في الجواب عنه رضي الله تعالى عنه في مسائل متفرقة أخذها عن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم شفاها ما من واحدة منها إلا وفيها من الفضل والأسرار ما لا يحيط به إلا مولاه الكريم الوهاب وجده عليه من الله تعالى أفضل الصلاة وأزكى السلام قد يعترض فيها بعض من لا قدم له في العلم ومرادنا تنبيهه على قصور علمه وسوء فهمه لأنها كلها منصوص عليها في مذهب إمامه وغيره من المذاهب وإن كنا قد قدمنا أن أصحاب الفتح الأكابر لا يتقيدون بمذهب من مذاهب المجتهدين بل يدورون مع الحق عند الله تعالى أينما دار
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : منها إهداء الثواب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم اعلم أن في هذه المسألة سؤالين أحدهما : هل ينتفع النبي صلى الله تعالى عليه وسلم بما نهديه إليه صلى الله تعالى عليه وسلم من ثواب صلاتنا صلى الله تعالى عليه وسلم وغيرها من الأعمال والأقوال أولا ينتفع بشيء من ذلك والنفع عائد إلينا ؟ والثاني : هل إهداء الثواب إليه صلى الله تعالى عليه وسلم جائز في الشرع أم لا ؟ أما الأول فالجواب والله الموفق بمنه للصواب أن النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا ينتفع بشيء من ذلك وإنما النفع عائد إلينا وأما الثاني : فالجواب أنه جائز وفيه خير كثير وفضل جسيم للعامل والدليل على جوازه وعلى أن النفع عائد إلينا فقط ما رواه أحمد والترمذي والحاكم وصححه وقال الترمذي حسن صحيح عن كعب بن عجرة قال : قلت : يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي قال ما شئت قلت : الربع قال : ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت النصف قال :ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت : أجعل صلاتي كلها لك قال : إذن تكفى همك ويغفر ذنبك وفي رواية لهم إذن يكفيك الله هم دنياك وآخرتك . قال الشعراني في العهود المحمدية : قوله : فكم أجعل لك من صلاتي ؟ قال الحافظ المنذري أي كم أجعل لك من دعائي صلاة عليك أهـ . ثم قال الشيخ أبو المواهب : رأيت النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فقلت له : يا رسول الله ما معنى قول كعب بن عجرة فكم أجعل لك من صلاتي ؟ قال : أن تصلي علي وتهدي ثواب ذلك إلي لا إلى نفسك أهـ . ثم قال : وقد حبب لي أن أذكر لك جملة من فوائد الصلاة على سول الله صلى الله عليه وسلم تشويقا لك لعل الله تعالى أن يرزقك محبته الخالصة فيكون شغلك في أكثر أوقاتك الصلاة على سول الله صلى الله تعالى عليه وسلم وتصير تهدي كل عمل عملته في صحيفة رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كما أشار إليه كعب بن عجرة إني أجعل لك صلاتي كلها أي أجعل لك ثواب أعمالي فقال له النبي صلى الله تعالى عليه وسلم إذن يكفيك الله تعالى هم دنياك وآخرتك أهـ . وفي المواهب وغيرها إن كعب بن عجرة قال : قلت : يا رسول الله إني أكثر الصلاة عليك فكم أجعل لك من صلاتي قال : ما شئت قلت : الربع قال : ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت : النصف قال : ما شئت وإن زدت فهو خير لك قلت : أجعل صلاتي كلها لك قال : إذن تكفى همك ويغفر ذنبك أهـ . وهذا صريح في جواز إهداء الثواب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لكعب رضي الله تعالى عنه : إذن تكفى همك ويغفر ذنبك دليل على فضيلة إهداء الثواب للنبي صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى أن نفعه راجع إلى المهدي لا إليه صلى الله تعالى عليه وسلم كما تقدم . وفي حاشية البناني على شرح الزرقاني عند قول المصنف : وتطوع وليه عنه بغيره كصدقة