في إعلامهم أنه ينبغي لكل إنسان أن يجتهد في خلاص نفسه ويشمر ويقوم بساق الجد والاجتهاد في عبادة ربه ولا يعوقه عنها عائق ولا يشغله عنها شاغل من أهل ووالد وولد ووطن وصديق وداروعشيرة ومال وغير ذلك مما يعوق عن الإقبال على الله والإدبار عما سواه ولو أداه ذلك إلى مفارقة الأوطان بل وضرب الأعناق بالهجرة والجهاد وإعلاهم أن الهجرة واجبة في هذا الزمان على كل من كان في بلد تعمل في المعاصي جهارا من غير مبالاة بها ولا يمكنه تغيير ذلك كما تجب الهجرة من بلاد الكفار ولكنها قسمين كبرى وصغرى فالكبرى هي المعنوي التي في القلوب والصغرى هي الحسية التي تشغل بالأبدان وها أنا أبين الهجرتين كليهما مع تبيين الجهاد الأكبر وأما الجهاد الأصغر فلا أتعرض له لظهوره زأبدأ بالجهاد والهجرة الأكبرين وبعد الفراغ منهما أبين الهجرة الصغرى ولكني أمهد مهادا يعلم به من سيقف عليه بطلان قول من يقول : أن الهجرة قد انقطع وجوبها واستدل على ذلك بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم :" لا هجرة بعد الفتح " أهـ
فأقول وبالله تعلا التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : اعلم أن هذا الحديث الأول فيه طرق فلنبدأ بشيء من طرقه ثم نذكر ما قيل في تأويله فنقول : قد ورد في صحيح البخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما قال : قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم يوم فتح مكة :" لا هجرة بعد الفتح " وفي صحيح البخاري عن مشاجع بن مسعود قال : جاء بمجاشع بأخيه مجالد بن مسعود إلى النبي صلى الله عليه وسلم فقال : هذا مجالد يبايعك على الهجرة فقال :" لا هجرة بعد فتح مكة " وفي صحيح البخاري أيضا : قال عمرو بن دينار وابن جريح : سمعنا عطاء يقول : ذهبت مع عبيد الله بن عمير إلى عائشة وهي مجاورة ثبيرا قالت : انقطعت الهجرة منذ فتح الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم مكة . أما تأويل قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : "لا هجرة بعد الفتح" فقد قال العلماء : لا هجرة من مكة بعد الفتح أي بعد أن صارت دار الإسلام . وفي فتح الباري لابن حجر على صحيح البخاري : والهجرة إلى الشيء هي الانتقال إليه عن غيره وفي الشرع : ترك ما نهى الله تعالى عنه وقد وقع في الإسلام على وجهين : الأول : الانتقال من دار الخوف إلى دار الأمن كما في هجرة الحبشة وابتداء الهجرة من مكة إلى المدينة ، والثاني : الهجرة من دار الكفر إلى دار الإيمان وذلك بعد أن استقر رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم بالمدينة وهاجر إليه من أمكنه ذلك من المسلمين وكانت الهجرة إذ ذاك تختص بالانتقال من مكة إلى المدينة إلى أن فتحت مكة انقطع الاختصاص وبقي عموم الانتقال من دار الكفر لمن قدر عليه باقيا اهـ . وقال الفشني في شرحه على الأربعين النووية : وقوله : "فهجرته إلى ما هاجر إليه" جواب من والهجرة فعلة من الهجرة وهو لغة الترك والمراد هنا ترك الوطن إلى غيره لا أن المقصود الهجرة من مكة إلى المدينة ثم قال : وبالجملة فحكم الهجرة من دار الكفر إلى دار الإسلام مستمرة اهـ . وفي لباب التأويل عند قوله تعالى : {والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم} : اختلفوا في بعد إلى أن قال : والأصح أن المراد به أهل الهجرة الثانية لأنها بعد الهجرة الأولى وانقطعت بعد فتح مكة لأنها صارت دار الإسلام بعد الفتح ويدل عليه قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : "لا هجرة بعد الفتح" وقال الحسن : الهجرة غير منقطعة ثم قال : ويجاب على هذا بأن المراد من الهجرة المخصوصة من مكة إلى المدينة فأما من كان من المؤمنين في بلد يخاف على إظهار دينه من الكفر وجب عليه أن يهاجر إلى بلد لا يخاف فيه على إظهار دينه اهـ . قال القسطلاني في الإرشاد شرح البخاري : ما دام في الدنيا دار الكفر فالهجرة منها واجبة والحكم يدور مع علته اهـ . ويدل على ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : "لا تنقطع الهجرة حتى تنقطع التوبة ولا تنقطع التوبة حتى تطلع الشمس من المغرب" رواه أبو داوود عن معاوية . وفي ابن عبد السلام : الهجرة تجب في آخر الزمان كما تجب في أول الإسلام اهـ . وقال ولي الله ابن أبي جمرة في بهجة النفوس عند تكلمه على هذا الحديث أعني "لا هجرة بعد الفتح" : ظاهر هذا الحديث يدل على أن الهجرة قد انقطعت بعد الفتح لكنه له معارض آخر وهو قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : "الهجرة باقية إلى يوم القيامة" والجمع بينهما والله تعالى أعلم أن يقال أن الهجرة من مكة إلى المدينة والإقامة بها مع رسول الله صلى الله عليه وسلم والجهاد بين يديه قد انقطعت لا تكون أبدا وما غيرها من أنواع الهجرة فذلك باق لم يزل اهـ . وإذا تقرر هذا وزال الإشكال والحمد لله تعالى فاعلموا أن الهجرة والجهاد الأكبر المعنويين اللذين يفعلان بالقلوب واجبان كتابا وسنة وإجماعا ، أما الكتاب فقوله تعالى : {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا وإن الله لمع المحسنين} وقوله تعالى : {فأما من طغى وآثر الحياة الدنيا فإن الجحيم هي المأوى وأما من خاف مقام ربه ونهى النفس عن الهوى فإن الجنة هي المأوى} وقوله تعالى : {قد افلح من زكاها وقد خاب من دساها} ، وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم : "رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر" قالوا : وما الجهاد الأكبر يا رسول الله ؟ قال : "جهاد النفس والهوى" أو كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم مما هذا معناه ، وأما الإجماع فقد انعقد إجماع العلماء على وجوب جهاد النفس والهجرة عن مألوفاتها المؤذية وخبيث شهواتها وشياطين إخوانها وأهلها وبنيها وردها إلى الله تعالى أكبر من جهاد الكفار فلا ريب لوجوه أحدها أن جهاد النفس والهجرة عن مألوفاتها السيئة فرض عين وجهاد الكفار فرض كفاية ، وثانيها أن النفس أعدى من كل عدو لصاحبها لأن المجاهد جهاد الكفار إن قتل الكافر دخل الجنة وإن قتله الكافر كان شهيدا بخلاف النفس فإن غلبها صاحبها استولى عليها وكان الحكم للروح سعد وسعدت سعادة الأبد وإن غلبت وتسلطت على الروح تسلط عليه الكفر والمعاصي فيهلك هلاكا أبديا وتهلك معه دنيا وبرزخا وأخرى وأي هجرة تساوي الهجرة عن مألوفاتها الردية ، وثالثها أن ضرر الكفار مقصود في الدنيا وهي فانية ولذلك كان جهادهم أصغر ، والنفس إن غلبت صاحبها فالضرر يلحقه في دينه ودنياه وآخرته . وفي عرائس البيان عند قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا قاتلوا الذين يلونكم من الكفار" : النفوس التي هي تجمع الهوى والبلاء والحجاب من عرفها قاتلها وأماتها يعنون الرياضات حتى لا يبقى في عرصات قلبه من عروق أشجار الشهوات أثر فينبت فيها بعد ذلك أشجار المعارف والكواشف ونور الحكمة ورياحين المحبة وورد الشوق وياسمين العشق ويكون بهذه الأنوار مزار جنود الأسرار ومنال نور نزول الأسرار وقال : قال سهل : النفس كافرة تقاتلها بمخالفة هواها واحملها على طاعة الله تعالى والمجاهدة في سبيله وأكل الحلال وقول الصدق وما قد أمرت به من مخالفة الطبيعة . وعن علي بن موسى الرضا عن أبيه عن جده ما معناه مجاهدة النفس وشرورها فإنها أقرب شر يليك قال : صدق الصادق حيث وافق قول الصديقين صلوات الله تعالى وتسليماته عليه : أعدى عدوك نفسك التي بين جنبيك . ورابعها أن جهاد الكفار قد لا يكون فرضا في بعض السنين ، وجهاد النفس وردها عن مقتضى هواها والهجرة عن مألوفاتها الباطلة واجب متعين على كل مسلم ومسلمة في كل لحظة . وخامسها أن بعض فروض الكفاية أفضل من جهاد الكفار ولكون ذلك البعض فرض كفاية على كل مسلم بالغ حرا كان أو رقيقا ذكرا أو أنثى كالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فإنه واجب بالإسالة على كل من ذكر وجهاد الكفار لا يجب على عبد ولا على امرأة أو لعارض يعرض وجهاد النفس والهجرة عن مألوفاتها القبيحة أفضل من الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بلا شك لأن جهاد النفس والهجرة عن مألوفاتها المهلكة فرض عين على كل بالغ وبالغة والأمر والنهي فرض كفاية وسادسها أن فرض جهاد الكفار يسقط ممنع الأمر والنهي من الوالدين من وجوب طاعتهما على الولد في ذلك ويحرم عليه طاعتهما إذا منعاه من مجاهدة نفسه والهجرة عن هواها إذا دعته إلى فعل ما حرمه مولاه تعالى وسابعها أن جهاد الكفار يقدر عليه كل أحد وجهاد النفس والهجرة عن مألوفاتها المفسدة ومحاربتها بأنواع الرياضات ومشاق العبادات لا يقدر عليه إلا الموفقين الصادقون في حب الله تعالى لأن من يجاهد الكفار يحارب غيره والذي يجاهد النفس بهجرته عن مألوفاتها المفسدة يحارب نفسه وإيقاع الحرب والقتل على الغير أهون من محاربة الشخص نفسه وهذا أمر ضروري لكل أحد لا نزاع فيه ولذلك يكثر سواد الناهضين إلى قتال الكفار مع تلطخهم بنجاسات المحرمات