في إعلام المقدمين في إعطاء الورد إذنا صحيحا ممن له الإذن الصحيح عن شيخه المأذون بالتلقين والإرشاد لا سيما من بلغ منهم مرتبة الخلافة باستخلاف من كان خليفة لأنه لا بد لكل من يدعو إلى الله تعالى وكان صادقا في دعواه من الصبر على إساءة إخوانه كما صبر من كان قبله من الدعاة إلى الله تعالى حين أوذوا
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : اعلم أن المقصود من البعثة أن يبلغ الرسول تكاليف الله تعالى إلى الخلق وذلك لا يتم إلا بميل قلوبهم إليه وسكون نفوسهم لديه وهذا المقصود لا يتم إلا إذا كان رحيما بهم كريما يتجاوز عن ذنوبهم ويعفو عن سيئاتهم ويخصهم بالبر والشفقة فلهذه الأسباب وجب أن يكون الداعي إلى الله تعالى مبرأ عن سوء الخلق وغلظ القلب ويكون كثير الميل إلى إعانة الضعفاء كثير القيام بإعانة الفقراء قال تعالى : {فبما رحمة من الله لنت لهم ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك فاعف عنهم واستغفر لهم} قال أستاذنا وسيدنا ووسيلتنا إلى ربنا شيخنا وسيدنا أحمد بن محمد الحسني التجاني رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : وأوصي من كان مقدما على إعطاء الورد أن يعفو للإخوان عن الزلل وأن يبسط رداء عفوه عن كل خلل وأن يتجنب ما يوجب في قلوبهم ضغينة أو شينا أو حقدا وأن يسعى في إصلاح ذات بينهم وفي كل ما يوجب خللا في قلوب بعضهم على بعض وإن اشتعلت نار بينهم سارع في إطفائها وليكن سعيه في ذلك في مرضاة الله تعالى لا لحظ زائد على ذلك وينهى من رآه يسعى بالنميمة بينهم وأن يزجره برفق وكلام لين وعليه أن يعاملهم بالرفق والتيسير والبعد عن التنفير والتعسير في كل ما يأمرهم به وينهاهم عنه من حقوق الله تعالى وحقوق الإخوان ويراعي في ذلك قوله صلى الله عليه وسلم : "يسروا ولا تعسروا وبشروا ولا تنفروا" وعليه أن يتباعد عن تقديم دنياهم وأن لا يلتفت إلى ما في أيديهم معتقدا أن الله تعالى هو المعطي والمانع والخافض والرافع وليجعل همته في تحرير دنياهم في ما بأيديهم من التشتيت والتبذير وأن لا يطالبهم بإعطاء شيء لا من القليل ولا من الكثير إلا ما سمحت نفوسهم ببذله من غير طلب اهـ . وقال الشعراني في البحر المورود : فاعلم أن الواجب على كل داع إلى الله تعالى مداراة المارقين بالبر والإحسان لا الحرمان والكلام المر فإنه راع وكل راع مسؤول عن رعيته قال : وقد وقع لي أنتي نفرت نفسي مرة من القراء المجاورين عندي فأردت مفارقتهم فرأيت تلك الليلة سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى وهو يقول لي : قال لك رسول الله صلى الله عليه وسلم اصبر على أصحابك طالبا وجه الله تعالى وتعهدهم بالموعظة الحسنة كل حين ولا تكن كمن غضب على غنمه في البرية حتى انتشرت منه في أرض وعرة فرجع إلى البلد وتركها للذئب يفترسها فانتبهت من النوم مرعوبا ورجعت عما أردته . وقال أيضا في العهود المحمدية : يتعين على الشخص أن يوطن نفسه على تحمل أذى من يأمره من إخوانه بترك الدنيا وهو لم يشرف على الدار الآخرة بقلبه فإنه كالكلب العاكف على الجيفة كل من منعه من الأكل منها يكشر أسنانه ويهبهذ عليه وربما عضه حتى يرجع عنه فليكن الشخص إذا أمر إخوانه بترك الدنيا بسياسة ورحمة ورفق وتقديم مقدامات وذكر ما كان السلف الصالح عليه ثم يقول : يرحم الله تعالى من أقتدي بهم وليحذر من التكدر منهم بالباطن إذا عصوا أمره وليس عليه إلا أن يظهر لهم