ودعاء نقل الحطاب هنا ما للعلماء من الخلاف في جواز إهداء ثواب قراءة القرآن للنبي صلى الله عليه وسلم أو شيء من القرب قال : وجلهم أجاب بالمنع قال : لأنه لم يرد فيه أثر ولا شيء عمن يقتضي به من السلف انظره وقد اعترضه ابن ذكري بحديث كعب بن عجرة وذكر الحديث إلى آخره ومثله في حاشية الدسوقي نقلا عن البناني . وقال الشيخ الدردير في شرحه على المختصر في هذا المحل بعد أن ذكر الخلاف بين العلماء في كراهته وجوازه : وكثير من الصوفية على الجواز وإذا تقرر هذا فاعلم أن شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به سئل عن مسألة إهداء الثواب له صلى الله عليه وسلم فأجاب رضي الله تعالى عنه كما في جواهر المعاني : اعلم أنه صلى الله تعالى عليه وسلم غني عن جميع الخلق جملة وتفصيلا فردا فردا وعن صلاتهم عليه صلى الله تعالى عليه وسلم فردا فردا وعن إهدائهم ثواب الأعمال له صلى الله عليه وسلم بربه أولا وبما منحه من سوابغ فضله وكمال طوله فهو في ذلك عند ربه صلى الله تعالى عليه وسلم في غاية لا يمكن وصول غيره إليها ولا يطلب معها من غيره زيادة أو إفادة يشهد لذلك قوله سبحانه وتعالى :{ ولسوف يعطيك ربك فترضى } وهذا العطاء وإن ورد من الحق بهذه الصفة سهلة المأخذ قريبة المحتد فإن لها غاية لا تدرك العقول أصغرها فضلا عن الغاية التي هي أكبرها فإن الحق سبحانه وتعالى يعطيه من فضله على قدر سعة ربوبيته ويفيض على مرتبته صلى الله عليه وسلم على قدر حضوته عنده ومكانته وما ظنك بعطاء يرد من مرتبة لا غاية لها وعظمة ذلك العطاء على قدر تلك المرتبة ثم يرد على مرتبة لا غاية لها أيضا وعظمته على قدر وسعها أيضا فكيف يقدر هذا العطاء وكيف تحمل العقول سعته ولذا قال سبحانه وتعالى :{ وكان فضل الله عليك عظيما } وأقل مراتبه في غناه صلى الله عليه وسلم أنه من لدن بعثه إلى قيام الساعة كل عامل يعمل لله تعالى ممن دخل في طوف رسالته صلى الله عليه وسلم يكون له من ثواب عمله بالغا ما بلغ فليس يحتاج مع هذه المرتبة إلى إهداء الثواب له لما فيها من كمال الغنى الذي لا حد له وهذه أصغر مراتب غناه صلى الله عليه وسلم فكيف بما وراءها من الفيض الكبر والفضل الأعظم الأخطر الذي لا تطيق حمله عقول الأقطاب فضلا عمن دونهم ، وإذا عرفت هذا فاعلم أنه ليست له حاجة إلى صلاة المصلين عليه ولا شرعت لهم ليحصل له النفع بها صلى الله عليه وسلم وليست له حاجة إلى إهداء الثواب ممن يهدي له ثواب الأعمال وما مثل المهدي له في هذا الباب ثواب الأعمال متوهما أنه يزيده به صلى الله عليه وسلم أو يحصل له به نفعا إلا كمن رمى نقطة في بحر طوله مسيرة عشرة آلاف وعرضه كذلك وعمقه كذلك متوهما أنه يمد هذا البحر بهذه النقطة ويزيده فأي حاجة لهذا البحر بهذه النقطة وما عسى أن تزيد فيه ، وإذا عرفت رتبة غناه صلى الله عليه وسلم وحظوته عند ربه فاعلم أن أمر الله تعالى العباد بالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم ليعرفهم علو مقداره عنده وشفوف مرتبته لديه وعلو اصطفائه على جميع الخلق وليخبرهم أنه لا يقبل العمل من عامل إلا بالتوسل إلى الله تعالى به صلى الله عليه وسلم ، فمن طلب القرب من الله والتوجه إليه دون التوسل به صلى الله عليه وسلم معرضا عن كريم جنابه ومدبرا عن تشريع خطابه كان مستوجبا من الله تعالى غاية السخط والغضب وغاية اللعن والطرد والبعد وضل سعيه وخسر عمله ولا وسيلة إلى الله تعالى إلا به كالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم وامتثال أمر شرعه فإذن فالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فيها تعريف لنا بعلو مقداره عند ربه وفيها تعليم