الكبائر والصغائر وتلبسهم بأفعال بعضها كفر وبعضها يؤدي إلى الكفر وبعضها إلى سوء الخاتمة والعياذ بالله تعالى فإذا طولبوا بالمجاهدة نفويهم بتركها لمألوفاتها عجزوا عن أقل قليل منه وأرادوا قتل من طالبهم بمحاربة نفوسهم وإذا دعوا إلى قتال غيرهم أسرعوا إلى الإجابة قال في عرائس البيان عند قوله تعالى :{ وجاهدوا في الله حق جهاده } قال بعضهم : المجاهدة على ضروب مجاهدة أعداء الله تعالى ومجاهدة مع الشيطان وأشدها مع النفس وهو الجهاد في الله تعالى وهو الذي روي عن النبي صلى الله عليه وسلم :" رجعنا من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر " وهو مجاهدة النفس وحملها على اتباع ما أمر به واجتناب ما نهي عنه أهـ . وثامنها أن شهيد جهاد النفس والهجرة عن مألوفاتها المخزية سهيد قطعا في الآخرة وأكثر شهداء الكفار شهداء في الدنيا فقط دون الآخرة وتاسعها أن القائم بجهاد نفسه والهجرة عن مألوفاتها المظلة قائم لإصلاح نفسه وساع في تخليصها من الدنيا وعذاب الآخرة والقائم بجهاد الكفار قائم لإصلاح غيره وربما يكون صالح فاعتناؤه حينئذ بإصلاح نفسه أهم وأفضل له من اعتنائه بإصلاح غيره بلا شك وعاشرها أن شهيد جهاد النفس والهجرة عن مألوفاتها المبعدة عن الله تعالى أفضل من شهيد جهاد الكفار بدرجات كما سيأتي في هذا الفصل إن شاء الله تعالى ومن تأمل ما أسلفنا علم أن السعادة الأبدية منوطة بجهاد النفس والهجرة عن مألوفاتها المطغية وبهما تحصل أهلية القرب من الله تعالى لأن عيوبها لا تزول إلا بهما وهي متصفة بأخلاق الشياطين كالكبر والإغواء وتزيين المعاصي والشهوت والإضلال وتسويف العمل وإلقاء الأماني والمواعيد الكاذبة والكفر كحسد قابيل وعتو عاد وتمرد نمروذ وزاستعلاء فرعون وبغي قارون ووقاحة هامان وهوى بلعام والبهائم كحرص الغراب وشره الكلب وخيلاء الطاووس ودناءة العجل وعقوق الضب وحقد الجمل ووثبة الهر وصولة الأسد وخبث الحية ومكر الفار وعبث القرد وهي كهف الظلمة وموضع الغفلة وأرض الشهوة وخزانة الجهل ومعدن الكسل فلا يصل للعبد شيطان إلا بشهواتها ولا يفتحم معصية إلا بحملها فهعي لكل شر أهل ولها عن كل خير عجز خلقتها ضعيفة وطبعها قوي وهي سرهة مداهنة مدعية متقلقة متمنية خوفها أمن ورجاؤها خوف وهي رأس البلاء ومعدن الفضيحة وخزانة إبليس ومستراحه ومأوى كل سوء ومن رداءتعا وجهلها أنها إذا همت بمعصية وانبعثت لشهوة لو تشفعت إليها بالله تعال ثم برسوله صلى الله عليه وسلم وبجميع الأنبياء والمرسلين والملائكة والكتب السماوية وبجميع سلف الصالحين من عباد الله تعالى وعرضت عليها الموت والقبر والقيامة والجنة والنار لا تنقاد لك ولا تترك لك معصية ولا شهوة إن قابلتها برغيف سكنت وانقادت خاضعة وإنما أمر العبد بجهادها لأنها تشبه الكافر لأنه يريد أن تكون كلمة الكفر هي العليا وكلمة الله هي السفلى وهي تريد أن تكون كلمة باطلها وعيوبها وشهواتها وأغراضها العاجلة المشغلة عن الله تعالى وعن طاعته والإخلاص فيها هي العليا تنافذ أمرها في مدن الأجسام على كلمة الروح وما الأمر فيها إلا كما قيل :
توق نفسك تأمن من غوائلها *** فالنفس أخبث من سبعين شيطانا
وإذا تحرر هذا فحقيقة جهادها والهجرة عن مألوفاتها الكامدة دوام مخالفة ما تهواه وتدعو إليه مما يخالف رضا المولى الكريم المتعال وإذا فهمت هذا فحاسب نفسك قبل أن تحاسب واهجرها عن مألوفاتها القبيحة لئلا تخسر وجاهده الجهاد الأكبر وقل عند ذبحها باسم الله والله أكبر فلنشرع في بيان حقيقة الهجرة والجهاد الكبرين فنقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : وفي فتح الباري لإبن حجر على صحيح البخاري عند قوله :" فمن كانت هجرته " إلى آخره : الهجرة الترك والهجرة إلى الشيء الانتقال إليه أهـ وفي شرح الفشني على الأربعين النووية : وقوله : فهجرته الهجرة مشتقة من الهجر وهو لغة الترك إلى أن قال : وقد تطلق الهجرة على هجر ما نهى الله تعالى عنه فقد ثبت في لحديث :" المجاهد من جاهد نفسه والمهاجر من هجر ما نهى الله تعالى عنه " وفي تبيين المحارم : والهجرة من المعصية إلى الطاعة فرض على كل مسلم ومسلمة قال عليه السلام :" والمهاجر من هجر ما نهى الله تعالى عنه " وفي كتاب سلم الرضوان لذوق حلاوة الإيمان : وأما الذوق فهو حال لا يعرفه إلا صاحبه وهووجوده للإيمان لذة تغاير جميع اللذات فمنه ما هم حظ العامة وهو المشار إليه بقوله صلى الله عليه وسلم :" ذاق طعم الإيمان من رضي بالله تعالى ربا وبالإسلام دينا وبمحمد صلى الله عليه وسلم رسولا " واعلم أن هذا الذوق لا ينال إلا بعد مكابدة الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس التي هي أخبث من سبعين شيطانا فاقهرها بقيد التهمة وافطمها بفطم العزلة وزمها بزمام الحكمة واضربها بسوط الكتاب وقيدها بحبل التوبيخ والحساب واضمرها بضمائر الزجر والعتاب وشد عليها رحل العزم بباطن الحزم وأوكبها بحرفة الشريعة وسيرها في ميدان الحقيقة وقل إذا استويت على ظهرها سبحان الذي سخر لنا هذا وما كنا له مقرنين واجعل البقل سائسها والروح ممارسها والتقوى حارسها والذكر شرابها والحلم ترابها بعد افتراش القتاد ومنح المهج وقطع الأكباد فحينئذ تطمئن فتنادى من بساط القرب بعد زوال الحجب : {يا أيتها النفس المطمئنة ارجعي إلى ربك راضية مرضية فادخلي في عبادي وادخلي جنتي} فذلك أول قدم تضعه في العبودية المحضة وأول شراب تذوقه من خمرة الدنو والوصلة فتنعكس أحوالها وتزكو أعمالها وتصير داعية إلى الخير حائدة عن الضير لا تخطر الشهوات لها ببال ولا يحوم الهوى حولها في حس ولا خيال ويخف الدفاع ويقل النزاع وتفر عن الساحة القطاع فيؤذى مؤمن التشريف على منار التعريف تبكيتا لإبليس ذي الكيد الضعيف إن عبادي ليس لك عليهم سلطان فيقع الأمن والسكون ويحصل الرجاء والظنون ويضمحل الشح والشجون فيحدو بها حادي الشوق ويقودها حرية للذوق إلى حضرة القدس وشراب الأنس وقرة العين بذهاب البين فحينئذ تنقاد إليه حقيقة الدنيا على صورة ناقة هطلاء فيركبها فيسيرها بهمته العلية بعد ما شد عليها رحل العز بباطن الحزم وقد تزود بدرها الهاطل واستغنى بظنونه حديث حاذق جل عن انتجاع سراب الباطل قد جمع بين در الحمراء وشبم السحابة الوطفاء فأصبح في نعم الله يتقلب ولله سبحانه بأنواع طاعته يتحبب حب الزاد حتى تروى بري المعاد فهو دنيوي أخروي سماوي أرضي فصار المعني بقوله صلى الله عليه وسلم : "نعم المطية للرجل الصالح الدنيا عليها يبلغ الخير وينجو من الشر" عليها يبلغ متن النجيبة الهطلاء ذات الخمر والماء واللبن والعسل والنعماء وينجو من أن يكون من جملة الهالكين وهم الذين طلبوا الدنيا فأخذ بمجامع قلوبهم شرحا وأصم أسماعهم وأعمى أبصارهم وفر هاربا فاقتادهم الهوى إلى مهامه النوى فوقفوا في المهامة المهلكات والمفاوز والفيفاء من غير دليل مرشد فلمع في البيداء السراب فظنوه شرابا فلما أتوه لم يجدوه شيئا فوجدوا الله تعالى عندهم فوفاهم حسابهم بتعجيل ثوابهم وفجأة عذابهم إذ ورطهم عطش الحرص والاتهام بسهوم الشره والارتطام فأصبحوا نكالا لما بين يديها وخلفها وموعظة لمن يتقي خلفها وحلفها فينفسح في الساحات ويجمع بين الماضي والآتي قد أينعت ثمراتها فتدلت وذهبت غمراتها فتجلت فعند الصباح يحمد القوم السرى وعلى قدر الارتقاء يبلغ الكرام الذرى فهذا مثل العامة ، وأما الخاصة فرجل امتطى ظهر كلمة الإخلاص وربي بلين الاختصاص فجعل لما توجهت إليه مراكب الحب يحمل على ظهرانها خلع القرب فحنت قلوصه الوجناء إذ رأت ترابها تثير من معادنها وسهابها فانشدت بفصيح مقالها المني عن سرها وحالها فقالت لها أحاديث من ذكراك تشغلها عن الشراب وتلهيها عن الزاد إذ اشتكت من كلال السير أوعدها قرب الوصال فتحيا عند سعاد فلما سمعها حادي الشوق خاطبها بلسان الذوق فقال :
من لي بمثل سيرك المدلل *** تمشي رويدا وتجي في الأول
فتعرضت لها حور القصور بالتحف والحبور فأنفت من خاطبهن وما قرأت حرفا من كتابهن ثم أنشدت في جوابهن فقالت :
تنحي يا حور جنات عنا *** مالك قاتلنا ولا قتلنا
لكن إلى ملككن اشتقنا *** قد يفهم السر وما أعلنا
فلما سمعت قولهن أنشدت مجيبة لهن فقالت :
لي حبيب خياله نصب عيني *** سره في ضميري مدفون
إن تذكرته فكلي قلوب *** أو تأملته فكلي عيون
فإذا جاوز هذا المركز خاطبه رجال الغيب وأخرجوا له ما في الجيب فيجدونه وقد أذهله القلق وخامره الدهش والأرق فيقول لهم : لا تكدروا على خلوتي ولا تشوشوا على نجمتي أنا إلى المحبوب قصدت ولما لديه طلبت وإلى حضرته هربت فأنشد وقال :
أسير الهوى عينه تدمع *** وفي ليله العين ما تهجع
تساعده عند تذكاره *** بطمع غزير وما تقلع
سل الليل عن حال أهل الهوى *** إذا لاحت الأنجم الطلع
يخبرك لو أنه مخبر *** بأنهم سجد ركع
فطورا يناجون مولاهم *** وهم في عبادته خضع
يقولون يا من يرى حالنا *** ويعلم في الليل ما نصنع
أعنا بصبر على شوقنا *** إليك فقد شفنا المطمع
سأبكي لأهل الهوى رحمة *** لعلمي بأن الهوى يوجع
