضوا الأفعال فلا يعلمون كيف يبغضونها فيقعوا في بغض الذات وبغض الذات إنما أمرنا به في حق الكافر فتبغض ذاتهم وكل ما يصدر عنها وأما المؤمن العاصي فإنا لم نؤمر ببغضه بغضا يطفئ محبة ذاته ومحبة إيمانه بالله تعالى ومحبة إيمانه برسوله صلى الله عليه وسلم ومحبة إيمانه بجميع الرسل ومحبة إيمانه بجميع الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ومحبة إيمانه بسائر الكتب السماوية ومحبة إيمانه باليوم الآخر وكل ما فيه من حشر ونشر وجنة ونار وصراط وميزان ومحبة إيمانه بجميع الملائكة عليهم الصلاة والسلام ومحبة إيمانه بالقدر خيره وشره وهكذا نحبه على كل وصف ممدوح فيه فإذا تقدمت محبتنا فيه على هذه الخصال الحميدة لم يمكن أن يدخل بغضه في قلوبنا أبدا إنما نبغض أفعاله وندعو له بخير ولا سيما إن نظرنا إليه بعين الحقيقة وأكثر الناس إذا أرادوا أن يبغضوا العاصي توجهوا إليه أولا قبل كل شيء بالبغض وغفلوا عن الخصال التي توجب محبته فلا يستحضرونها في عقولهم فيسكن بغضه في قلوبهم ويسري ذلك البغض إلى ذاته فتكون هي المبغوضة في نظرهم وذلك لا يحل ولا يجوز والله تعالى أعلم . السادس عشر الإقدام على المعصية مع معرفتها وسيأتي إن شاء الله تعالى بيان ذلك عند الكلام على أنه أشد الناس عذابا يوم القيامة قلت : وهو قوله : سمعته رضي الله تعالى عنه يقول : أتدري من أـشد الناس عذابا يوم القيامة فقلت له : قل يا سيدي فقال : هو رجل أعطاه الله تعالى ذاتا كاملة وعقلا كاملا وصحة كاملة وهد له في العيش وأسباب الرزق ثم يبقى هذا الرجل اليوم واليومين وأكثر ولا يخطر بباله ربه سبحانه وتعالى وإذا أمكنته المعصية ـأقبل عليها بذاته الكاملة وعقله الكامل واستلذ بها واستحسنها من غير فكر يشوش عليه من ناحية ربه تعالى فتجده متصل بالمعصية غاية الاتصال منقطعا عن ربه تعالى كل الانقطاع يميل بكليته للمعصية ويستحليها غاية الاستحلاء فيكون جزاء هذا يوم القيامة أن ينقطع إلى العذاب بجميع شراشره ويتشوف إليه بالكلية ويقع فيه المرة الواحدة ويستحليه استحلاء المجروب للحك وعلى قدر ما حك يكون وباله قال رضي الله تعالى عنه : ولا سيما في حال المعصية شأنها عظيم وأمرها جسيم فينبغي للمؤمن إذا عصى الله أن يعلم أن له ربا قادرا عليه فيحصل له الخوف والوجل منه تعالى فتنكسر منه صورة العذاب إن لم يقع السماح بالكلية والله تعالى أعلم . السابع عشر جمع الدنيا من الحرام قال : قلت : ولا تكرروا مع اتلوجه التاسع كما لا يخفى . الثامن عشر عقوق الوالدين فسمعته رضي الله تعالى عنه يحكي عن شيخه سيدي عمر بن محمد الهواري وذكر أنه كان جالسا معه عند السدرة التي هي خارج روضة سيدي علي بن حرازم فجاء وله فودعه وأراد الذهاب إلى الحج فأبى عليه أبوه سيدي عمر قال : وكان عاقا لأبيه فذهب وأبوه غير راض عنه فقال لي سيدي عمر : نتيجة عقوق الوالدين أربعة أمور أحدها أن الدنيا تذهب عنه وتبغضه كما يبغض المؤمن جهنم ثانيها أنه إذا جلس في موضع من المواضع وجعل يتكلم مع الحاضرين في شيء من الأشياء صرف الله تعالى قلوبهم عن الاستماع لكلامه وينزع