عدم الرضا بكثرة رغبتهم في الدنيا لا غير كما يظهر الوالد غضبه لولده إذا خالفه ويعبس في وجهه وقلبه راحم مشفق وربما ضربه بالعصا وربما نخست الأم ولدها بالإبرة في يده حتى أخرجت دمه ومع ذلك فيقضي العقل بأن ذلك كله ليس ببغض للولد وإنما هو لظهور شفقة والديه عليه وليوطن الداعي إلى الله تعالى عز وجل نفسه على سماع كل كلام مكروه ممن يدعوهم لأنهم عمي عما يدعوهم إليه ثم إن انجلى حجابهم فسوف يشكرون الداعي إلى الخيرات وإن لم ينجل حجابهم فقد وفى الداعي بما عليه من النصح والجهاد فسهم ثم لا يخفى أنه لا بد أن ينقسم جماعة كل داع إلى الله تعالى كما انقسم من دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم إلى دين الإسلام إذ هو الشيخ الحقيقي لجميع الأمة وجميع الدعاة نوابه صلى الله تعالى عليه وسلم فلا بد أن يقع لهم مع أصحبهم كما وقع له صلى الله تعالى عليه وسلم مع قومه فمنهم من يقول سمعنا وأطعنا وأولئك هو المفلحون ومنهم من يقول سمعنا وعصينا ومنهم من يقول سمعنا وأطعنا نفاقا ومنهم من يقول إنما يريد الشيخ بدعائنا إلى الله تعالى التفضل علينا والرئاسة عند الناس ومنهم من يقول إنما يريد نصحنا ونجاتنا من النار ومنهم من لا يتحول عن محبة شيخه في شدة ولا رخاء ومنهم من هو معه في الرخاء فإذا جاءت الشدة تبرأ من شيخه ومنهم من لا يبرح حول شيخه ولو أعلظ عليه ومنهم من إذا أغلظ عليه الشيخ القول هرب منه كما أشار إليه قوله تعالى :{ ولو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك } ومنهم من يريد الدنيا وزينتها وهو غافل عن الآخرة ومنهم من يريد الدنيا للآخرة كعبد الرحمن بن عوف ومنهم من لا يريد الدنيا كاهل الصفة ومنهم من يقول لشيخه كما قال قوم نوح :{ يا نوح قد جادلتنا فأكثرت جدالنا فاتنا بما تعدنا إن كنت من الصادقين } فلا يأمنوا لنصحه حتى يرو العذاب الأليم ومنهم من يقول : قد أكثرت جدالنا وتنقيصنا من الناس ومنهم من يقول لشيخه بلسان المقال أو الحال : لن نؤمن لقولك إلا أن تأتينا كرامة كما قالت قريش :{ وقالوا لن نومن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعا } إلى آخره أو الخسف كما قال بنو إسرائيل لموسى عليه السلام :{ لن نومن لك حتى نرى الله جهرة } الآية وثم طائفة لا يؤمنون يقول شيخهم لهم : إن فعلتم كذا وقع لكم كذا من العقوبة إلا إن وقع ومنهم من يفدي شيخه بنفسه كما فعل سعد بن أبي وقاص ومنهم من لا يقدر على ذلك ومنهم من إذا ذكرت عيال شيخه بسوء يكاد يتميز غيظا كما وقع لأكابر الصحابة في قصة عائشة رضي الله عنها ومنهم من لا يتميز غيظا بل خاض من الخائضين ومنهم من يمتثل أمر شيخه في السفر في مصالح العباد كما كان أكابر الصحابة يفعلون ومنهم من يكره ذلك ويؤثر الدعة والراحة كما وقع لمن تخلف عن غزوة تبوك ومنهم من يحب شيخه أكثر من ماله وولده ومنهم من يؤثر أهله وماله وولده في المحبة على شيخه فلو قال له : أخرج لفلان عن دينار وإلا هجرتك ومنعتك من مجالستي لاختار عدم الدفع للدينار عن القرب من شيخه ومنهم من يخاف على تغيير شيخه ويعتقد أن الحق تعالى يغضب لغضبه ومنهم من يؤذي شيخه وولده وعياله ولا عليه من تغيير خاطره ومنهم من يمتثل أمر شيخه فيما إذا قال : أعط أخاك نصف مالك وقاسمه كما وقع للمهاجرين مع الأنصار ومنهم من لا يمتثل ولا يسمح لأخيه بدرهم ومنهم من يمتثل أمر شيخه على أن يؤثر أخاه على نفسه في وظيفة أو بيت أو خلوة