هم الأولياء لمحبوبهم *** وهم في جنان العلى رتع
فإذا جاوز هذا المركز اشتاقت إليه الأرواح الروحانية لما اشتموا من رائحة إرج حبه فيستأذنون الله تعالى في زيارته وقربه فإذا رأوه ورأوا ما به من الذبول والتحرق والذهول نادوه فقالوا : ألك حاجة ؟ فيقول : أما إليكم فلا وأما إلى الله تعالى فبلى فيقولون : ألا تسأله ؟ فيقول : ليس بجاهل فأنبئه ولا بغافل فأنبهه فيقبل الله تعالى عليه حينئذ فيزول عنه رواق دهش الجلال بفسحة الجمال فيسكن عند ذلك روعه ويجعل الله تعالى له الأكوان طوعه فيقع على قرة العين بزوال حجاب البين فطاب وغاب وحير الألباب بسروره بعد قلقه فتكثر المقالة وتضمحل الدلالة فلا يعرفه إلا شكله ولا يوصل إليه إلا جهله فهذا ورود القوم ليس هو في اليقظة ولا في النوم لأنهم شربوا حضرة الكلف على بساط الدنف في كأس الشغف فشربوا فما صحوا إلا وقد زالت الحجب وكافحهم المحبوب فقال لهم : أين السبيل إذ لا زمن ولا أوان ولا جهة ولا مكان فيجيبه قائلا : لا كنت إن كنت أدري كيف السبيل إليك أفردتني عن جميعي فكنت سلما لديك فيقول له : ادر أيها العبد فقد خبرتك ولذلك حيرتك فيدركه الدهش هنيهة حتى إذا أمده الله تعالى بعلوم من لدنه فينطلق حينئذ بجوامع الكلم فيقول :
حيرتموني في جلال جمالكم *** فاحترت بين صفاتكم والذات
فبقيت من دهشي بكم حينا بلا *** جمع ولا فرق ولا لذات
حتى أفاضت من بحاركم لكم *** سحب العناية والبقا للذات
فينتعش من بعد الفناء ويستريح بعد العناء إذ لم يبق معه بقية من حسه إذا صارت قرة عينيه بنفسه فيقول حينئذ : أنا الكل وعلي فدل وتلك رتبة المشاهدة المعبر عنها بالوصول فهي سبعون درجة تحار في شأنها العبارة وتستقل الإشارة أهـ . وقال في بهجة النفوس عند قوله صلى الله عليه وسلم :" لا هجرة بعد الفتح ولكن جهاد ونية وإذا استنفرتم فانفروا " : وفي الحديث إشارة صوفية وهي على ثلاثة أوجه الأول في قوله صلى الله عليه وسلم :" لا هجرة بعد الفتح قد أخبر صلى الله عليه وسلم في غير هذا الحديث بأن الجهاد جهادان أصغر وأكبر وقال صلى الله عليه وسلم :" هبطتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الكبر وهو جهاد النفس " فإذا كان الجهاد على قسمين فكذلك يلزم في الهجرة أن تكون كبرى وصغرى فالصغرى ما تقدم والكبرى هجرة النفس عن مألوفاتها وشهواتها وإخوانها وأهلها وبنيها وردها إلى الله تعالى في كل أحوالها وقد نص الله تعالى عز وجل على ذلك في كتابه حيث قال : { قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ترجون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا حتى ياتي الله بأمره} فالزهد في الأشياء وخلو القلب والنفس منها هو المطلوب وحقيقة أعلى من هذا وهي لأهل الخصوص يشهد بذلك ما حكي عن بعض الفضلاء أنه قال زهدت في ثلاثة الأول في الدنيا وما فيها والثانيفي الآخرة وما فيها والثالث فيما سوى الله تعالى وهذه هي الهجرة العظمى فلا يهمل نفسه بالكلية فإن ذلك علامة على الخسران وليأخذ نفسه بالرفق والسياسة في الجهاد والهجرة لأن المرأ في نفسه مأمور بذلك لأن بدنه كالمدينة والعقل والملك كالمسلمين والشياطين كجيش الكفار ورجوعه إلى رأي العقل والملك الناهيين حتى يستفتح بلاد العدو والفتح هنا عبارة عن أسر النفس والشياطين والهوى وأن يكون العقل والملك هما الآمران الناهيان فإذا حصل للمريد هذا الحال فلا يحتاج بعد ذلك إلى مجاهدة لأن المجاهدة لا تراد لذاتها وزإنما المقصود منها حصول هذه الصفة وقد حصلت كما أن الجهاد لا يراد لذاته وإنما يراد لفتح البلاد للإسلام وأسر العدو وإسلامه وقد روي أن القلب والملك والعقل والهوى والنفس والشيطان كالميدان يعتركون فيه فأيهم غلب كان هو المير على الجوار فحصلت النسبة بينه وبين ما نحن بسببه من حكم الظاهر لا من كل الجهاد فمن له لب يفهم ما أشرنا إليه ويعمل عليه يحصل إنشاء الله تعالى على المراد لكن ذلك بعد الافتقار إلى الله تعالى وطلب العون منه في كل اللحظات وإلا فلا ينفع الحذر والجهاد والهجرة في الغالب الوجه الثاني قوله صلى الله عليه وسلم :" ولكن جهاد ونية " فإذا حصل هذا الفتح للمريد يحتاج عند ذلك إلى الجهاد ونعني بالجهاد هنا المبادرة إلى أفعال البر بكل ممكن ولا يترك بالتسويف بلعل وعسى فبذلك تفوت الغنائم فإذا ظفر بالفتح والغنيمة فيحتاج عند ذك إلى إخلاص النية في كل الأفعال ويبتهل والحذر من وقوع العمل دونها لأن الأعمال بحسب ما لاحتوت عليه النيات فإذا حصل للمريد هذا الحال فقد حصل له الجهاد والنية الثالث قوله صلى الله عليه وسلم :" وإذا استنفرتم فانفروا " وهو على وجهين فحكم يختص بالشخص نفسه وحكم متعد لغيره فأما ما يختص بالشخص فهو أنه إذا تحصلت له الحالى السنية أعني الفتح والجهاد وتحصلت له النية على ما قرناه يحتاج عند ذلك إلى محايبة في كل أوقاته لئلا تقع منه غفلة فيظفر به العدو فمن ملك القلب في شيء من التصرفات فيقع بذلك الخلل بعد وقوع النصر والظفر فإذا حايب المرأ نفسه على أقل شيء يقع له من ذلك استيقظ فرجع عنه فإن لم يقدر على تركه فقد ظفر العدو وظهر وهذا هو موضع الاستنفار أيضا لأن الملك والعقل قد غلبا فيدخل أيضا في المجاهدة حتى يزيل ما وقع وأما هدى الشخص فذلك لا يكون إلا لمن حصلت له هذه الأحوال التي قدمنا ذكرها وتكن فيها فحينئذ يجب عليه أن ينظر في حق الغير فإذا جاءه أحد ممن غلب عقله وملكه يطلب منه النصرة فيجب عليه إذ ذاك نصرته لأن هذا هو موضع الاستنفار والنصرة هنا عبارة عن الدعاء في ظهر الغيب وبيان كيفية خاطر الملك والعقل الذي قد غلب عليه وبيان كيفية خاطر النفس والشيطان وبما يحترز من وقوع الهزيمة وبما نحصل الغنيمة والله المستعان أهـ . وهذا آخر ما أردنا ذكره من الهجرة والجهاد الأكبرين والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحان المرجع والمآب . وبعد فلنشرع في الكلام على الهجرة الحسية الصغرى التي تفعل بالأبدان فنقول : اعلموا يا إخواني أن الهجرة من بلاد الكفار إلى بلاد الإسلام وبلاد يظهر بها المنكر ولا يغير لعجز من يريد التغيير عنه لعدم الإمكان إلى المحل الذي يغير فيه المنكر ويمكن فيه التغيير واجبة كتابا وسنة وإجماعا أما الكتاب فقوله تعالى :{ إن الذي توفاهم الملائكة ظالمي أنفسهم قالوا فيمكنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن أرض الله واسعة فتهاجروا فيها } وفي السراج المنير : فتهاجروا فيها من بلد الكفر إلى بلد أخرى كما فعل غيركم من المهاجرين ثم قال عند قوله تعالى :{ وساءت مصيرا } : وفي الآية دليل على وجوب الهجرة من موضع لا يتكمن الرجل من إقامة الدين فيه وقوله تعالى :{ يا عبادي الذين آمنوا إلن أرضي واسعة فإياي فاعبدون } وأما السنة فقوله صلى الله عليه وسلم :" إن الله تعالى بريء من مسلم ساكن بين المشركين " وقوله صلى الله عليه وسلم :" لا تتراء ناراهما " ذكرهما السيبد المختار في نصيحة الكافية وقوله صلى الله عليه وسلم :" من جامع المشرك أو سكن معه فهو مثله " رواه ى أبو داوود وأما الإجماع فقد قال الونشريسي : والإجماع على وجوب الهجرة أهـ . وفي تبيين المحارم : وأما الهجرة في دار الإسلام من بلد إلى بلد فليس بواجب لأن من لم يمكن له أن يقيم دينه في دار الإسلام فلا يجب عليه الهجرة لكن إذا غلب في بلده أهل الشر وكثرت فيه المعاصي يستحب له أن يفر منه إلى بلد الصلاح فيه غالب على أهله إلا إذا كان في بلده من يلجئون الظلمة على شهادة الزور وغير ذلك فإنه حينئذ تجب عليه الهجرة منه اهـ . وقال في السراج عند قوله تعالى في الزمر : {وأرض الله واسعة} : وفيه حث على الهجرة من البلد الذي تظهر فيه المعاصي ونظيره قوله : {فيم كنتم قالوا كنا مستضعفين في الارض قالوا ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها} . وقال سعيد بن جبير : من أمر بالمعاصي في بلد فليهرب اهـ . وفي لباب التأويل عند هذه الآية : وفيه حث على الهجرة من البلد الذي يظهر فيه المعاصي وقيل : من أمر بالمعاصي في بلده فليهرب اهـ . وفي الصحيحين عن زينب بنت جحش رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم دخل عليها يوما فزعا يقول : "لا إله إلا الله ويل للعرب من شر قد اقترب فتح اليوم من ردم ياجوج وماجوج مثل هذه ـ وحلق بإصبعيه السبابة والتي تليها ـ" فقالت : يا رسول الله أنهلك وفينا الصالحون ؟ قال : "نعم إذا كثر الخبث" قال بعض أهل الحديث عند إيراده هذا الحديث في تأليفه : هذه سنة الله تعالى الماضية في خلقه أن العذاب إذا نزل يعم ولا يميز لقد أمر الله تعالى الأنبياء بالخروج من قومهم قبل نزول العذاب مع صلاح القدرة في نجاتهم وإن قعدوا ولكن لا تبديل لسنة الله تعالى قال : ولهذا جاء في الصحيح أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لما أمر بالهجرة قال : "لا تدخلوا مساكن الذين ظلموا أنفسهم إلا أن تكونوا باكين ثم قنع رأسه وأسرع حتى جاوز الوادي" . وأخرج الإمام أحمد والطبراني عن حراشة بن الحر رضي الله تعالى عنه قال : لا يشهد أحدكم قتيلا لعله أن يكون مظلوما فتصيبه السخطة عليهم فتصيبه معهم . وقال الشيخ أحمد زروق في تأسيس القواعد : ما لا أثر له في الخارج الحسي من المضار فاعتباره مشوش لغيره فائدة فمن ثم كان كل ما ضر في العرض بالقول أو بالظن مأمور بالصبر عليه لقوله تعالى : {واصبر على ما يقولون} بخلاف الفعل إذ أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بالهجرة لقصدهم له به وقال صلى الله عليه وسلم : "المؤمن كيس فطن حذر" ثلثا تغافل يعني في القول والظن لا الفعل ورغب عليه الصلاة والسلام في الفرار من الفتن وترجم البخاري أن ذلك من الدين فوجبت مراعاته . وقال أيضا : وتمام الشيء من وجه ابتدائه وللوارث من النسبة على قدر موروثه منه وقد بدئ الدين غريبا فلا يتم في زمن غربته إلا بالهجرة كما كان أولا وما نصر نبي من قومه غالبا بل جملة كقول ورقة : لم يأت أحد بمثل ما جئت به الأعودي والنسبة معروضة أبد الوجود إلا ذي فلذلك لا تجد كبيرا في الدين إلا مقابلا بذلك والحديث : "أشد الناس بلاء الأنبياء فالأولياء الأمثل فالأمثل" مثل الحديث في شرح الفشني على الأربعين النووية عند قوله صلى الله عليه وسلم : "إنما الأعمال بالنيات" عند قوله : "فهجرته" إلى أن قال : وقد تطلق الهجرة على هجر ما نهى الله تعالى عنه فقد ثبت في الحديث : "المجاهد من جاهد نفسه والمهاجر من هجر ما نهى الله تعالى عنه" فيهجر الإنسان الأرض التي يغلب على أهلها أكل الحرام ويهجر البلد التي يسب فيها العلماء والصلحاء اهـ . وقال بعض العلماء : من علم بمكان من بلد مناكر لا يقدر على إزالتها لا تجب عليه مفارقة تلك البلدة اللهم إلا أن تكون إقامته توجب أن يكلف الفساد أو يكره على مساعدة السلاطين وإعانة الظلمة في الظلم والمنكرات فتلزمه الهجرة من ذلك البلد إن قدر عليها وتجب عليه فإن الإكراه لا يكون عذرا في حق من قدر على الهرب من الإكراه هذا هو الذي جزم به الغزالي في الإحياء انتهى . قلت : وإذا كانت مخالطة المحجوبين كذوي الرئاسات من أسباب انقطاع العبد عن ربه فكيف لا تجب الهجرة على من تكون إقامته مع السلاطين توجب أن يكلف الفساد أو يكره على مساعدتهم وإعانة الظلمة في الظلم والمنكرات . قال في الإبريز كما يأتي في الفصل الذي بعد هذا الفصل أن في ذات العبد المؤمن خيطا من نور يخرج من ثقبة في ذاته يتصل ذلك النور بعطية الحق سبحانه يزيد بمخالطة أوليائه تعالى ويقل بعدمها ويخاف عليه من الانقطاع أصلا وانسداد الثقبة بمخالطة أرباب الرئاسة فإنهم برئاستهم وأموالهم وجاههم يستولون على ذاته فتكون تحت أسرهم في حكم قبضتهم فلا يزال يصغي إليهم بقلبه وقالبه ويبقى على ذلك المدة الطويلة ولا يقع الحق سبحانه في مكره ولا في خاطره فلا يزال كذلك مسترسلا في إعراضه وانقطاعه حتى تنسد الثقبة والعياذ بالله تعالى وهذه آفة حاصلة من ذوي الرئاسة نسأل الله تعالى العافية والسلامة اهـ . وقد روى أئمة التفسير عن سعيد بن جبير أنه قال : إذا عمل بالمعاصي في أرض فاخرج منها وتلا قوله : {ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها" وقال القرطبي : في هذه الآية دليل على هجران الأرض التي يعمل فيها بالمعاصي ثم حكى عن مالك أنه قال : هذه الآية دالة على أنه ليس لأحد المقام بأرض يسب فيها السلف ويعمل فيها بغير الحق . وحكى القاضي أبو بكر بن العربي : هذا عن مالك أيضا ذكره في أحكام القرآن ثم قال : وهذا صحيح فإن المنكر إذا لم يقدر أن يغير المنكر يزول عنه اهـ وكلام مالك هذا يدل على وجوب الهجرة عند العجز عن التغيير . وذكر ابن العربي في أقسام الهجرة : الخروج أيضا من كل أرض غلبت عليها الحرام وعللها بأن طلب الحلال فريضة على كل مسلم . وقال القرطبي أيضا عند قوله تعالى : {واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة} قال علماؤنا : فالفتنة إذا عمت هلك الكل وذلك عند ظهور المعاصي وانتشار المنكر وعدم التغيير وإذا لم يغير وجب على المؤمنين المنكرين لها بالقلوب هجران تلك البلد والهروب منها وهكذا كان الحكم فيمن قبلنا من الأمم كما في قصة السبت حين هجروا العاصين وقالوا : لا نساكنكم وبهذا قال السلف رضي الله تعالى عنهم . وروي عن مالك أنه قال : يهجر الأرض التي يعمل فيها المنكر جهارا ولا يستقر فيها واحتج بصنيع أبي الدرداء وخروجه عن أرض معاوية حين أعلن بالربا فأجاز بيع سقاية الذهب بأكثر من وزنها أخرجه في الصحيح اهـ والله تعالى أعلم . قلت : وكيف لا تجب الهجرة وقد تقدم في مقدمة هذا الكتاب أن مخالطة العصاة آفة ذكرها القطب عبد العزيز بن مسعود رضي الله تعالى عنه لما سئل عن كلام الشيخ الحطاب وكلام الشيخ المواق حيث اختلفا في دخول الحمام مع مكشوفين لا يستترون قال الحطاب : يحرم الدخول على الإنسان ويجب عليه التيمم إن خاف من الماء البارد وقال المواق : يدخل ويستتر ويعض عينيه ولا حرج عليه فأجاب بأن الصواب مع الحطاب وأما ما ذكره المواق ففيه آفة مع فرض المستتر محترزا إلى الغاية وزفارا من النظر في عورة غيره إلى النهاية وهي أن المعاصي ومخالفة أوامر الله تعالى لا تكون إلا مع الظالم الذي بينه وبين ظلام جهنم خيوط واتصالات يحصل له السقاء من جهنم بسببها ولا أحد أعرف بذلك من ملائكة الله تعالى فإذا اجتمع قوم تحت سقف بحمام مثلا على معصية وظهرت المعصية من جميعهم عم الظلام ذلك الموضع فتنفر الملائكة عنهم وإذا نفرت الملائكة جاء الشيطان وجنوده فعمروا الموضع فتصير أنوار إيمان العصاة حينئذ كالمصابيح التي جاءتها الرياح العاصفة من كل مكان قترى نورها مرة يذهب إلى هذه الجهة ومرة ينعكس إلى أسفل حتى نقول أنه انطفأ واضمحل ولهذا كانت المعاصي بريد الكفار والعياذ بالله تعالى فإذا كان الحمام وأهله على هذه الحالة التي وصفنا وفرضنا رجلا خيرا دينا فاضلا متحرزا جاء ودخله واستتر فإنه يقع لنور إيمانه اضطراب بالظلام الذي وجده في الحمام لأن ذلك الظلام ضد افيمان فتضطرب ملائكته لذلك أيضا فتطمع فيه الشياطين وتصل إليه وتشهي إليه النظرة في العورة وتغويه فلا يزال معهم في قتال وهم يقودون عليه وهو يضعف بين أيديهم حتى يستحسن الشهوة ويستلذ النظر للعورة نسأل الله تعالى السلامة ولو فرضنا جماعة يسربون الخمر ويستلذون به ويظهرون المعاصي التي تكون معه ويفحشون فيها ولا يتحرزون من أحد ولا يخشونه ثم فرضنا رجلا جاءهم وفي يده دلائل الخيرات فجلس بينهم وجعل يقرؤها وأطال معهم الجلوس وجلس معهم اليوم على اخيه وهو على قراءته وهم على معاصيهم فإنه لا يذهب عليه اليل والنهار حتى ينقلب إليهم ويرجع من جملتهم للعلة التي ذكرناها قال : ولهذا نهي عن الاجتماع بأهل الفسق والعصيان لأن الذم والشهوة والغفلة فينا وفيهم إلا من رحمه الله تعالى وقليل ما هم قال بعض العلماء : قد اختار جماعة من السلف العزلة و الانفراد خوفا من عجزهم عن تغيير ما قد يشاهدونه من المنكرات في الخلطة وقد قال السيد الجليل الزاهد أمير المؤمنين عمر بن عبد العزيز رضي الله تعالى عنه : ما ساح السياح وأخلوا ديارهم وأولادهم إلا لمثل ما نزل بنا حين رأوا الشر قد ظهر والشر قد اندرس ورأوا الفتن ولم يأمنوا أن تغيرهم وأم ينزل العذاب بأولئك القوم فلا يسلمون منه فرأوا أن مجاورة السباع وأكل البقول خير من مجاورة هؤلاء في نعيمهم ثم قال : { ففروا إلى الله إني لكم منه نذير مبين } قال : ففر قوم فلولا ما جعل الله تعالى جل ثناؤه في النبوة لقلنا : ما هم بأفضل من هؤلاء لما بلغنا أن الملائكة تتلقاهم وتصافحهم والسحاب والسباع تمر بأحدهم فيناديها فتجيبه ويسألها أين مرت فتجيبه ومن يهاجر في سبيل الله يجد في الارض مراغما كثيرة وسعة قال ابن عطية في تفسيره : وتفسير السعة بسعة البلاد هو الذي تقتضيه الفصاحة إذ بذلك تكون السعة في الرزق والصدر وغير ذلك من وجوه الفرح وهذا المعنى ظاهر من قوله تعالى :{ ألم تكن ارض الله واسعة } قال مالك بن أنس رحمه الله تعالى : الآية تعطي أن كل مسلم ينبغي له أن يخرج من البلاد التي تغير فيها السنن ويعمل فيها بغير الحق أهـ . وفي لباب التأويل : قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : يجد متحولا من ارض إلى أرض وقال مجاهد يجد مرخصا عما يكره وقيل : يجد منقلبا إليه وقيل : المراغمة والمهاجرة واحدة يقال رغمت قومي أي هجرتهم وسميت المهاجرة المراغمة لأنه يهاجر قومه بغرمهم وقله وسعة قيل السعة الرزق وقيل يجد سعة من الضلالة إلى الهدى وقيل يجد سعة من الأض التي هاجر إليها وفي السراج المنير يجد سعة من الرزق كما قال صلى الله عليه وسلم :" صوموا تصحوا وسافروا تغنموا " أخرجه الطبراني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه ولفظه :" اغزوا تغنموا وهاجروا تفلحوا " أهـ وفي عرائس البيان عند قوله تعالى :{ فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم } في هذه الآية أشار إلى تنزيه الأرواح من المخاطرات وتقديس الأشباح من الشهوات هاجروا من غير الله تعالى إلى الله سبحانه