الله تعالى البركة والنور من كلامه ويصير ممقوتا بينهم ثالثها أن أولياء الله تعالى من أهل الديوان والتصرف لا ينظرون إليه نظر رحمة ولا يرضون عليه أبدا رابعها أن نور إيمانه لا يزال ينقص شيئا فشيئا فمن أراد الله تعالى به الشقاوة والعياذ بالله تعالى لم يزل كذلك إلى أن يذهب نور إيمانه ويضمحل بالكلية فيموت كافرا نسأل الله السلامة والعافية ومن لم يرد به ذلك مات ناقص الإيمان أعاذنا الله تعالى من ذلك قال : ونتيجة رضاهم أربعة أمور وهي أضداد لهذه الأمور تحبه الدنيا كما يحب المؤمن الجنة ويحلوا كلامه بين الناس وتحن عليه أولياء الله تعالى ولا يزال إيمانه يزيد شيئا فشيئا والله تعالى الموفق فانظر يا أخي هذه المفاسد الربعة التي في عقوق الوالدين والمحاسن الأربعة التي في بر الوالدين . التاسع عذر مخالطة المحجوبين ذوي الرئاسات فإن في اذت العبد المؤمن خيطا من نور يخرج من ثقبة في ذاته يتصل ذلك النور بعطية الحق سبحانه ويزيد بمخالطة أوليائه تعالى ويقل بعدمها ويخاف عليه من الانقطاع أصلا وانسداد الثقبة بمخالطة أرباب الرئاسات فإنهم برئاستهم وأموالهم وجاههم يستولون على ذاته فتكون تحت أسرهم وفي حكم قبضهم فلا يزال يصغي إليهم بقلبه وقالبه ويبقى على ذلك المدة الطويلة ولا يقع الحق سبحانه في فكره ولا في خاطره فلا يزال كذلك مسترسلا في أغراضه وانقطاعه حتى تنسد الثقبة أصلا والعياذ بالله تعالى وهذه آفة حاصلة من ذوي الرئاسات نسأل الله تعالى السلامة . والعشرون التفريق بين الخلفاء الأربعة أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله تعالى عنهم أجمعين قال رضي الله تعالى عنه : ومعنا التفريق أن يحب بعضهم ويبغض بعضهم وما شا، الخوارج والروافض وإنما كان ذلك التفريق سببا في الانقطاع عن الله عز وجل لأن كل واحد منهم ورث خصلة من خصاله صلى الله تعالى عليه وسلم فبغض ذلك الخليفة يسري إلى بغض النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فلذلك كان سببا في الانقطاع فقلت : فما الخصلة التي في أبي بكر رضي الله تعالى عنه فقال : خصلة الإيمان بالله تعالى فإن بالله عز وجل كان في النبي صلى الله عليه وسلم على كيفية خاصة لو طرحت على أهل الأرض صحابة وغيرهم لذابوا وورث أبو بكر رضي الله عنه من تلك الكيفية شيئا قليلا على قدر ما تطيقه ذاته ومع ذلك ام يكن في أمة النبي صلى الله عليه وسلم من يطيق أبا بكر في ذلك ولا من يدانيه لا من الصحابة ولا من غيرهم من أهل الفتح الكبير لأن النبي صلى الله عليه وسلم بلغ في أسرار الألوهية وحقائق الربوبية ورقائق العرفان مبلغا لا يكيف ولا يطاق وكان يتكلم مع أبي بكر في البحور التي كان يخوضها عليه السلام فارتقى أبو بكر المرتقى المذكور ومع ذلك فكان النبي صلى الله عليه وسلم في الثلاث سنين الأخيرة لا يتكلم معه في تلك الحقائق خيفة عليه أن يذوب . قال رضي الله عنه :وأما الخصلة التي في عمر رضي الله تعالى عنه فهي خصلة النصيحة للمؤمنين والنظر له وإيثارهم علة نفسه وتدبير أمر جيوشهم وما يصلح أمر عامتهم وخاصتهم وهذه خصلة من