أو مال ومنهم من لا يمتثل ذلك ونمنهم من لا يتمنى مقام شيخه عن أن يتزوج له مطلقة في حياته أو بعد مماته ومنهم من يتزوج مطلقة شيخه لولا قول الله تعالى :{ ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا } لربما وقع ذلك في بعض الناس ومنهم من إذا وجد كثير الذهب لا يأخذ منه إلا قوت يومه فقط ومنهم من لا يقنعه إلا أن ينقله كله ومنهم من قصده بجمع الدنيا الطمع وشره النفس ومنهم من قصده بذلك إظهار الفاقة كما وقع لأيوب عليه السلام لما أمطرت عليه السماء الذهب وصار يحثوا في ثوبه ويقول : لا غنى لي عن بركة ربي ومنهم من يرى الدنيا بعين الاحتقار ويكون الذهب عنده كالبعرة ومنهم من يراها بعين التعظيم تبعا لمراد الحق تعالى في تمييزها في قلوب عباده عن التراب ومنهم من إذا قيل له واظب على صلاة الجماعة في المسجد يتعلل بالنوم ولو كان هناك تفرقة ذهب لأتى المسجد ولم يتعلل بذلك كما وقع لبعض الأنصار حين جاء أبو عبيدة بمال من البحرين وحضر من لم تكن عادته الحضور في صلاة الصبح ولما تخلف جماعة عن صلاة العشاء قال النبي صلى الله عليه وسلم :" لو أن أحدهم علم أن في المسجد عرقا سمينا لحضر " ومنهم من يحضر صلاة الجمعة قبل الناس كاهل الصفة ومنهم من لا يأتي إلا والخطيب فوق المنبر وفي الركعة الأولى أو الثانية أو لا يأتي حتى تفوته الجمعة ومنهم من يحضر قبل الناس فيلغو ويلعب ومنهم من يحضر في خشوع وعبادة حتى ينصرف ومنهم من يستأذن شيخه في كل فعل من سفر أو تزويج أو بناء دار أو زرع أو نحو ذلك ومنهم من لا يستأذنه في ذلك إما حياء منه أو استهانة به وقد رأى صلى الله تعالى عليه وسلم أثر صفرة على عبد الرحمن بن عوف فقال :" مهيم فقال : تزوجت " الحديث وكان ذلك من عبد الرحمن حياء من رسول الله صلى الله عليه وسلم لا استهانة بلا شك . ومنهم من كان يتكرم على جميع أصحابه بكل ما دخل له ولا يبقي لنفسه شيئا كمعاذ بن جبل وأبي الدرداء رضي الله تعالى عنهما وغيرهما ممن كان يقول بتحريم الادخار ومنهم من كان يتكرم بالبعض ويمسك البعض ومنهم من لا يطعم أحدا شيئا بل يشح على نفسه أن يطعمها ومنهم من كان يسمح لصاحبه بجميع ماله كأبي بكر رضي الله تعالى عنه ومنهم من كان يسمح لصاحبه بنصف ماله كعمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه ومنهم من كان الناس منه في أمان كعثمان بن عفان وأبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنهما ومنهم من كان ينفق ولا يخشى من الله إقلالا كبلال ومنهم من كان يخرج ماله كلفة تكلفا ككعب بن مالك فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : "أمسك بعض مالك فهو خير لك" ومنهم من يرضى بقضاء رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في قصة أسامة بن زيد حين نقم على ولايته بعض الناس وكما في قول بعضهم : هذه قسمة ما أريد بها إلا الله تعالى اهـ . وقول بعضهم : آن كان ابن عمتك في حديث : "اسق يا زبير" ومنهم من كان يغضب إذا فرق النبي صلى الله تعالى عليه وسلم مالا ونسيه كمخرمة ومنهم من لا يغضب والنبي صلى الله تعالى عليه وسلم منهم في أمان ولذلك كان النبي صلى الله تعالى عليه وسلم يوازي من نسيه في العطاء بقوله : "إن الدنيا حلوة خضرة وإني أعطي الرجل أتأنفه والذي أمنع أحب إلي ممن أعطي" ومنهم من كان يهاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا رآه يصير يرتعد من هيبته فيقول له رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : "هون عليك يا أخي فإنما أنا ابن امرأة من قريش تأكل القديد" ومنهم من لا يهابه ولا يرتعد ، ومنهم من كان مطهرا من جميع المعاصي كالعشرة المشهود لهم بالجنة ومنهم من كان يقع في الكبائر كنعيمان وكان نعيمان كلما سكر يأتوا به إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وهو سكران فيجلده وكان نعيمان مضحكا يضحك النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ومن جملة ما وقع لنعيمان أنه رأى رجلا أعمى يقول : من يقودني إلى البراري ؟ فأخذه نعيمان وأجلسه في محراب المجلس وشمر ثيابه للجلوس فصاحوا به : إنك في المسجد فقال الأعمى : لئن وجدت نعيمان لأضربنه بعصاي فسمعه نعيمان فجاء إليه فقال : هل لك في ما يدلك على نعيمان ؟ فقاده إلى عثمان بن عفان وهو ساجد وقال : هو هذا فصار الأعمى يضرب عثمان رضي الله عنه . ومنهم من كان يؤذي أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم ولا يكرمهم لأجله كما وقع لأبي بكر حين خطب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقال : هل أنتم تاركوا لي صاحبي حتى أخرج النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بقوله : "سدوا عني كل خوخة في المسجد إلا خوخة أبي بكر" ومنهم من كان يتحمل الأذى من جميع أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم ويكرمهم لأجله صلى الله تعالى عليه وسلم ولو فعلوا معه من الأذى ما فعلوا ، ومنهم من كان يؤذي جاره كما يدل عليه قصة من شكا إلى النبي صلى الله تعالى عليه وسلم أن جاره يؤذيه وقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : "اطرح متاعك في الطريق وكل من مر عليك وقال ما هذا ؟ فقل : جاري يؤذيني" ومنهم من كان يجالس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لأجل أن يملأ له صلى الله تعالى عليه وسلم بطنه كأبي هريرة وذلك لئلا يصير يلتفت إلى غيره صلى الله تعالى عليه وسلم وينقطع خاطر مفارقته لأجل الجوع ، ومنهم من كان يجالس النبي صلى الله تعالى عليه وسلم للعلم والأدب ولا يشرك معه علة من العلل ، ومنهم من كان يسمح بأطايب أمواله للفقراء ومنهم من كان كثير المال كعبد الرحمن بن عوف ومنهم من لا يملك عشاء ليلة كقصة من وقع على زوجته في رمضان ، ومنهم من كان يعجب بملبسه كالذي خسف به في زقاق أبي لهب بمكة ومنهم من لا يعجب بشيء من ملبسه ولا غيره كأبي لهب ، ومنهم من تكون عنده الدنيا وهو يظهر الفقر ويأخذ من الصدقة والزكاة كالذي وجد في حجة إطماره بعد موته ثلاثة دنانير أو ديناران فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم : "كيات أو كيتان من نار" ومنهن من كانت تحب النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وترى الفضل له إذا خطبها لتكون معدودة من أزواجه ومنهن من كانت تكره ذلك وتستعيذ كابنة الجون ، ومنهن من كانت تستحي من رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا جالسته وتصير ترتعد من هيبته ومنهن من كانت لا تهابه ولا تستحي منه كهند فإن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما بايع النساء قال : "ولا تقتلن أولادكن" فقالت هند : نحن ربيناهم صغارا وقتلتهم أنت كبارا فسكت النبي صلى الله عليه وسلم ولم يتم المبايعة . ومنهن من تعلقت به لما ذاقت معيشته صلى الله عليه وسلم وطلبت الفراق ومنهن من اختارت المقام معه صلى