وتعالى ثم أن الله تعالى حث الأعداء بإخراجهم ديارهم لحب غربة العاشقين الصادقين كي لا يركنوزا بالطبع والحب إلى الإخوان والأوطان أهـ . وقال عند قوله تعالى :{ يا عبادي الذي آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون } قال سهل : إذ عمل بالمعاصي والبدع في أرض فاخرجوا منهاإلى أرض المطيعين أهـ . وقال تعالى :{يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون والذين آمنوا وعملوا الصالحات لنبوأنهممن الجنة غرفا تجري من تحتها الانهار خالدين فيها نعم أجر العاملين الذين صبروا وعلى ربهم يتوكلون وكأين من دابة لا تحمل رزقها الله يرزقها وإياكم وهو السميع العليم } قال في السراج المنير ولما ذكر الله تعالى حال المشركين على حدة وحال أهل الكتاب على حدة وجعلهما في الإنذار وجعلهما من أهل النار اشتد عنادهم وزاد فسادهم وسعوا في إيذاء المؤمنين ومنعهم من العبادة قال تعالى : { يا عبادي الذين آمنوا } فشرفهم بالإضافة إليه { إن أرضي واسعة } في الذات والرزق وكل ما تريدون من الرفق أن تتمكنوا بسبب هؤلاء المعاندين الذين يفتنونكم في دينكم قال مقاتل والكلبي : نزلت في ضعفاء مسلمي مكة يقول الله تعالى إن كنتم في ضيق بمكة من إظهار الإيمان فاخرجوا منها فإن الدينة واسعة وآمنة وقال مجاهد إن أرضي واسعة فهاجروا وجاهدوا فيها . وقال سعيد بن جبير : إذا عمل في الأرض بالمعاصي فاخرجوا منها فإن أرضي واسعة . قال صاحب السراج : وكذا يجب على كل من كان في بلد يعمل فيه بالمعاصي ولا يمكنه تغيير ذلك أن يهاجر إلى حيث تتهيأ له العبادة قال : وقيل : نزلت في قوم تخلفوا عن الهجرة بمكة وقالوا : نخشى إن هاجرنا من الجوع وضيق المعيشة فأنزل الله تعالى هذه الآية ولم يعذرهم بترك الخروج وقال : قال مطرف بن عبد الله : إن أرضي واسعة ورزقي لكم واسع فاخرجوا . وروى الثعلبي عن الحسن البصري مرسلا : من فر بدينه من أرض إلى أرض ولو كان شبرا استوجب الجنة وكان رفيق إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وسلم قال : ولما كانت الإقامة بمكة قبل الفتح مؤدية إلى الفتن قال تعالى : {فإياي فاعبدون} أي خاصة بالهجرة إلى أرض تأمنون فيها وقيل : {فاعبدون} أي وحدوني وإن كان بالهجرة وكانت هجرة الأهل والأوطان شديدة قال : فإن قيل : فما معنى الفاء في فاعبدون ؟ أجيب بأن الفاء جواب شرط محذوف لأن المعنى : إن أرضي واسعة إن لم تخلصوا إلي العبادة بأرض فأخلصوها في غيرها ، قال : ولما أمر الله تعالى عباده بالحرص على العبادة وصدق الاهتمام حتى يطلبوا إليها أوفق البلاد وإن شسعت وشق عليه ترك الأوطان ومفارقة الإخوان خوفهم بالموت لتهون عليهم الهجرة بقوله : {كل نفس ذائقة الموت} أي كل نفس مفارقة لما ألفته حتى بدنا طالبا لبسته وأنسته وآنسته فإن أطاعت ربها نجت نفسها ولم تنقصها الطاعة من الأجل شيئا وإلا أوبقت نفسها ولم تزدها المعصية في الأجل شيئا قال : فإذا قدر الإنسان أنه ميت سهلت عليه الهجرة فإنه إن لم يفارق بعض مألوفه بها فارق كل مألوفه بالموت وقد ورد : "أكثروا من ذكر هادم اللذات أي الموت فإنه ما ذكر في قليل من العمل إلا كثر ولا ذكر في كثير من أمل الدنيا إلا قلله" وقال : لما هون أمر الهجرة وحذر من أرض تغيره في دينه بنوع نقص شيء من الأشياء حث على الاستعداد بغاية الجهد في التزود للمعاد بقوله تعالى : {ثم إلينا ترجعون} على أيسر وجه فنجازي كلا بما عمل {والذين آمنوا وعملوا الصالحات} تصديقا لإيمانهم {لنبويئنهم} أي لننزلنهم {من الجنة غرفا} أي بيوتا عالية وقال : لما كانت العلالي لا تروق إلا بالرياض قال : {تجري من تحتها الانهار} ومن المعلوم أن يكون في موضع أنهار لا يكون فيها بساتين كبار أو زروع ورياض وأنهار فيشربون من تلك العلالي عليها وقال : ولما كانت بحالة لا نكد فيها يوجب هجرة لوقوعها في لحظة ما كني عنه بقوله : {خالدين فيها لا يبغون عنها حولا} قال : ثم عظم قدرها وشرف أمرها بقوله تعالى : {نعم أجر العاملين} أي هذا الأجر ثم وصفهم بما يرغب في الهجرة بقوله : {الذين صبروا} أي أجروا هذه الحقيقة حتى استقرت عندهم فكانت سجية لهم فأوقعوها على كل شاق من التكاليف من عجزة وغيرها فإن الاشتياق قل أن ينفك عن أمر شاق ينبغي الصبر عليه . قال : ثم رغب بالاستراحة بالتفويض إليه بقوله : {وعلى ربهم} الحسن إليهم وحده لا على أهل ولا وطن {يتوكلون} أي يوجدون التوكل إيجادا مستمرا لتجديد كل منهم يفوض له ولما أشار بالتوكل إلى أنه الكافي في أمر الرزق في الوطن والغربة لا مال ولا أهل قال عاطفا على تقديره : وكأين من متوكل عليه كفاف ولم يحوجه إلى أحد سواه فليبادر لمن أنقذه من الكفر وهداه إلى المبادرة طلبا لرضاه {وكأين من دابة} أي كثير من الدواب العاقلة وغيرها {لا تحمل رزقها} أي لا تطيق أن تحمل رزقها أي لا تدخر شيئا لساعة أخرى فكأنه قيل : فمن يرزقها ؟ قيل : {الله} أي المحيط علما وقدره المتصف بكل كمال {يرزقها} على ضعفها وهي لا تدخر {وإياكم} مع قوتكم بادخاركم واجتهادكم لا فرق بين رزقه لها على ضعفها وعدم ادخارها ورزقه لكم على قوتكم وادخاركم فإنه هو المسبب وحده فإن الفريقين تارة يجدون وتارة لا يجدون فصار الادخار وعدمه غير معتد به ولا منظور إليه {وهو السميع} لأقوالكم فلا تخشوا الفقر والضيعة {العليم} بما في ضمائركم ، انتهى كلام السراج ملخصا . قال ابن جزي في قوانين الأحكام الشرعية ومسائل الفروع الفقهية على مذهب إمام المدينة مالك بن أنس من الباب الرابع عشر في حكم السفر وفيه فصلان : الفصل الأول في أنواعه وهو ضربان : هرب وطلب أما الهرب من دار الحرب إلى دار الإسلام والخروج من دار البدعة والخروج من أرض غلب عليها الحرام والفرار من الإذاية وهي في البدن والأهل والمال اهـ . وفي عرائس البيان في حقائق القرآن عند قوله تعالى : {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} ومن يخرج نفسه زمن الإرادة من جوار المدعين تعودت نفسه عادة الظلم في الدعاوي الباطلة ويقع عليه ما يقع على المدعين الكاذبين ، قال أبو عثمان : مجاورة الفساق وأهل المعاصي من غير ضرورة فسق ظاهر ومعصية مستمرة في القلب لأن الله تعالى ذم قوما من عباده فقال : {وسكنتم في مساكن الذين ظلموا أنفسهم} ولم يعذر من أقام فيها فقال : {ألم تكن ارض الله واسعة فتهاجروا فيها} ويقال أن معاشرة أهل الهوى والفسق ومجاورتهم مشاركة لهم في فعلهم ويستقبل فاعله ما استقبلوه اهـ . قلت : وقوله : من غير ضرورة والضرورة المجاورة له أن يقيم من لا يمكنه الانتقال أصلا بحيلة من الحيل كما قال تعالى : {إلا المستضعفين من الرجال والنساء والولدان لا يستطيعون حيلة ولا يهتدون سبيلا فأولئك عسى الله أن يعفو عنهم} . وقال في بهجة النفوس عند تكلمه على قوله صلى الله عليه وسلم : "لا هجرة بعد الفتح" : ظاهر الحديث يدل على أن الهجرة قد انقطعت بعد الفتح لكن له معارضا آخر وهو قوله صلى الله عليه وسلم : "الهجرة باقية إلى يوم القيامة" والجمع بينهما والله تعالى أعلم أن يقال : الهجرة من مكة إلى المدينة والإقامة بها مع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم والجهاد بين يديه قد انقطعت لا تكون أبدا وأما غيرها من أنواع الهجرة فذلك باق لم يزل من دار الكفر إلى دار وكذلك أيضا الخروج من مكان غلب فيه المنكر إلى موضع ليس فيه ذلك يشهد لذلك قوله صلى الله تعالى عليه وسلم : "سيأتي على الناس زمان لا يسلم لذي دين دينه إلا من فر من شاهق إلى شاهق من أجل الدين" فهذه هجرة لا شك فيها ثم قال صلى الله تعالى عليه وسلم : "الهجرة والعمل في الهرج كالهجرة معي" أي عمل وأي هجرة أعظم من الفرار بالدين من شاهق إلى شاهق لكن هذه الهجرة إنما وقع التشبيه بينها وبين الهجرة الأولى في تضعيف الثواب والأجر وأما تلك الهجرة فقد مضت لأصحابنا وهي مثل الصحبة لا تكون لغير الصحابة أبدا لقوله تعالى :{ والذين آمنوا وهاجروا وجاهدوا في سبيل الله والذين آووا ونصروا أولئك هم المومنون حقا لهم مغفرة ورزق كريم } ثم قال :{ والذين آمنوا من بعد وهاجروا وجاهدوا معكم فأولئك منكم } نعم قد يجتمعان في المعنى وهو أن العمدة فيهما على الفرار من موضع كثرت فيه المخالفة إلى موضع يرجى فيه الخير وقال بعد كلام : في الحديث إشارة صوفيه أن قال : وقد أخبر صلى الله عليه وسلم في غير هذا الحديث بأن الجهاد جهادان أكبر وأصغر وقال صلى الله عليه وسلم :" هبطتم من الجهاد الأصغر إلى الجهاد الأكبر وهو جهاد النفس " فإذا كان الجهاد على قسمين فكذلك يلزم في الهجرة أن تكون كبرى وصغرى فالصغرى ما تقدم ذكرها والكبرى هجرة النفس عن مألوفاتها وشهواتها وإخولنها وبينها وردها إلى الله تعالى في كل أـحوالها وقد نص الله عز وجل في كتابه حيث قال :{ قل إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارة ترجون كسادها ومساكن ترضونها أحب إليكم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربصوا } أهـ . قلت : أطبق المفسرون على أن يبب نزول