لنا بالتوسل به صلى الله عليه وسلم في جميع التوجهات والمطالب لا غير أين هذا من توهم النفع له بها صلى الله عليه وسلم لما ذكرناه سابقا من كمال الغنى ، وأما إهداء الثواب له صلى الله عليه وسلم فتعقل ما ذكرنا من الغنى أولا ثم تعقل مثالا آخر يضرب لإهداء الثواب له صلى الله عليه وسلم بملك عظيم المملكة ضخم السلطنة قد أوتي في مملكته من كل متمول خزائن لا حد لعددها كل خزانة عرضها وطولها ما بين السماء والأرض مملوءة كل خزانة على هذا القدر ياقوتا أو ذهبا أو فضة أو زروعا أو غيرها من المتمولات ثم قدر فقيرا لا يملك مثلا غير خبزتين في دنياه يسمع بالملك واشتد حبه وتعظيمه في قلبه فأهدى لذلك الملك إحدى الخبزتين معظما له ومحبا والملك متسع الكرم فلا شك أن الخبزة لا تقع منه ببال لما هو فيه من الغنى الذي لا حد له فوجودها عنده وعدمه على حد سواء ثم الملك لاتساع كرمه علم فقر الفقير وغاية جهده و صدق حبه وتعظيمه في قلبه وأنه ما أهدى له الخبزة إلا لأجل ذلك ولو قدر على أكثر من ذلك لأهداه له فالملك يظهر الفرح والسرور لذلك الفقير وبهديته لأجل تعظيمه له وصدق حبه لا لأجل انتفاعه بالخبزة ويثيب على تلك الخبزة بما لا يقدر قدره من العطاء لأجل صدق المحبة والتعظيم لا لأجل النفع بالخبزة وعلى هذا التقدير وضرب المثل قدر إهداء الثواب له صلى الله عليه وسلم . وأما غناه عنه صلى الله عليه وسلم فقد تقدم ذكره في ضرب المثل بعظمة البحر المذكورة أولا وإمداده بنقطة وأما إهداؤه له صلى الله عليه وسلم فقد ذكر المثل له بإهداء الخبزة للملك المذكور والسلام ومنها البسملة أول الفاتحة في الصلاة فاعلم أنه ينبغي أن نبين أولا اختلاف العلماء في البسملة هل هي آية من الفاتحة وغيرها من السور سوى براءة أو لا إذ لا يتبين حكمها في الصلاة إلا بذلك فنقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنته إلى سواء الطريق : قال في لباب التأويل : ذهب الشافعي وجماعة من العلماء إلى أنها آية من الفاتحة ومن كل سورة ذكرت في أولها سوى براءة وهو قوله ابن عباس وابن عمر وأبي هريرة وسعيد بن جبير وعطاء وابن المبارك وأحمد في غحدى الروايتين عنه وإسحاق ونقل البيهقي هذا القول عن علي بن أبي طالب والزهري والثوري ومحمد بن كعب وذهب الأوزاعي ومالك وأبو حنيفة إلى أن البسملة ليست آية من الفاتحة زاد أبو داوود ولا من غيرها من السور وإنما هي بعض آية في سورة النمل وإنما كتبت للفصل والتبرك قال مالك ولا يفتتح بها في الصلاة المفروضة وللشافعي قول بأنها ليست من أوائل السور مع القطع بأنها من الفاتحة وأما حجة من منع كون البسملة آية من الفاتحة وغيرها بحديث أنس المشهور المخرج في الصحيحين وحديث عائشة رضي الله تعالى عنها قالت : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح الصلاة بالتكبير والحمد لله رب العالمين قالوا : لأن أول ما نزل به جبريل :{اقرأ باسم ربك الذي خلق} ولم يذكر البسملة في أولها فدل على أنها ليست منها قالوا : ولأن محل القرآن لا يثبت إلا بالتواتر والاستفاضة ولأن الصحابة أجمعوا على عدد كثير من السور منها سورة الملك ثلاثون آية وسورة الكوثر ثلاث آيات وسورة الإخلاص أربع آيات فلو كانت البسملة منها كانت خمسا وأما حجة من ذهب إلى إثباتها في أول السور من جهة النقل ما قد صح عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم قرأ البسملة في أول الفاتحة في الصلاة وعدها آية منها . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما في قوله تعالى : {ولقد آتيناك سبعا من المثاني والقرآن العظيم} قال : هي فاتحة الكتاب قيل : فأين السابعة ؟ قال : بسم الله الرحمن الرحيم . أخرجهما ابن خزيمة وغيره . وروي عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن النبي صلى الله عليه وسلم كان لا يعلم فصل السورة ، وفي رواية : انقضاء السورة حتى ينزل عليه بسم الله الرحمن الرحيم . أخرجه أبو داوود والحاكم أبو عبد الله في مستدركه وقال فيه أنه صحيح على شرط الشيخين . وروى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم : "إذا قرأتم الحمد لله فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم فإنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني بسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها" رجال إسناده كلهم ثقات وروي موقوفا . وروى الدارقطني عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم كان يقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين إلى آخرها قطعها آية آية وعددها عدد الأعراب وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية ولم يعد . وأخرج مسلم في أفراده عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال : بينا رسول الله صلى الله عليه وسلم ذات يوم بين أظهرنا إذ أغفى إغفاءة ثم رفع رأسه مبتسما فقلنا : ما أضحكك يا رسول الله ؟ قال : "أنزلت عليّ آنفا سورة فقرأ : بسم الله الرحمن الرحيم إنا أعطيناك الكوثر" الحديث ، قال البيهقي : أحسن ما احتج به أصحابنا في أن بسم الله الرحمن الرحيم من القرآن وأنها من فواتح السور سوى براءة ما رويناه في جمع الصحابة كتاب الله عز وجل في المصاحف كأنهم كتبوا فيها بسم الله الرحمن الرحيم على رأس كل سورة سوى سورة براءة فكيف يتوهم متوهم أنهم كتبوا مائة وثلاث عشرة آية ليست من القرآن إلى أن قال : وقد علمنا بالروايات الصحيحة عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يعد بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة . وروى الشافعي بسنده عن ابن عمر رضي الله تعالى عنهما أنه كان لا يدع بسم الله الرحمن الرحيم لأم القرآن والسورة التي بعدها ، زاد غيره أنه كان يقول لما كتبت في المصحف لم يقرأ . وروى الشافعي عن ابن عباس رضي الله عنهما أنه كان يفعله ويقول : انتزع الشيطان منهم خير آية في القرآن . وفي أفراد البخاري من حديث أنس رضي الله عنه أنه سئل : كيف قراءة رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : كانت مدا ثم قرأ : بسم الله الرحمن الرحيم يمد الله ويمد الرحمن ويمد الرحيم . وقد ثبت بهذه الأدلة الصحيحة الواضحة أن البسملة من الفاتحة ومن كل موضع ذكرت فيه وأيضا فالصحابة أجمعوا على إثباتها في المصاحف وأنهم طلبوا بكتابة المصاحف تجريد كلام الله عز وجل المنزل على محمد صلى الله عليه وسلم قرآنا وتدوينه من غير أن يزيدوا فيه أو ينقصوا فيه ولذا لم يكتبوا فيه لفظة آمين أو من كان قد ورد أنه كان يقولها بعد الفاتحة ، فلو لم تكن البسملة من القرآن في أوائل السور لما كتبوها وكان حكمها كحكم آمين . وفي السراج المنير : بسم الله الرحمن الرحيم آية من الفاتحة وعليه قراءة مكة والكوفة وفقهاؤهما وابن المبارك والشافعي وقيل : ليست منها وعليه قراء المدينة والبصرة والشام وفقهاؤهم والأوزاعي ومالك ، ويدل للأول ما روي أنه صلى الله عليه وسلم عد الفاتحة سبع آيات وعد بسم الله الرحمن الرحيم آية منها ، رواه البخاري . وروى الدارقطني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله عليه وسلم قال : "إذا قرأتم الحمد لله فاقرأوا بسم الله الرحمن الرحيم إنها أم القرآن وأم الكتاب والسبع المثاني وبسم الله الرحمن الرحيم إحدى آياتها" . وروى ابن خزيمة بسند صحيح عن أم سلمة رضي الله