الله عليه وسلم والصبر على ذلك كعائشة رضي الله تعالى عنها ، ومنهن من كانت كثيرة الغيرة كعائشة لما روي أنها رأت سودة وهي ذاهبة بإناء فيه طعام إلى النبي صلى الله عليه وسلم فكسرت الإناء وساح الطعام في الأرض فقام النبي صلى الله عليه وسلم غضبانا ، ومن خدامه من كانت لا تجيبه إذا ناداها فيقول : "والذي نفسي بيده لولا خوف القصاص لأوجعتك بهذا السوط" ومنهن من كانت تعي كل ما سمعته من النبي صلى الله عليه وسلم كعائشة وبريرة رضي الله تعالى عنهما ، ومنهن من لا تروي عنه فعلا ولا حديثا فهذا ما خطرني الآن من الشواهد التي تشهد لانقسام أصحاب كل داع إلى الله تعالى كما انقسم من دعاهم النبي صلى الله عليه وسلم ومن طلب زيادة على ذلك فليتبع أحوال الأمم السالفة مع أنبيائهم فإن تلك الأقسام لم تزل في أصحاب جميع الدعاة إلى الله تعالى وعلم من جميع ما قررناه أن من يطلب من المشايخ أن يكون جميع أصحابه مستقيمين متجردين ومتأدبين معه لا اعتراض لهم عليه ولا اختيار لهم معه أو يشاورونه على جميع أمورهم كما شرط القوم ذلك في حق المريدين الصادقين فهو أعمى البصيرة وإنما وظيفة جميع الدعاة إلى الله تعالى أن يبلغوا الآداب الشرعية إلى قومهم لا غير فهم مأجورون على كل حال سواء امتثل الخلق أمرهم أو لم يمتثلوه وقد أرسل النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إلى الناس فأقر كل صاحب حرفة على حرفته ولم يأمر أحدا بالخروج عما أقامه الله تعالى فيه من الحرف بل سلكهم وأرشدهم وهم في حرفهم ولكن اعرض نفسك يا أخي أن يقع من أصحابك جميع ما تقدم في حق أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم من الآداب معه ومن ضده في حقه وحق أصحابه وذلك ليستن بهم من بعدهم وهذا هو اللائق بمقامهم وأما أن يكون ما ويقع من سوء الأدب في بعض الأوقات بيانا لعدم العمة ثم ينوبون على الفور أهـ . وقال : أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن لا نتهاون بترك رياضة نفوسنا فيتعين على كل من ولاه الله تعالى ولاية أن يروض نفسه على يد شيخ ناصح ليصير سداه ولحمته الحلم عن رعيته إلا في مواضع أمره الشارع فيها بعدم الحلم كإقامة الحدود الشرعية على أربابها أو نحو ذلك فمن راض نفسه كما ذكرنا قل غضبه على ولده وزوجته وغلامه وصاحبه لا يغضب إلا إذا انتهكت حرمات الله تعالى عز وجل لا غير وقد درجت الأئمة وجميع مشايخ الصوفية على العمل على عدم الغضب جهدهم فإن الغضب بئس الصفة لا سيما في حق من كثر دعاؤه إلى الله تعالى فإن حكم غضبه على تلامذته حكم راعي الغنم إذا غضب على غنمه من شدة شتاتها وتركها في البرية للذئب والسبع بعد أن كان تعب فيهم من حين كانوا يرضعون اللبن وذلك معدود بيقين من سخافة العقل فاسلك يا أخي على يد شيخ ناصح يخرجك من رعونات النفس ويلطف كثائفها حتى تكاد تلحق بالملائكة لتصير تتحمل مع رعيتك جميع الصفات المخالفة الأغراضك ولا تتأثر والله تعالى يتولى هداك . وقد روى البخاري أن رجلا قال للنبي صلى الله عليه وسلم : أوصني قال لا تغضب فردد مرارا قال : لا تغضب . وروى الإمام أحمد عن بعض أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه قال : فكرت في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم في الغضب ما قال فإذا الغضب يجمع الشر كله . وروى الإمام أحمد وبن حبان في صحيحه أن ابن عمر سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم : ما يباعدني من غضب الله عز وجل قال :" لا تغضب " . وروى الترمذي مرفوعا :" ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات ألا وإن منهم البطيء الغصب سريع الفيء ومنهم سريع الغضب بطيء الفيء يجمع الشر كله " . والروى البزار مرفوعا :" ألا إن بني آدم خلقوا على طبقات ألا وإن منهم البطيء الغضب السريع الفيء ومنهم سريع الغضب بطيء الفيء فتلك بتلك ألا وإن منهم سريع الغضب بطيء الفيء ألا وخيرهم بطيء الغضب سريع الرجوع وشرهم سريع الغضب بطيء الرجوع " . وروى البخاري تعليقا : " من صبر عند الغضب وعفى عند الإساءة عصمه الله وخضع له عدوه " . وروى الطبراني مرفوعا :" من دفع غضبه دفع الله تعالى عنه عذابه " والله تعالى أعلم أهـ . وقال : أخذا علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نرغب من ولى من إخواننا ولاية في العدل في رعيته ومعانلتهم بالرفق والشفقة والأدب في الدخول عليه في كل وقت إلا لظرورة شرعية لأن من لم يكن مع رعيته كذا دائما عزلته المرتبة ونفرت منه وما ولى الله تعالى عبدا على عباده إلا ليكون كالأب الشفيق والأم الحنونة ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى السلوك إلى يد شيخ ورياضة نفس حتى يصير يستلذ بمخالفة رعيته لأوامره العرفية ليحلم عليهم لأن الخلق في حجرة الولاية كالغنم والمعز في يد راعيهم كذا ربما انتشروا منه في أرض ذات شوك وهو حاف فهذا حكمه ولو أنهم بهائم لما احتاجوا إلى من يرعاهم . في لأثر أن موسى عليه السلام ما كلمه ربه إلا بعد صبره على رعاية الغنم وما من نبي إلا ورعى الغنم والسر في ذلك ليتأنس بصبره على الغنم قبل صبره على قومه وبلغنا أنه بالغ في الشفقة حتى أورد الغنم مرة على الماء فكان فيها نعجة عرجاء لم تستطع أن تشرب من الماء بنفسها فنزل إلى الماء وجعلها على ظهره حتى شربت أهـ . فرعية : كل راع من سلطان أو أمير أو شيخ في الطريق هم ربحه وخسرانه فبهم يربح وبهم يخسر قال وسمعته سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول : ينبغي لكل من ولاه الله تعالى ولاية على الناس أن يصبر على مخالفتهم لاسيما في أوائل أمر الولاية حتى ترتاض نفسه ويتمكن من مقام الصبر في الحلم فإن من كانت رعيته منقادة له فهو خداع لا يظهر مقامه في الحلم فليقل من ضجر ممن ولاه الله لنفسه إن لم تحمل أنت عوج رعيتك فمن يحمله أهـ قال : وقد ورد أن ذا الكفل لم يكل رسولا وإنما كفل رسول زمانه حين خرج في غزاة وقال له : اخلفني في قومي خلافة حسنة فكان لا ينام في الليل ولا في النهار فتقلق من ذلك وأراد يوما أن ينام القائلة فغلق بابه ووضع رأسه فأول ما خلل بالنوم دق إبليس على الباب فتصدع رأسه فقال : قم افصل بيني وبين خصمي وكان قصد إبليس أنه يتفلق ويترك الخلافة فلما علم ذو الكفل ما له من الأجر العظيم قال وفصل بينهما وأتاه في اليوم الثاني كذلك والثالث كذلك إلى أن ألهمه الله تعالى أنه إبليس فاستعاذ بالله تعالى منه فانصرف عنه فلولا أنه كان من الصالحين لفتنه في دينه فليتنبه كل ولي ولاية لمثل ذلك وربما وسوس إبليس للمريدين بالأمور المخالفة للأدب مع الشيخ من وجه كل فتعرض للشيخ النفرة منهم فليلتقمهم كما يلتقم التمساح السمكة فيصير يسخر بالشيخ فإنهم قالوا : حكم الشيخ حكم الصياد : الذي يصداد المريدين من أفواه الشياطين ويخرجهم من تحت أسنانهم قال : وحكي لي أن جميع إخواني المقيقمين بالزاوية تغيرت أحوالهم