خصاله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد ورث عمر رضي الله عنه منها القدر الذي تطيقه ذاته وأما الخصلة التيب في عثمان رضي الله تعالى عنه فهي خصلة الرأفة والرحمة والحنانة وصلة الرحم وهذه خصلة من خصاله عليه السلام وقد ورث منها عثمان ما تطيقه ذاته وأما الخصلة التي في علي كرم الله وجهه ورضي عنه فهي خصلة الشجاعة وهي إحدى خصاله صلى الله تعالى عليه وسلم وقد ورث منها رضي الله تعالى عنه ما تطيقه ذاته قال رضي الله عنه : وكذا سائر الصحابه رضي اله عنهم كل واحد منهم ورث شيئا من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فبغض صحابي أي صحابي كان يوجب النقطاع عن الله عز وجل قال : ثم تفرقنا ولم نسمع منه بقية العدد السابق حتى مات رضي الله تعالى عنه قلت : قد ذكر القطب المكتوب والبرزخ المختوم سيدنا وشيخنا ووسيلتنا إلى ربنا أحمد بن محمد التجاني سقانا الله تعالى من بحره بأعظم الأواني أربع وعشرين خصلة تورث قساوة القلب وصاحب القلب القاسي منقطع عن الله تعالى بلا شك قال رضي الله تعالى عنه : واعلم أرشدنا الله تعالى وإياك إلى سبيل هدايته أن قساوة القلب أعظم البلايا ولم يبتل الله تعالى قلبا بأشد منها بعد الكفر وأسباب القساوة محصورة فيما أذكره الآن فمن اجتنبها لان قلبه بعون الله تعالى ونهض إلى الفلاح وهي هذه الإضرار على أي ذنب كان وطول الأمل والعضب لغير الله عز وجل والحقد على المسلمين وحب الدنيا وحب الرياسة وفعل ما لا يعني من قول وعمل ولو قل وكثرت الضحك وكثرت المزاح والفرح بالحظوظ العاجلة والغم من أجل فقدها والغفلة عن ذكر الله تعالى عز وجل وعن التفكير في أمور الآخرة كأمر القبر وأمر الناس وسائر أنكالها وأغلالها وأمر الجنة وضروب نغيمها وسرورها من حورها وقصورها إلى غير ذلك فالغفلة عن هذا كله سبب في القساوة والخوض مع أهل اللهو واللعب فيما هم فيه من قول وعمل وسماع حديثهم ومجالستهم لغير ذرورة شرعية وصحبة السقهاء كالأحداث سنا وعقلا ودينا وأكل الحرام والمتشابه والشبع وكثرت شرب الماء وكثرت تناول الشهوات وكثرت النوم وكثرت تفكر القلب في غير ذكر الله عز وجل والرضا عن النفس باستحسان حالها فهذه أربع وعشرون خصلة نسأل الله تعالى أن يرزقنا اجتنابها وجميع ما يحجب بيننا وبين ربنا حتى نلقاه وهو راض عنا آمين ثم إنا نختم هذا الفصل بشيء من كلام الإبريز مما يناسب ما تقدم فنقول : ثم قال وسمعته رضي الله عنه يحكي في استحضار الخالق سبحانه حال المعصية حكاية عجيبة عن سيدي عمر بن محمد الهواري قال : قال سيدي عمر : جاء رجل مسرف على نفسه مرتكب المعاصي إلى الشيخ وأنا حاضر فقال له : سيدي كيف الخلاص وأنا مرتكب المعاصي مصر عليها لا أقدر على تركها فكيف الحيلة في الخلاص فقال له الشيخ : ويحك أتعصي ربك أترك عنك المعاصي ولا تعد إليها فقال : لا أقدر فقال الشيخ : ويحك تب إلى ربك فقال : لا أقدر فتغافل عنه الشيخ وأقام عنده يوما أو يومين فلما أراد وداعه قال له : يا سيدي كيف الخلاص وأنا مرتكب المعاصي فقال له الشيخ : إذا أردت أن تعصي ربك فاستحضر ثلاثة أمور وافعل ما شئت فاستحضر المعصية وقبحها وما توصل إليه من غضب الرب واستحضر ذاتك ونفسك وخساستك وإعراضك عن ربك واستحضر ربك وسطوته وقهره وقدرته عليك متى أرادك ثم عفوه عنك وما أتبله عليك من جميل ستره فإذا استحضرت هذه الأمور كما ينبغي فافعل ما بدى لك قال : فذهب الرجل ثم بعد مدة لقيته فسلم علي فقال : أوما تعرفني ؟ فقلت : من أنت ؟ فقال : أنا صاحب المعاصي وقد أخذ الله تعالى بيدي ببركة كلام الشيخ وذلك أني أردت المعصية فاستحضرت الأمور التي أوصاني بها فما قدرت عليها فكان ذلك سبب توبتي والله تعالى أعلم . وقال : وسمعته رضي الله عنه يقول : عندي أن الكبيرة ما فعلت في حالة انقطاع القلب عن الله تعالى وملائكته وكتبه ورسله واليوم الآخر باطنا بل وإن تعلق العبد بذلك ظاهرا فإنه لا ينفعه وإنما كانت المعصية في هذه الحالة كبيرة لأنه في حالة الانقطاع يكون العبد واقعا في المعصية بقلبه وقالبه وبحبه وبليه وبيديه ورجليه وبكل ذاته فلا يزجره من قلبه زاجر ولا يذكره من ربه ذاكر والصغيرة ما فعلت حال تعلق القلب بالرب سبحانه وبالأمور الموصلة إليه من رسله وملائكته وكتبه فإن العبد إذا وقع في المعصية حينئذ يقع فيهخا على غير نية مع شائبة بغض فيها لأجل الزاجر الذي في قلبه فهو في حال مواقعتها في حياء من ربه تعالى فقلت : يشكل على هذا التفريق عده صلى الله عليه وسلم الكبائر في الحديث مع إطلاقها ولم يقيدها بحالة الانقطاع عن الله عز وجل وقال صلى الله عليه وسلم في حديث الصحيحن : الكبائر الإشراك بالله تعالى والسحر وعقوق الوالدين وقتل النفس . زاد البخاري : واليمين الخموس وزاد مسلم بدلها : وقول الزور . وفي حديثهما أيضا "اجتنبوا السبع الموبقات الشرك بالله والسحر وقتل النفس التي حرم الله إلا بالحق وأكل مال اليتيم وأكل الربا والتولي يوم الزحف وقذف المحصنات المومنات الغافلات " فقال رضي الله عنه هذه المعاصي لا تصدر من العبد إلا إذا كان منقطعا عن ربه عز وجل فإن معلق القلب بالرب سبحانه لا يشرك ولا يتعاطى سحرا ولا شيئا مما هو مذكور في هذين الحديثين ثم قال رضي الله عنه : ألا ترى إلى فلان فإنه سيكون من أولياء الله تعالى وهو الآن محجوب من جملة المحجوبين وقلبه متعلق بربه تعالى فما باله لا يستطيع أن يفعل شيئا من هذه المعاصي ويخاف منها خوفه من النار وإلى فلان فإنه ليس من المفتوح عليهم وقلبه منقطع عن الله عز وجل ومجرد ذكر اللسان لا ينفع وانظر إلى ما يرتكبه من القبائح نسأل الله السلامة بمنه وكرمه قال : فمعاصي أهلب القطيعة لا تخشى ومعاصي أهل الوصلة لا تخفى . وقال : وسمعته رضي الله عنه يقول : إنما أسباب المعاش من حراثة وتجارة وغيرهما بمنزلة الكشاكيل التي في أيدي السعادة فإنه قد جرت عادة الرب سبحانه وتعالى أنه لا ينزل الرزق على العبد إنزالا بأن يعطيه الرزق في يده من غير حيلة بل يعطيك إياه حتى يسأله بكشكول من كشاكيل أسبابه فإذا مد له الكشكول وضع له ما يليق به ويصلحه وحينئذ فيجب على المتسبب أن ينزل سببه بهذه المنزلة فيكون نظره عند السبب إلى ربه عز وجل لا إلى المسبب كما أن الساعي المتكفف إنما