تعالى عنها أن النبي صلى الله عليه وسلم عد بسم الله الرحمن الرحيم آية والحمد لله رب العالمين ست آيات وآية من كل سورة إلا براءة لإجماع الصحابة على إثباتها في المصحف بخطه أوائل السور سوى سورة براءة مع المبالغة في تجريد القرآن عن الأعشار وتراجم السور والتعوذ حتى لم تكتب آمين ، فلو لم تكن قرآنا لما أجازوا ذلك لأنه يؤدي إلى اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا ، وأيضا هي آية من القرآن في سورة النمل قطعا ثم إنا نراها مكررة بخط القرآن فوجب أن تكون منه كما أنا لما رأينا قوله تعالى : {فبأي آلاء ربكما تكذبان} وقوله : {ويل يومئذ للمكذبين} مكررا في القرآن بخط واحد بسورة واحدة قلنا إن الكل من القرآن . فإن قيل : لعلها ثبتت للفصلي أجيب بأنه يلزم عليه اعتقاد ما ليس بقرآن قرآنا وإثباتها في أول براءة ولم تثبت في أول الفاتحة ، فإن قيل : القرآن إنما تثبت بالتواتر أجيب بأن محله في ما يثبت قرآنا أما ما يثبت قرآنا حكما فيكفي فيه الظن كما يكفي في كل ظني خلافا للقاضي أبي بكر البلايلاني وأيضا إثباتها في المصحف بخطه من غير نكير في معنى التواتر وأيضا قد يثبت التواتر عند قوم دون آخرين . فإن قلت : لو كانت قرآنا لكفر جاحدها أجيب بأنها لو لم تكن قرآنا لكفر مثبتها وأيضا لا يكون بالظنيات ، أما براءة فليست البسملة آية منها بإجماع وأما حكمها في الصلاة فاعلم أن إجماع الأمة قد انعقد على أن من قرأها أول الفاتحة فصلاته صحيحة ولم يقل أحد من العلماء ببطلان صلاة قارئها ثم اختلفوا بعد ذلك فقال بعضهم : لا تصح صلاة تاركها أصلا وهو مذهب الشافعي وبعض العلماء ، وأما مذهب مالك ففي قراءتها أول الفاتحة في الفريضة أربعة أقوال : الوجوب والندب والإباحة والكراهة ولكن محل كراهة البسملة في الفريضة إذا أتى بها على وجه أنها فرض من غير تقليد لمن يقول بوجوبها أما إذا أتى بها مقلدا له أو يقصد الخروج من الخلاف من غير تعرض لفريضة ولا تقليد فلا كراهة بل واجبة إذا قلد القائل بالوجوب ومستحبة بغيرها هذا هو مذهب مالك رضي الله عنه وكذب غير هذا كما سيأتي إن شاء الله تعالى بيانه بالنقول الصحيحة والدلائل الواضحة الصريحة . إن قلت : هات النصوص الموافقة لما ذكرت قلت : قال في لباب التأويل : إذا ثبت بما تقدم من الأدلة أن البسملة من الفاتحة ومن غيرها من السور فيجهر بما مع الفاتحة في الصلاة الجهرية ويسر بها مع الفاتحة في الصلاة السرية وممن قال بالجهر من الصحابة أبو هريرة وابن عباس وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم وممن بعدهم سعيد بن جبير وأبو قلابة والزهري وعكرمة وعطاء وطاووس ومجاهد وعلي بن الحسين وسالم بن عبد الله ومحمد بن كعب القرظي وابن سيرين وابن المنكدر مولى ابن عمر ويزيد بن أسلم ومكحول وعمر بن عبد العزيز وعمرو بن دينار ومسلم بن خالد وإليه ذهب الشافعي وأحد قولي أوهب صاحب مالك ويحيى أيضا عن ابن المبارك وأبي ثور وقيل يسر بها مطلقا وممن ذهب إلى الإسرار بها من الصحابة أبوبكر وعمر وعثمان وعلي وابن مسعود وعمار بن ياسر وابن معقل وغيرهم رضي الله عنهم وممن بعدهم الحسن والشعبي وإبراهيم النخعي وقتادة والأعمش والثوري وإليه ذهب مالك وأحمد وغيرهم . وأما حجة من قال بالجهر فقد روى جماعة منهم أبو هريرة وابن عباس وعلي بن أبي طالب وسمرة بن جندب وأم سلمة رضي الله عنهم أن النبي صلى الله عليه وسلم جهر بالبسملة فمنهم من صرح بذلك ومنهم من أومأ بذلك في عبارته ولم يرد في صريح الإسرار بها عن النبي صلى الله عليه وسلم إلا روايتان أحدهما ضعيفة وهي رواية عبد الله بن معقل والأخرى عن أنس في الصحيح وهي معللة بما أوجب سقوط