هذه الآية قول الذين أسلموا ولم يهاجروا إن نحن هاجرنا ضاعت أموالنا وذهبت تجارتنا وخربت دورنا وقطعت أرحامنا لأجل هذا قال في السراج المنير : {قال} يا محمد لهؤلاء الذين قالوا هذه المقالة { إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم } أي قرابتكم { وأموال اقترفتموها } أي اكتسبتموها { وتجارة تخشون كسادها } عدم نفاقها لفراقكم لها { ومساكن ترضونها } تستوطنونها رضي بسكناها { أحب إليكم من الله ورسوله } أي الهجرة { وجهاد في سبيله } فقعدتم لأجل ذلك عن الهجرة والجهاد أي إن كانت رعاية هذه المصالح الدنيوية أولى عندكم من طاعة الله ورسوله صلى الله عليه وسلم ومن المجاهدة في سبيل الله تعالى { فتربصوا } أي انتظروا متربصين وهو تهديد بليغ حتى ياتي الله بأمره أي عقوبة عاجله وآجله { والله لا يهد القوم } أي لا يخلق الهداية في قلوب {القوم الفاسقين} الخارجين عن طاعته ثم قال : وفي هذا دليل على أنه إذا وقع تعارض بين مصالح الدين ومصالح الدنيا وجب على المسلم ترجيح مصالح الدين على مصالح الدنيا أهـ . ثم قال ابن أبي جمرة : فالزهد في هذه الأشياء وخلو القلب منها هو المطلوب أهـ . قلت : ولا شك أن الأمر كما قال رضي الله عنه المؤمن لا يمنعه من الهجرة من الأماكن التي تجب الهجرة منها إلا كراهته مفارقة بعض مألوفاته ولو علم أنها كلها غرور بدله من مفارقتها كلها بالموت إن لم يفارق بعضها بالهجرة لزهد فيها ومن زهد فيها لا تصده حينئذ عن شيء من طرق السلامة والغنيمة من هجرة وغيرها وحيث كان الأمر هكذا فاعلم يا أخي أن كل مكن أراد التمسك بالسنة المحمدية في هذا الزمان الذي فسدت فيه الأمة ومن تصدى فيه للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثقل على القلوب ورمي بالكذب وساءت فيه الظنون وقصد بالأذى والقتل ولما ذكرنا قال حذيفة رضي الله تعالى عنه : يأتي على الناس زمان تكون جيفة حمار أحب إليهم من مؤمن يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر ولما ذكر بعض العلماء هذا الأثر في تأليفه قال : والله أن هذا لهو الزمان الذي ذكره حذيفة لأن من تصدى في هذا الزمان للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ثقل على القلوب وإن كان خفيفا وسمج في العيون إن كان لطيفا ورمي بالكذب وساءت فيه الظنون وقصد بالأذى وكثرت أعداؤه وقلت أصدقاؤه ورمي في مهارى الردى وأعملت الفكر في كيفية الخلاص منه والراحة من مشاهدته بل في قتله واسئصال شافته إلى أن قال وانظر إلى قوله تعالى حكاية عن وصية لقمان لابنه : { وآمر بالمعروف وانه عن المنكر واصبر على ما أصابك } تعلم أن الآمر والناهي لابد أن يجعل له من الصبر حصنا حصينا ومن الاحتمال أمينا وأن يوطن نفسه على تجرع كؤوس من المررات وتجنب حلاوة المداهنات والمداراة وأن يمرن نفسه على هجر الخلق في جنب الله تعالى ويقنع في كل أحواله بنظر الله تعالى وألا يأسف على من قلاه لذلك ويثق بكفالة الحق ويتوكل على الله تعالى فهو حسب من توكل عليه وفوض إليه في جميع أحواله لرجوع الأمور كلها إليه والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم وإذا تقرر هذا وثبت أن التمسك بالسنة لا يتيسر لمن أقام بين ظهر أهل المناكر الظاهرة التي لا يمكن له تغييرها وأنه إذا تصدى للتغيير وهو مقيم فيه مع هجره صار متلاعبا آثما مستحقا للعذاب وأنه إن كان صادقا بالحب والبغض في الله تعالى فلا بد له من هجرهم وإذا هجرهم في الله تعالى ورأوا منه تغير المنكر سعوا في إضراره بكل ممكن وإذا طلب السلامة من عذاب الدنيا والبرزخ والآخرة فلابد له من الهجرة وإذا هاجر فارا بدينه صادقا بذلك يثبته الله تعالى بالشهادة إما من وجه واحد من الأوجه التي تنال بها الشهادة أو بوجوه كثيرة تجتمع بها أنواع من الشهادة فبهذا اتضح وظهر ظهورا لا غبار عليه أنه لا أحمق ولا أجهل ولا أسفه ولا أخسر ممن صده غرض من أغراض هذه الدنيا الدنية الفانية التي لا تساوي عند الله تعالى جناح بعوضة عن الهجرة من أماكن أهل المناكر التي يشاهدها ليلا ونهارا ولا يمكن تغييرها ووجه كون المهاجر لله تعالى وحده ينال الشهادة بل شهادات قطعا بين بأنه بهجرته إلى الله تعالى ورسوله شرع في الجهاد الأكبر الذي هو جهاد النفس فكل ما يناله في ذلك ويصيبه فهو في سبيل الهل تعالى فإذا مات حتف أنفه مات شهيدا لكونه غريبا عن وطنه ولغربة الدين أيضا بنص الحديث في هذا الزمان وإن قاتل وقتل في ذلك سواء قاتله مسلم ظالم فقتله الظالم وهو يدافع عن نفسه أو عن ماله أو أهله فهو في جميع ما ذكر شهيد ومن تحزب عليه الظلمة الفسقة إرادة صده عن سبيل الله تعالى لإرادة إصلاح نفسه وقاتلوه وقاتلهم دفاعا عن نفسه فقتلوه فهو شهيد أو قاتله كافر أو كفار بذلك فقاتلهم فقتلوه فهو شهيد وإذا من الله تعالى عليه بالوصول إلى دخول حضرة الله تعالى وأحب الله وخافه كما ينبغي ثم مات كان سيدا من سادات الشهداء ويفوق شهداء المعترك والسيف بمراتب لا حصر لها وكذا إذا رزقه الله تعالى الكمال والتمسك بالسنة المحمدية عند فساد هذه الأمة . وفي كتاب سلم الرضوان لذوق حلاوة الإيمان : وأما الشهداء فهم أنواع كثيرة أفضلهم شهداء المحبة والخوف كابن معتب قال : وقد صنف السيوطي في عددهم كتابا سماه بكتاب التشوق إلى شهداء المحبة والخوف إلى أن قال : ومن الشهداء شهداء المحبة والخوف إلى أن قال : ومن الشهداء شهداء المعترك وهم الذين بذلوا أنفسهم وأموالهم في سبيل الله تعالى وهم أنواع كثيرة منهم الذين استشهدوا في سبيل الله تعالى ومن قام إلى إمام جائر وأمره بالمعروف ونهاه عن المنكر وقتله فهم سبعون نوعا أفضلهم المتمسك بالسنة عند فساد الأمة قال عليه الصلاة والسلام : "المتمسك بالسنة عند فساد الأمة له أجر مائة شهيد" قالوا : منا أو منهم يا رسول الله ؟ قال : "بل منكم" وأفضل الشهداء النبيين من كشف له الحجاب حتى شاهد الملك الوهاب اهـ . قلت : وإذا اتضح وتقرر وظهر وتحرر أن المهاجر لله تعالى الفار بدينه المخلص في ذلك القائم بإصلاح نفسه المقبل على الله تعالى المدبر عن السوى مجاهد الجهاد الأكبر ومتعرض للجهاد الأصغر بل داخل فيه كما مر وحيث كان ذلك فلا شك أن ربه الكريم يتفضل عليه بجميع أنواع الشهادة أو بعضها وحيث كان الأمر كما ذكرنا قلنا : إيراد كلام صاحب الكتاب مشارع الأشواق إلى مصارع دار العشاق ومثير الغرام إلى دار السلام لأنه ما فصل إلا ما أجمله الله تعالى حيث خوّف عباده المؤمنين بالموت لأنه من علم أنه ميت لا نجاة له منه سهلت عليه الهجرة لعلمه أنه إن لم يفارق بعض مألوفاته بالهجرة فارق كل مألوفاته بالموت ، وقال تعالى : {يا عبادي الذين آمنوا إن أرضي واسعة فإياي فاعبدون كل نفس ذائقة الموت} كما تقدم في تفسير الآية لأن الهجرة تستدعي الجهاد فلذلك تذكر عند ذكر الجهاد والقتال ونحوهما لأن الإنسان لا يصده عن مفارقة شيء واحد إلا مفارقة ما سنذكره بعد إما بموت أو قتل أو تغرب وأكبر ما يصيب المؤمن الراغب في النجاة من النيران ودخول الجنة ونيل الرضوان ودخول حضرة الرحمن مفارقة بعض مألوفاته الدنيوية بالهجرة إلى الله تعالى أو الموت فيها أو القتال لأجلها لا يتجاوز هذه الثلاثة وكونه مهاجرا غريبا في سبيل ربه لو قتل فيه هو رأس المطالب وغاية من ينال من المآرب لأنه شهادة لأنه إما أن يموت في هجرته وهو طالب علم أو متمسك بالسنة عند فساد الأمة أو يقتل دون دمه أو دون أهله وماله أو يموت غريبا أو يقتله إمام جائر لأمره بمعروف أو نهيه عن منكر ونحو هذا مما لا يعد وقد تقدم بعضها وكل واحد منها شهادة والشهادة مطلوبة لكل عاقل لأنها هي العافية والعافية مطلوبة على أي حالة حصلت . وفي القواعد الزروقية : مقتضى الكرم أن تحفظ النسبة للمنتسب على أي وجه طلبه ويشهد لذلك : "أنا عند ظن عبدي بي" ومن ثم قيل أن عافية من ابتلي من الأكابر في بلائه إذ لا حاجة له في سوى رضا ربه ورضاه عنه بأي وجه كان بل يطلب لقاءه على وجه يرضاه وإن كان فيه حتفه ، ألا ترى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه حيث كان يطلب الشهادة فأعطيها وعثمان رضي الله تعالى عنه اختار القتل ظلما لحقن دماء المسلمين وتعجيل لقاء أصحابه ونبيه وغير لهذه الأمة قال : اللهم لا تنس معاذا وأهله من هذه الرحمة فأخذته وبائية في كفه يغمى عليه ثم يفيق ويقول : اخنق خنقا فوعزتك إني أحبك إلى غير ذلك ولما قتل الحجاج سعيد بن جبير رحمه الله تعالى قال سعيد : أنا آخر الناس قتيلا لك فقال : قد قتلت من هو أفضل منك قال سعيد : أولئك كانت قلوبهم في الدار الآخرة فلم يبالوا بل كانوا أحرص الناس على قربهم منها وأنا قلبي متعلق بنفسي فقتله فكان آخر قتيل له بدعوته فظهر الفرق وإن عافية كل أحد بحسب حاله ومعاملة الحق له على حسب انتسابه اهـ . وإذا تبين أن التلف في الله تعالى يكون سببا للسعادة الأبدية فاعلم أيها الراغب عما افترض عليه من الهجرة الناكد على سنن التوفيق والسداد أنك قد تعرضت للطرد والإبعاد حرمت والله الإسعاد بنيل المراد ليت