وثقل الذكر على نفوسهم حتى لم يبق في يد أحد منهم شعرة واحدة فأردت الانتقال من الزاوية فتمثل لي إبليس تجاهها وهو يصفق ويرقص ويقول غلبت فرجعت فزاد عليهم الأمر وطلبوا أن يحترفوا بالقرآن في ليالي الجمع وغيرها ويتركوا مجلس ذكر الله تعالى والصلاة على نبيهم صلى الله عليه وسلم احتسابا فتوجهت إلى النبي صلى الله عليه وسلم في الاستئذان في ذلك فرأيت سيدي عليا الخواص وهو واقف خلف باب لا أرى من وجهه إلا أنفه ويقول لي : يقول لك رسول الله صلى الله عليه وسلم : اصبر على إخوانك طالبا وجه الله تعالى ولا تبال بمخالفتهم لأوامر الله عز وجل وتخولهم بالموعظة كل حين اهـ . فعلمت أن ذلك إنما كان امتحانا في الصبر حين وسوس لي إبليس وقال : إن لي إخوانك ليس فيهم ثمرة والإنسان إنما يزرع في أرض تنبت الزرع ومن زرع في السباخي وقليل العقل غاب عني أن الله تعالى ما يطلب إنجادهم بامتثال أوامره وإنما يطلب مني ما طلب من رسول الله صلى الله عليه وسلم بقوله : {إن عليك إلا البلاغ} وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم من وفور شفقته يود أن لو دخل الناس كلهم الجنة وقال الله تعالى : {ولو شاء الله لجمعهم على الهدى فلا تكونن من الجاهلين} فكل داع إلى الله تعالى لا بد أن يقع له ما وقع لرسول الله صلى الله عليه وسلم وراثة محمدية فيحجبه الله تعالى عن شهود القبضتين إلى شقي وسعيد وعن كون ذلك حتما لا بد منه فلذلك يضيق صدر الداعي إذا عصوا أمره فيحتاج الداعي إلى الله تعالى إلى مراقبة شديدة على الدوام عرفا فإنهم قالوا : مراقبة الله تعالى على الدوام من غير تخلل فترة ليس بمقدور البشر فافهم . قال لي مرة شخص من حذاق المريدين المقيمين عندي : لولا كثرة مخالفتنا لك ما عظم الله تعالى أجرك فأنت مأجور على كل حال أطعناك أم عصيناك فلك الأجر من الجهتين فالله تعالى يزيده توفيقا كما أيدني آمين فإنه نبهني على أن ذائق الأمور ليس هو كالسامع بها وثبتني حتى لم أتزلزل كما ثبت الله تعالى الرسل بما قصه عن بعضهم : {فاصبر كما صبر أولوا العزم من الرسل} وقال : {واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا} وقال : {فاصبر لحكم ربك ولا تكن كصاحب الحوت} وكل داع إلى الله تعالى على قدم رسول من الرسل وكل من جاءه بلاء فوق طاقته احتاج ضرورة والله تعالى المصير له إلى الصبر فلا يوجد أتعب قلبا ولا بدنا ممن يتولى أمور المسلمين لغلبة وقوع الملل منه وعدم تحمله أذى رعيته ولما تولى عمر بن عبد العزيز الخلافة سمع جيرانه بكاء وعويلا في داره فسألوا عن ذلك فقالوا : إن عمر خير زوجاته وسراريه بين الإقامة عنده من غير مسيس إلى أن يموت وبين أن يذهبن ويطلقهن وقال : قد جاءني أمر يشغلني عنكن فلا أقدر التفت إلى واحدة منكن حتى أفرغ من الحساب يوم القيامة رضي الله عنه وبلغنا أنه لا ينام ليلا ولا نهارا إلا بعض خفقات وهو جالس ويقول : إن نمت بالليل ضيعت نفسي وإن نمت بالنهار ضيعت أمر الرعية . قال : وسمعت أخي أفضل الدين رحمه الله تعالى يقول : يحاسب المؤمن الذي لم يتول ولاية عن نفسه في يوم كان مقداره وقت صلاة يصليها ويحاسب من يتولى ولاية عن نفسه وعن رعيته في يوم كان مقداره خمسين ألف سنة فاصبر يا أخي على رعيتك كلما ملت نفسك واعذر كل من فر من ولايته في هذا الزمان المبارك ولا تسخر به تبتل بنظير ذلك . وقد حكى الأمير محيي الدين بن أبي الأصبغ أحد أركان الدولة بمصر المحروسة