ينظر إلى الناس الذين يعطونه ولا ينظر إلى كشكوله الذي في يده وإذا كان نظره عند السبب إلى ربه عز وجل كان متعلقا حالة سببه بربه عزوجل فيكون سببه وصلة بينه وبين ربه تعالى فلا يعتمد على سببه بل على ربه وإذا كان اعتماده على ربه فلا يتعاطى إلا سببا أذن له ربه فيه وحينئذ فلا فرق عنده بين أن يكثر من الأسباب أو يقلل فإن المعطي سبحانه واحد وهو قادر على ان يعطيه في سبب واحد ما يعطيه لغيره في أسباب عديدة فليتق الله تعالى وليجمل في الطلب فهذه صفة أسباب المتعلقين بالله عز وجل وأما غيرهم فإنهم يقتلون أنفسهم حالة السبب بالخدمة ولا يرون سببا من الأسباب إلا تعاطوه سواء كان مأذونا فيه أو غير مأذونا فيه ويعتقدون أن الرزق يكون على حسب حيلهم وسياستهم الفاسدة فـهؤلاء هم الذين يستحلون التدبير في أمور الدنيا والتعب فيها وركوب المشاق العظيمة في طلبها على طاعة الله عز وجل وعبادته لكمال انقطاعهم عنه سبحانه وتعالى . وسمعته رضي الله عنه مرة أخرى يقول في هذا المعنى : إنما مثل الناس كمثل قوم ربطت في أوساطهم حبال ثم دلوا من شواهق جبال عالية حتى كانوا بين الأرض والسماء فتركوا معلقين في الهواء وطال ذلك من أمرهم فأما العقلاء منهم فإنهم لا يقر لهم قرار ولا تسكن أنفسهم إلى غير من الأغيار بل نظهرهم مقسوم مرة ينظرون إلى الموضع الذي تسقط فيه أرجلهم وهل هو قريب أو بعيد وهل المكان رخو أو صلب وكيف تكون حالتهم إذا سقطوا على ذلك المكان وهذه أنظار تذيب الأكباد وتفتت الفؤاد ومرة ينظرون إلى الذي في يده الحبل المعلقون فيه هل أراد أن يطلقه من يده أم الوقت باق وهل بينهم وبينه مودة ورحمة فيحن عليهم إذا أطلقهم وينزلهم إلى المكان الذي يسقطون إليه برفق أو لا مودة ورحمة بينه وبينهم فلا يبالي كيف رماهم وحينئذ فيسعون في طلب مرضاته ولا يمكنهم ذلك بحيلة من الحبل إذ لا يمكنهم عمل من الأعمال اللهم إلا أن يكون بخشوع القلب وخضوع اللسان ونظر العين إليه نظر الخائف منه المستعطف له ثم هو مختار إن شاء رحم وإن شاء عذب فتحترق قلوبهم من خوفه وعذابه ، وأما غير العقلاء من أولئك المعلقين فإنهم لا ينظرون إلى المكان الذي يسقطون فيه ولا ينظرون إلى الذي بيده الحبل بل يغلب عليهم النسيان ويظنون أن الموضع الذي هم فيه حينئذ موضع إقامة فيشتغلون بأسباب الإقامة فيبنون فيه الدور والقصور ويتعاطون الحراثة والتجارة وهم في ذلك الهواء ولا شعور لهم بأمر الحبل فإذا قطع بهم وجدوا أنفسهم قد فرطوا في المكان الذي يسقطون إليه حيث لم يشتغلوا بالنظر إليه ولا تعاطوا أسباب صلاحه ولو بالدعاء والتضرع ولا تأهبوا للوقوع فيه وفي الذي في يده الحبل فإنهم ما عرفوه فضلا عن أن يتضرعوا له ويطلبوا منه النجاة والسلامة . قال رضي الله تعالى عنه : هذه حالة الغافل عن الله تعالى وعن الآخرة والذاكر لهما فالحبل هو العمر وانقطاعه بالموت والمكان الذي يسقط فيه إما جنة وإما نار والذي في يده الحبل هو الله سبحانه وتعالى فالعارفون به في خوف دائم من هذين الأمرين فأثابهم الحق سبحانه بالراحة يوم اللقاء وأما الغافلون فعلى العكس من ذلك