شعري هل سبب إحجامك عن الهجرة واقتحامك عن معارك الأبطال وبخلك في سبيل الله تعالى بالنفس والمال إلا طول أمل وخوف وهجوم أجل أو فراق محبوب من أهل أو مال أو ولد أو خدم أو عيال أو أخ لك شقيق أو قريب عليك شفيق أو ولي كريم أو صديق حميم أو ازدياد من صالح الأعمال أو حب زوجة ذات حسن وجمال أو جاه منيع أو منصب رفيع أو بناء مشيد أو ظل مديد أو ملبس بهي أو مأكل هني ليس غير هذا يقعدك عن الهجرة ولا سواه يبعدك عن رب العباد وتالله ما هذا أيها الأخ منك بجميل ألا تسمع قوله تعالى : {يا أيها الذين آمنوا ما لكم إذا قيل لكم انفروا في سبيل الله اثاقلتم إلى الارض أرضيتم بالحياة الدنيا من الاخرة فما متاع الحياة الدنيا في الاخرة إلا قليل} اصغ لما أملي عليك من الآمال القاطعة واستمع لما ألقي عليك من البراهين الساطعة لتعلم أنه ما يقعدك عن الهجرة سوى الحرمان وليس لتأخيرك سبب إلا النفس والشيطان أما سكونك إلى طول الأمل وخوفك هجوم الأجل والاحتراز من الموت الذي لا بد من نزوله والإشفاق من الطريق الذي لا بد من سلوك سبيله فوالله إن الإقدام لا ينقص عمر المقدمين كما لا يزيد الإحجام عمر المتأخرين قال تعالى :{ ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستاخرون ساعة ولا يستقدمون } { ولن يوخر الله نفسا إذا جاء أجلها والله خبير بما تعملون} { كل نفس ذائقة الموت ثم إلينا ترجعون } وإن للموت سكرات أيها المفتون وإن هول المطلع لشديد ولكن لا تشعرون وإن للقبر عذابا لا ينجوا منه إلا الصالحون وإن فيه لسؤال الملكين الفاتنين يثبت الله الذين آمنوا بالقول الثابت في الحياة الدنيا وفي الآخرة ويضل الله الظالمين ثم بعد ذلك الخطر العظيم إما سعيد فإلى النعيم المقيم وإما شقي فإلى عذاب الجحيم والشهيد آمن من جميع ذلك ولا يخشى شيئا من هذه المهالك وقد قال صلى الله عليه وسلم :" لا يجد الشهيد ألم القتل إلا كمس القرصة فما يقعدك أيها الأخ عن انتهاز هذه الفرصة ثم تجار في القبر من العذاب وتفوز عند الله بحسن المآب وتأمن من فتنة السؤال وما بعد ذلك من الشدائد والأهوال فالشهداء أحياء عند ربهم يرزقون لا خوف عليهم في الآخرة ولا هم يحزنون فرحين بما أتاهم الله من فضله مستبشرين أرواحهم في جوف طيور خضر تسرع في عليين وكم بين هذا القتل الكريم وبين الموت الأليم . إن قلت : يعوقني أهلي ومالي وأطفالي وعيالي فقد قال تعالى قولا بينا لا يخفى :{ وما أموالكم ولا أولادكم بالتي تقربكم عندنا زلفى } وقد قال :{ زين للناس حب الشهوات من النساء والبنين والقناطير المقنطرة من الذهب والفضة والخيل المسومة والأنعام والحرث ذلك متاع الحياة الدنيا والله عنده حسن المآب }{ اعلموا أنما الحياة الدنيا لعب ولهو وزينة وتفاخر بينكم وتكاثر في الأموال والاولاد كمثل غيث اعجب الكفار نباته ثم يهيج فتراه مصفرا ثم يكون حطاما وفي الآخرة عذاب شديد ومغفرة من الله ورضوان وما الحياة الدنيا إلا متاع الغرور } وفي الحديد لو أن الدنيا تزن عند الله تعالى جناح بعوضة ما سقى منها كافر جرعة ماء وقال صلى الله عليه وسلم :" موضع سوط أحدكم من الجنة خير من الدنيا وما فيها وغدوة في سبيل الله تعالى وروحة خير من الدنيا وما فيها وخمار جارية من الجنة خير من الدنيا وما فيها " فكيف يصدك عن هذا الملك العظيم أهل عن قليل يكونون في الأموات تمزقهم أيدي الشتات وتفرقهم نوازل الآفات مع ما يصدر عنهم من المنكر والعداوات والأخلاق السيئات والحقد على ما عرضت من حقوقهم للفوات وهجرانهم إياك عند قلة المال وتحولهم عن ودك عند تغير الأحوال وأعظم من ذلك فرارهم منك في المال ومحاسبتهم إياك عن مثاقيل الذر في السؤال حتى يود كل واحد منهم لو نجى وحملك ما عليه من الذنوب والأثقال أم كيف يصدك مال هو في معرض الذهاب والزوال ينفر منك عند فقده الأخلاء ويتفرق العيال ويهجرك كل صديق كان يكثر لك الوصال ثم يوم القيامة تسأل من أين اكتسبته وفيم أنفقته ويا له من سؤال يوم تشيب فيه الطفال وتعظم فيه الأهوال ويكثر فيه الزحام ويشتد فيه الخصام وتذهل كل مرضعة عن ما أرضعت وتضع كل ذات حمل حملها من هول ذلك المقام ويعرف المجرمون بسيماهم فيؤخذ بالنواصي والأقدام أفتحزن على مال إن قل أو كثر همك وعيناك أو كثر فأغناك وأطغاك وإن مت وتركته أرداك وبين يديك موقف للحساب وما أدراك إن وهب لك الدنيا بحذافيرها أليس إلى الفناء مصيرها ولا بد من فراقك لها وإن ركنت إلى غرورها وإن تذكرت ولدك الكريم وحنوت عليه حنو الأب الشفيق الرحيم فقد قال تعالى :{ إنما أموالكم وأولادكم فتنة والله عنده أجر عظيم } والله تعالى لا إله إلا هو سبحانه أرحم بالولد من أبيه وأمه وأخيه وعمه وكيف لا وهو قد رباه قبلهم بثدي رحمته في ظلمات الأحشاء وقلبه بيد لطفه ورأفته في أرحام الأمهات وأصلاب الآباء فأين كانت سفقتك إذ ذاك وحنوك وبعدك عنه ودنوك وكيف يقعدك عن دار النعيم وجوار الرب الكريم ولد إن كان صغيرا فأنت به مهموم أو كبيرا فأنت به مغموم أو صحيحا فأنت عليه خائف أو سقيما فقلبك عليه راجف إن أدبته غضب وشرد أو نصحته حرد وحقد مع ما تتوقع من العقوق المعتاد من كثير من الأولاد إن قدمت جبنك وإن سمحت بخلك وإن رهوت رغبتك عظمت به الفتنة وأنت تعدها منية وعم به البلاد وأنت تراه من النعماء تود سروره بهمك وفرحه بحزنك وربحه بخسرانك وزيادة درهمه وديناره بخفة ميزانك تتكلف من أجله ما لا تطيق وتدخل بسببه في كل مضيق ألقه يا هذا عن بالك إلى الذي خلقك وخلقه وتوكل في رزقه بعدك على الذي رزقك ورزقه وقل أسلمت إلى الله تعالى تدبيره في الملك والملكوت ولا تسلم إليه تدبير ولدك بعدما تموت فهل إليك من تدبير قليل أو كثير ولله ملك السماوات والأرض وما بينهما وإليه المصير والله لا تملك لنفسك ولا له نفعا ولا ضرا ولا موتا ولا حياة ولا نشورا ولا تستطيع أن تزيد في عمره يسيرا ولا في رزقه نقيرا وقد تفترسك المنية بغتة فتمسي في قبرك صريعا وبعملك أسيرا وسصير ولدك العزيز بعدك يتيما ويقسم مالك وإرثك عدوا كان أو رحيما ويفترق عيالك ظاعنا أو مقيما يا ليتني كنت مع الشهداء فأفوز فوزا عظيم فيقال لك : هيهات هيهات فات ما فات وعظمت الحسرات وخلوت بما قدمت من سيئات أو حسنات فاسمع قول الله العزيز الغفور محذرا مما أنت فيه من الغرور يا أيها الناس اتقوا ربكم واخشوا يوما لا يجزي والد عن ولده ولا مولود هو جاز عن والده شيئا إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا زلا يغرنكم بالله الغرور هذا وإن كان ولدك من السعداء فستجمع بينك وبينه الجنان وإن كان من الأشقياء فليكن الفراق من الأوان لا يجتمع أهل الجنة مع أهل النار ولا الأخيار مع الأشرار ولعل الله تعالى يرزقك الشهادة فتشفع فيه وتكون بفراقك له ساعيا في أن تنجيه واحرص على ما ينجيك من العذاب واجهد فيه فقد يفر المرأ من أبيه وأمه وأبيه وصاحبته وبنيه لكل مرئ منه يومئذ شأن يغنيه إن هذا لهو البيان العظيم والله يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وإن قلت : يشق علي فراق الأخ والقريب والصديق والحبيب فكأنك بالقيامة قد قامت على الخلق أجمعين والأخلاء بعضهم لبعض عدو إلا المتقين فإن كانت الصداقة لله تعالى فسيجمع بينكما عليون في نعيم أنتم فيه خالدون وإن كانت الصحبة لغير الله تعالى فالفراق الفراق من قبل أن يحشر الرفاق إن المرء في الآخرة مع محبوبه لمشاركته إياه في مطلوبه فإن كان من الأتقياء نفعه إخاؤه وأعلاه وإن كان من الأشقياء ضره وأرداه مع ما يتوقع في هذه الدار من الأقرباء والأصدقاء من الضرر والجفاء وقلة الوفاء وكثرة الكدر وعدم الصفاء وتغيرهم لديك وتلونهم عليك وإساءتهم وهجرانهم إياك عند عكس الأغراض وما تكنه قلوبهم من العلل والأمراض وإن وقعت في شدة تخلفوا عنك وإن وقعت في زلة تبرءوا منك إخوان السراء وأعداء الضراء صداقتهم مقرونة بالفناء وصحبتهم مشحونة بالعناء إن قل مالك ملوك فما أخوك أخوك وإن شككت في شيء من هذا البيان فسيظهر لك يقينا عند الامتحان وإن ظفرت يداك منهم باح من إخوان الصفا وأين ذاك أو خل من خلان الوفا وما أدراك فأنتما غدا كما قال أصدق القائلين : {ونزعنا ما في صدورهم من غل اخوانا على سرر متقابلين} فلا يقعدنك عن هذه الهجرة حبيب أو قريب فربما افترقتما قبل المغيب لفاتك الثواب العظيم وبان عنك الصديق الحميم وحرمت ما ترومه من الدرجات وندمت فلم يغنك الندم على ما فات وفي الحديث أن جبريل عليه السلام قال للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم : يا محمد إن الله تعالى يقول لك : "عش ما شئت فإنك ميت وأحبب من شئت فإنك مفارقه واعمل ما شئت فإنك مجازى به" فانظر ما اشتملت هذه الكلمات اليسيرة من ذكر الموت وفراق الأحبة والجزاء على الأعمال أبعد هذا الإنذار إنذار إن في ذلك لعبرة لأولي الأبصار . فإن قلت : فيقعدني منصبي وجاهي الرفيع وعزي وحجابي المنيع فليت شعري كم فارق منصبك محب إلى أن وصل إليك وكم زال عن مغتبط به إلى أن ظل عليك وسيبين عنك ما بهم بان وكأنك