في إعلامهم أنه يجب عليهم طاعة المقدمين في إعطاء الورد ويحرم عليهم مخالفتهم .
فأقول وبالله تعال التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : اعلم أن الشيوخ رضي الله تعالى عنهم لما كاموا وارث رسول الله صلى الله عليه وسلم ونوابه في تبليغ شريعته المطهرة إلى أمته وجب على الأمة تعظيمهم وتوقيرهم وطاعتهم وحرم على كل متدين مخالفتهم بحكم الوراثة لأن للوارث ما للموروث ولما كان الأمر كذلك كان من قدمه الشيخ من التلاميذ والمريدين بحكم النيابة يجب على من سواء طاعته بامتثال أمره واجتناب نهيه وتحرم عليه مخالفته وعصيانه واحتقاره وعدم المبالات به لأن من خالفه فإنما خالف الشيخ الذي قدمه قال تعالى :{ يا أيها الذين آمنوا أطعوا الله وأطيعوا الرسول وأولي الأمر منكم } قال في لباب التأويل : واختلف العلماء في أولي الأمر الذين أوجب الله تعالى طاعتهم بقوله :{ وأولي الأمر منكم } يعني وأطيعوا أولي الأمر منكم فقال ابن عباس وجابر رضي الله تعالى عنهم : الفقهاء والعلماء الذين يعلمون الناس معالم دينهم وهو قوله الحسن والضحاك ومجاهد وروى البخاري ومسلم عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" من أطاعني فقد أطاع الله ومن عصاني فقد عصى الله تعالى ومن يطع أميري فقد أطاعني ومن يعص أميري فقد عصاني " أهـ . ولا شك أن كل واحد من الشيوخ الدعاة إلى الله تعالى من أمرائه صلى الله عليه وسلم ومن قدموه بالدعاء إلى الله تعالى من تلاميذهم من أمرائهم ومن كان من أمرائهم فهو إذا من أمرائه صلى الله عليه وسلم ولأجل ذلك أجمعوا على حض المريدين والتلاميذ على طاعة من جعلوه مقدما ونائبا عنهم في إعطاء طرقهم وخليفة لهم . قال في لواقح الأنوار القدسية في العهود المحمدية : أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أن نجل العلماء والصالحين والأقطاب ولو لم يعملوا بعلمهم ونقوم بواجب حقهم وحقوقهم ونكل أمرهم إلى الله تعالى فمن أخل بواجب حقوقهم من الإكرام والتبجيل فقد خان الله ورسوله فإن العلماء نواب رسول الله صلى الله عليه وسلم وحملة شرعه وخدامه من استهان بهم تعدى ذلك إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم وذلك كفر وقد مال إلى ذلك من كفر من قال عن عمامة عالم : هذه عميمة عالم بالتصغير وتأمل من استهان بغلام السلطان إذا أرسله إليه كيف يسمع السلطان من رسوله فيه ويسلب نعمة ذلك الذي استهان ويطرده عن حضرته بخلاف من بجله وعظمه وقام بواجب حقه يقربه السلطان ولو كان بعيدا ويكرمه ويجله ويحتاج من يريد العمل بهذا العهد إلى شيخ يسلك به الطريق حتى يدخل حضرة الولاية الكبرى ويشهد هناك من هو المقدم عند الله تعالى ومن هو المؤخر ويصير يقدم من قدمه الله تعالى ويؤخر من أخره الله تعالى على الكشف والشهود كما يشاهد ذلك في حضرة ملوك الدنيا فإن لم تسلك يا أخي كما ذكرنا فلا يصح لك تقديم أحد على أحد إلا لعلة دنيوية وليس ذلك التقديم هو الذي يأمرك الله تعالى به فعلم أن كل من أقام الميزان بغير حق على العلماء والأكابر حرم النفع بهم وعصى الله تعالى ورسوله صلى الله تعالى عليه وسلم يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وروى الطبراني مرفوعا : "تواضعوا لمن تتعلموا منه" وفي رواية له أيضا مرفوعا : "ثلاثة لا يستخف بهم إلا منافق : ذو الشيبة في الإسلام وذو العلم والإمام المقسط" . وقال السيد محمد بن مختار الكنتي : قل ما أفلح مريد فطم قبل أوان فطامه بل متى مات شيخه أو فصله عنه عارض وكان له نائب أو خليفة تعين عليه ملازمته برسم ما كان عليه من الشيخ ومتى لم يخلف نائبا ولا خليفة لزمه الانتقال إلى مرشد أو شيخ يتخذه في بقية سيره اهـ . قلت : كلام هذا الإمام هو نص المقام لأنه لما تعين على المريد طاعة من كل نائب شيخه الذي مات أو فصله عن عارض والحال أن شيخه ما أمره تصريحا بطاعة ذلك النائب والخليفة بل إنما تتعين عليه طاعته لكونه نائب الشيخ أو خليفته فما ظنك بمقدم أمرك شيخك بطاعته نصا أو كان المقدم هو الذي لقنك الأذكار ونظمك في سلك أهل الطريقة . وقال في الخلاصة المرضية في باب آداب المريد مع شيخه : ويتلمذ ويخدم أكابر كل من قدمه عليه شيخه وإن كان أقل علما منه اهـ . وقال شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به في الرسالة التي كتبها إلى فقراء فاس : وعليكم بطاعة المقدم في الورد مهما أمركم بمعروف أو نهاكم عن منكر أو سعى في إصلاح ذات بينكم اهـ . قلت : وإياك أن تظن أن مرتبة الخليفة ومرتبة المقدم في إعطاء الورد من غير أن يجعل خليفة على حد سواء بل المقدم من جملة رعية الخليفة تجب عليه طاعة الخليفة هو وجماعته كما يجب على جماعته طاعته وهذا الحكم هو وجوب الامتثال للخليفة وحرمة مخالفته يجب على جميع أهل الطريقة يستوي فيه من لقنه الخليفة ومن لم يلقنه لمرتبة الخلافة فاعلم ذلك واعمل عليه ترشد والله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب .
<< الفصل السابق
الفصل التالي >>