أن شيخا كان له جار من القضاة سيء الخلق وكان يخرج خلقه عند الخصام فكان جاره يبالغ في الإنكار عليه ويقول : إن هذا سيء الخلق وكان لذلك القاضي بيت فوق مجلس حكمه فلما أكثر عليه جاره من الإنكار قال له : احكم مكاني غدا لأني عازم على شرب دواء قال : نعم فجاء خصم ادعى على خصمه أن له عنده مائة دينار في صرة فقال له : ما عندي شيء فالتمس من المدعي البينة فأتى بثمانية يشهدون بها فقال : إن هؤلاء شهود زور فأت بمزكيهم فزكوهم فثب الحق على ذلك الخصم وطلب التقسيط فأبى عليه صاحب الحق فما أجاب إلا بعد أن كادت روحه تزهق منه فقال : كم يقدر على كل يوم على نصف فقال : لا أقدر على ذلك فجعل عليه القاضي عثمانيا كل يوم فقال : لا أقدر فقال : كل جمعة عثمانيا فقال : لا أقدر فقال : كل شهر عثمانيا فقال : لا أقدر فقال : كل سنة عثمانيا فقال : لا أقدر فقام القاضي النائب ورمى عمامة نفسه وصار ينطحه برأسه ويرفسه برجله وهو يقول : لا أقدر على عثماني ثم نادى القاضي الأصيل فقال : تعال انزل لحكمك عند ربك قال : وما ذكرت ذلك إلا لتقيم الأعذار للناس في هذا الزمان الذي اختفى فيه أكابر الأولياء لعجزهم عن شروط الظهور من الصبر على مروق الناس من الحق وتكليفهم الولي أن يرد عنهم الأقدار مع تماديهم على القبائح فاعلم ذلك والله عليم حكيم . وروى الشيخان مرفوعا : "سبعة يضلهم الله تعالى بظله يوم لا ظل إلا ظله فذكر منهم : إمام عادل" ورى الإمام أحمد وحسنه ابن ماجه وابن خزيمة وابن حبان في صحيحهما مرفوعا : "ثلاثة لا ترد دعوتهم : الصائم حتى يفطر والإمام العادل ودعوة المظلوم" . وروى مسلم والنسائي مرفوعا أن المقسطين عند الله تعالى على منابر من نور عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين الذين يعدلون في حكمهم وأهليهم وما ولوا . وروى مسلم مرفوعا : "أهل الجنة ذو سلطان مقسط رفيق الحديث والمقسط العادل" . وروى الطبراني بإسناد جيد مرفوعا : "يوم من إمام عادل أفضل من عبادة ستين سنة" الحديث ، زاد في رواية الأصبهاني : "قيام ليلها وصيام نهارها وجور ساعة في حكم أشد وأعظم عند الله من معاصي ستين سنة" . وروى الترمذي والطبرني مرفوعا : "أحب الناس إلى الله تعالى يوم القيامة وأدناهم منه مجلسا إمام عادل" زاد في رواية : "رفيق" . وقال شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به كما في جواهر المعاني : وليكن شديد الاهتمام بحقوق إخوانه في طريقته التي لا يمكن التأخير عنها لكن ملازمة الواجب منها فقط من غير أن يجعلها هجيراء فإن لكل عاقل أوقاتا يخلو فيها بربه لا يمكنه التأخير عنها ولا الاشتغال عنها وأوقات يجالس فيها إخوانه في الطريقة لله تعالى لتعلم أو تعليم أو استفادة بما لم يكن عنده من العلم من غير إفراط ولا تفريط اهـ . وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به في موضع آخر : وعليكم بمناصحة إخوانكم في الطريقة برفق فإن من عفا عن زلة عفا الله تعالى له عن زلات كثيرة ومن وقع فيكم بزلة ثم جاءكم معتذرا فاقبلوا عذره وسامحوه لكي يقبل الله تعالى أعذاركم ويسامحكم في زلاتكم فإن شر الإخوان عند الله تعالى من لا يقبل عذرا ولا يقيل عثرة وتأملوا قوله سبحانه وتعالى : {سارعوا إلى مغفرة من ربكم} إلى قوله : {والله يحب المحسنين} اهـ . والله تعالى الموفق للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب .
<< الفصل السابق
الفصل التالي >>