والله تعالى أعلم اهـ . وقال : وسمعته رضي الله تعالى عنه يقول : إنما أرسل الله للعبادة رسله وأمرهم بالطاعة لخصلة واحدة وهو أن يعرفوه فيوحدوه ولا يشركوا به شيئا فمتى حصل هذا المقصود من العبد كان عند الله محبوبا عزيزا وسيأتي في كلامه رضي الله عنه أن الطاعات إنما هي فتح باب يدخل منه نور الحق على الذوات وأن النهي عن المعاصي إنما هو عبارة عن سد أبواب يدخل منها ظلام الباطل على ذات العاصي فمن كان مرتكبا للطاعات مجتنبا للمخالفات فقد فتح على نفسه أبواب نور الحق وسد عنها أبواب ظلام الباطل ومن ترك الطاعات وارتكب المخالفات فقد فتح على نفسه أبواب ظلام الباطل وسد عنها أبواب نور الحق ومن أطاع وعصى وفعلهما معا فقد فتح على نفسه البابين معا فلينظر العبد في أي مقام هو وفي أي باب فتحه على نفسه قبل أن يندم حيث لا ينفعه الندم ولكن أكثر الناس يظنون أن القيام بالطاعات ظاهرا يكفي في فتح أبواب الحق كما أن فعل المخالفات في الظاهر يكفي في فتح أبواب الشر وليس كذلك بل لا بد أن يوافق الظاهر الباطن فإن الناس حينئذ أربعة أقسام : قسم ظاهره وباطنه مع الله عز وجل فظاهره مع الله تعالى بامتثال لأوامره وباطنه مع الله تعالى بزوال الغفلة حال فعل الطاعة وحصول المراقبة والمشاهدة فهذا هو المحبوب عند الله عز وجل ، وقسم والعياذ بالله ظاهره وباطنه مع غير الله تعالى فظاهره في المخالفات وباطنه مغمور بالغفلات فهذا هو المذموم ، وقسم ظاهره مع الله تعالى وباطنه مع غير الله سبحانه وتعالى فظاهره في الطاعات وباطنه غافل وعلة هذا حيث لم ترده عبادته إلى ربه أنها أي عبادته صارت عادة له من جملة العادات فاستأنست ذاته بها فصارت بفعلها بحكم وازع الطبع لا يحكم وازع الشرع وقد تضاف إلى هذه العلة علة أخرى وهي أن يكون عند الناس معروفا بالعبادة والزهد وحسن السيرة فيخاف من تقصيره في عبادته أن يسقط من أعين الناس فتراه يعبد ليله ونهاره حرصا على أن تزيد درجته عند الناس فهذا هو الذي لم تزده عبادته إلا بعدا من الله سبحانه وقد يجمع الله سبحانه بعض أهل هذا القسم مع واحد من أكابر أوليائه من أهل القسم الأول فيرى الولي علته فيريد أن يعالجه فيأمره بترك بعض ما هو عليه من ظاهر العبادة فيأبى عليه ذلك لاستحكام العلة فيهلك مع الهالكين . قلت : كما وقع لصاحب أبي يزيد البسطامي رضي الله تعالى عنه وذلك أنه أمر بعض من كان والله تعالى أعلم على هذه الحالة بترك صيام نفل فأبى عليه فقال أصحابه وإخوانه في الله تعالى : ويلك أتعصي قدوتك ؟ فقال لهم أبو يزيد : دعوا من سقط من عين الله عز وجل ، وقسم ظاهره مع غير الله تعالى وباطنه مع الله تعالى فظاهره في المخالفات وباطنه في مراقبة الحق سبحانه فتراه يعصي وربه بين عينيه لا يغيب عن فكره فتكبر عليه معصيته ويراها واقعة عليه كالجبل فهو حزين كئيب دائما وهذا أفضل عند الله تعالى بدرجات من القسم الذي فوقه لأن مقصود الله تعالى من عبادة الذي هو الانكسار والوقوف بين يديه بالذلة والخضوع حصل لهذا دون الذي فوقه اهـ . والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>