بذلك وقد كان فإذا أنت بفراقة ثكلان وقلبك معمور بالحسد وصدرك مغمور بالأحزان فلم يدم لك ما أنت فيه من المنصب والجاه ولم تفز بما أنت طالبه من أسباب النجاه وإن كان لآخر من يخرج من النار ويدخل الجنة بعد الداخلين مثل ملك أعظم من ملوك الدنيا وعشرة أمثاله معه أجمعين فما ظنك بمن يكون مع السابقين الأولين من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين مع ما يخفى عليك مما في المنصب من النصب والتعب وشر العافية وسوء المنقلب وما تكسب من كثرة الأعداء والحساد وما اشتملت عليه بواطنهم من الضغائن والأحقاد وشماتتهم بك عند زواله وتلهفك حزنا على ما فات من إقباله وزوال أكثر حشمك وخدمك وإعراض من كان يسر بتقبيل قدمك ، قد روي أن في الجنة يأتي الملك الكريم بمنشور من الرب العظيم فيه مكتوب : من الحي الذي لا يموت إلى الحي الذي لا يموت يا عبدي أنا أقول للشيء كن فيكون وقد جعلتك تقول للشيء كن فيكون . وفي الحديث : "إن أدنى أهل الجنة منزلة من يقف على رأسه خمسة عشر ألف خادم وإن أدنى لؤلؤة على رأس أحدهم لتضيء ما بين المشرق والمغرب" وروى الترمذي وابن ماجه في صحيحه : "أدنى أهل الجنة الذي له ثمانون ألف خادم واثنتان وسبعون زوجة وتنصب له قبة من لؤلؤ وزبرجد وياقوت كما بين الجابية إلى صنعاء" واسمع قول العزيز الغفار : {والملائكة يدخلون عليهم من كل باب سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار} تالله هذا ما تقربه العيون ولمثل هذا فليعمل العاملون . وإن قلت : يشق علي فراق قصري وظله وبناؤه المشيد وعلو محله وحشمه فيه وخدمه وسروره ونعمه فليت شعري هل هو إلا بيت من طين وحجر وتراب ومدر وحديد وخشب وجريد وقصب إن لم يكنس كثرت فيه القمامة وإن لم يسرج فما أشد ظلامه وإن لم يتعاهد بالبناء فما أسرع انهدامه وإن تعهدته فمآله إلى الخراب وعن قريب يصير إلى التراب يتفرق عنه الذي كان وينتقل عنه القطان ويعقى أثره ويندرس خبره ويمحى رسمه وينسى اسمه ، وقد روي أن الله عز وجل لما أهبط آدم عليه السلام إلى الأرض قال له : "ابن للخراب ولد للفناء" ، وفي الخبر أن لله تعالى ملكا ينادي كل يوم : "لدوا للموت وابنوا للخراب" أتبدل أيها المغرور قصرك مع سرعة فنائه بدار باقية قصورها عالية وأنوارها زاهية وأنهارها جارية وقطوفها دانية وأبراجها متدارية وإن سألت عن بنائها فلبنة من فضة ولبنة من ذهب لا صخب فيها كلا ولا نصب وإن سألت عن حصبائها فاللؤلؤ والجوهر وإن سألت عن أنهارها فأنهار من لبن وأنهار من عسل ونهر الكوثر وإن سألت عن قصورها فالقصر من لؤلؤة مجوفة طولها سبعون ميلا في الهواء وزبرجدة خضراء باهرة السنا أو ياقوتة حمراء عالية البناء وللمؤمن في كل زاوية من زواياها أهل وخدم لا يبصر بعضهم بعضا لسعة الفناء وإن سألت عن فراشها فمن استبرق بطائنها فما ظنك بظاهرها وهي مرتفعة بين الفراشين أربعون سنة وليس فيها نوم ولا سنة بل عليها متكئون مقبل بعضهم على بعض يتساءلون ، إن سألت عن أكلها فموائد موضوعة أكلها على الدوام ثمارها لا مقطوعة ولا ممنوعة لطول المقام بل فاكهة نضيجة مما يتخيرون ولحم طير مما يشتهون ويسقون فيها من رحيق مختوم ختامه مسك وفي ذلك فليتنافس المتنافسون ولا يتغوط أهلها ولا يبولون ولا يبصقون ولا يتمخطون كلهم يرشح من جلودهم كالمسك ريحا ولونا كالجمار وإن سألت عن خدمها فالولدان المخلدون إذا رأيتهم حسبتهم لؤلؤا منثورا وإذا ثم رأيت نعيما وملكا كبيرا عاليهم ثياب سندس خضر واستبرق وحلوا أساور من فضة وسقاهم ربهم شرابا طهورا إن هذا كان لكم جزاء وكان سعيكم مشكورا . وبالجملة فكلما ذكرت لك هو كما جاء في الخبر وإلا ففي الجنة ما لا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على بشر وإن سألت عن بقائهم في هذا النعيم والمقام الكريم الجسيم فهم فيه أبدا خالدون أحياء لا يموتون شبان لا يهرمون أصحاء لا يسقمون فرحون لا يحزنون راضون لا يسخطون من خوف القطيعة والطرد آمنون في مقام أمين دعواهم فيها سبحانك اللهم وتحيتهم فيه سلام وآخر دعواهم أن الحمد لله رب العالمين فقس بعقلك بين هذا الملك العظيم الخطير وبين قصرك ذي العمر القصير والقدر اليسير وانظر إذا فارقته بالهجرة أو بالشهادة أو بهما مع إلى ما تصير إن المقام في ما أنت فيه لغرور ولا ينبؤك مثل خبير . وإن قلت : أرغب في التأخير لإصلاح العمل تالله ما ثم تأخير في الأجل قال تعالى :{ يا أيها الناس إن وعد الله حق فلا تغرنكم الحياة الدنيا ولا يغرنكم بالله الغرور إن الشيطان لكم عدو فاتخذوه عدوا إنما يدعو حزبه ليكونوا من أصحاب السعير } لا من مقاصد الأولياء والصالحين أليس الصحابة وخيار التابعين أولى بك من هذا القصد إن كنت من الصادقين لو ركنوا إلا تأخير الأجل لما ارتكبوا في الله تعالى عظيم الهوال ولما هجروا الأوطان والعشائر وتركوا الأموال ولما جاهدوا المشركين والكفار وافتتحوا البلاد والأمصار ألا تصغي يا هذا المفتون بأذنك إلى قوله تعالى { انفروا خفافا وثقالا وجاهدوا بأموالكم وأنفسكم في سبيل الله ذلكم خير لكم إن كنتم تعلمون } وهب أنك صادق فيما تقول أليس عملك مترددا بين الرد والقبول أليس أمامك ما يفزع ويهول أليس قدامك يوم الحشر المهول لا والله ما تدري هل ينجيك عملك إن عملت أو يرديك والله يعلم ما تخفون وما تعلنون قال تعالى :{ ولإن قتلتم في سبيل الله أو متم لمغفرة من الله خير مما تجمعون ولئن متم أو قتلتم لإلى الله تحشرون } وإن قلت : لا تطيب نفسي بفراق زوجتي وجمالها وأنسي بها وسروري بوصالها فهب أن زوجتك أحسن النسوة وأجمل أهل الزمان أليس أولها نطفة مذرة وآخر جيفة قذرة وهي فيما بين ذلك تحمل العذرة حيضها يمنعك شطر عمرها وعقوقها لك أكثر من برها إن لم تكتحل عمشت عينها وإن لم تتزين ظهر شينها وإن لم تتمشط شعثت شعورها وإن لم تدهن طفئ نورها وإن لم تتطيب ثقلت وإن لم تتطهر نتنت كثيرة العلل سريعة الملل إن كبرت أيست وإن عجزت هرمت تحسن إليها جهدك فتنكر ذلك عند السخط كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم :" لو أحسنت إلى إحداهن الدهر ثم رأت منك شيئا قالت : ما رأيت منك خيرا قط " تروم منها أقذر ما فيها وتخشى هجرها وتخشى أن تجيفيها يحبلك حبها على الكد والتعب والشقاء الشديد والنصب توردك الموارد المهلكة وترضى في أدنى هواها بهلاكك وما أوشكه تودك لمرادك منها فإن فات أعرضت عنك وهجرتك وطلبت سواك وملتك وأظهرت قلاك وقالت بلسان حالها إن لم تفصح بلسان مقالها : واصلني وأنفق أو فارقني وطلق وبالجملة لا يمكن أن تتمتع بها إلا على عوج ولا تدوم صحتك إياها إلا مع ضيق وحرج يا الله للعجب كيف يقعطك حب هذه عن وصال من خلقت من النور ونشأت في ظلال القصور مع الولدان والحور في دار النعيم والسرور واعلم أن فراق زوجتك تلك لا بد منه وكان قد وقع والجنة إن شاء الله تجمع بينكما ونعم المجتمع وما بينك وبين وصلها إن كانت من الصالحات إلا وقت لا بد من فراقك لها فيه وهو الممات فتجدها في الآخرة أجمل من الحور العين بما لا يعلمه إلا رب العالمين قد ذهب ما تكره منها وزال ما يسود عنها وحسن خلقها وكمل خلقها كحلاء نجلاء حسناء زهراء بكراء عذراء قد طهرت من الحيض والنفاس وكرمت منها الأنواع والأجناس وزال عوجها وزاد ابتهاجها وعظمت أنوارها وجل مقدارها وفضلت على الحور العين في الجمال والأنوار كفضلهن عليها في هذه الدار فأعرض عنها اليوم لله تعالى فسيعوضك عنها الله سبحانه وتعالى وإن كانت من أهل الجنة فلا بد لك منها ولا يلهينك يا هذا عن دار القرار الاغترار بزخرف شيء من هذه الدار فوالله ماهي بدار المقام ولا محل اجتماع والتئام دار إن أضحكتك اليوم أبكتك غدا وإن أسرت أعقبت سرورها الردى وإن حلت فيها النعم جميعا حلت فيها النقم سريعا إن أخصبت أجدبت وإن جمعت فرقت وإن ضمت شتتت وإن تممت نقصت وإن أغنت أعنوت إن زادت أبادت وإن عمرت دمرت وإن أسفرت أدبرت وإن راقت أراقت وإن صافت حافت وإن عمت بنوالها عمت بوبالها وإن جادت بوصالها جاءت بفصالها قريبها بعيد وحبيبها طريد شرابها سراب وعذبها عذاب دار الهموم والأحزان والغموم والأشجان والبين والفراق والشقاء والشقاق والوصب والنصب والمشقة والتعب كثيرها قليل وعزيزها ذليل وذليلها حقير غزيرة الآفات كثيرة الحسرات قليلة الصفا عديمة الوفا لا ثقة بعهودها لا وقت لوعودها محبها تعبان وعاشقها ولهان والواثق بها خجلان قد سترت معاييبها وكثرت مصائبها وأخفت نوائبها وخدعت ببطالها ونصبت شباكها ووضعت أشراكها وبهرجت زينتها وجردت سيفها وأبدت ملائحها وسترت قبائحها ونادت : الوصال أيها الرجال فمن رام وصالها وقع في حبالها وبدى له سوء حالها وعلم نكالها ووقع في أسرها بجملة شرها وحاق به مكرها حيث لم يتبصر أمرها فعض يديه ندما وبكى بعد الدمع دما وأسلمه ما طالب إلى سوء المنقلب وأجهد في الفرار فما أمكنه الهرب فتيقظ لنفسك يا هذا قبل الهلاك وأطلق نفسك من أسرها قبل أن يعسر الفكاك وإليه سبحانه المرجع والمآب .
<< الفصل السابق
الفصل التالي >>