الاحتجاج بها . وروى نعيم بن عبد الله قال : صليت وراء أبي هريرة رضي الله تعالى عنه فقال : بسم الله الرحمن الرحيم ثم قرأ بأم القرآن وذكر الحديث وفيه : ثم يقول إذا سلم : إني لأشبهكم برسول الله صلى الله عليه وسلم . أخرجه النسائي وابن خزيمة في صحيحه وقال : إنما الجهر ببسم الله الرحمن الرحيم فقد صح وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم . وروى الدارقطني بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم قال : كان إذا قرأ وهو يؤم الناس افتتح ببسم الله الرحمن الرحيم قال الدارقطني : رجاله كلهم ثقات . وعن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم . أخرجه الدارقطني وقال : ليس في روايته مجروح وأخرجه الحاكم أبو عبد الله وقال : إسناده صحيح وليس له علة . وفي رواية عن ابن عباس رضي الله عنهما قال : كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم . أخرجه الدارقطني وقال : إسناده صحيح ليس في إسناده مجروح وأخرجه الترمذي وقال : ليس إسناده كذلك وقال أبو شامة : أي لا يماثل إسناده ما في الصحيح ولكن إذا انضم إلى ما تقدم من الأدلة رجح على الصحيح . وعن أنس رضي الله عنه قال : كان النبي صلى الله عليه وسلم يجهر في القراءة ببسم الله الرحمن الرحيم . أخرجه الدارقطني وقال : إسناده صحيح . وفيه عن محمد بن أبي السري العسقلاني قال : صليت خلف المعتبر بن سليمان ما لا يحصى صلاة الصبح وصلاة المغرب فكان يجهر ببسم الله الرحمن الرحيم قبل الفاتحة وبعدها ، وسمعت المعتبر قال : ما آلوا أقتدي بصلاة أنس بن مالك رضي الله عنه ، وقال أنس بن مالك : ما آلوا أقتدي بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم . أخرجه الدارقطني وقال : رواته كلهم ثقات اهـ . قلت : وفي الباب أحاديث وأدلة وإيرادات وأجوبة من الجانبين يطول ذكرها وفي هذا القدر كفاية وبالله التوفيق . وقال في الذهب الإبريز : وعلى القول بأنها من الفاتحة يجهر بها في الصلاة الجهرية ويسر بها معها في السرية قال هذا من الصحابة أبو هريرة وابن عباس وابن عمر وابن الزبير رضي الله عنهم ومن التابعين فمن بعدهم عروة بن الزبير وأبو قلابة والزهري وعكرمة وعطاء وطاووس ومجاهد وعلي بن الحسين ومحمد بن كعب القرظي وابن سيرين وابن المنكدر ونافع مولى ابن عمر وزيد بن أسلم ومكحول وعمر بن عبد العزيز وعمرو بن دينار ومسلم بن خالد وإليه ذهب الشافعي وأحد قولي ابن وهب صاحب مالك ويحكى أيضا عن ابن المبارك وأبي ثور وقال أبو القاسم المخزولي : سأل مالك نافعا عن البسملة فقال : السنة الجهر بها فسلم إليه وقال : كل علم سل عنه أهله أهو لا شك أن من كان إماما في علم وكان ذلك العلم يتعلق به علم آخر وهو متقن له داخله الوهم والغلط قاله ابن الفاض في تأليفه على قراءة ابن كثير وقيل : يسر بها وممن قاله من الصحابة الخلفاء الأربعة وابن مسعود وعمار بن ياسر وابن معقل وغيرهم رضي الله عنهم ومن التابعين فمن بعدهم الحسن والشعبي والنخعي وقتادة والأعمش والثوري وإليه ذهب مالك وأبو حنيفة وأحمد وغيرهم إلى أن قال : وقال صاحب الفروع : يكفر جاحد البسملة ويفسق تاركها . قال الإمام في تفسيره : سألت عمرة الراعية وكانت من كبار العارفات : ما الحكمة في أن الجنب والحائض يمنعان من القرآن دون البسملة قالت : لأن البسملة اسم الحبيب والحبيب لا يمنع من ذكر الحبيب . وروى الزرقاني عن أبي سهل الأبي وردان خطيبا ببخارى وجع سنه ثم أنه زاد وجعه ورأى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال : رويت عنك خبرا يا رسول الله فعلته فلم يسكن وجعي فقال : لأنك قرأت ولم تقرأ بسم الله الرحمن الرحيم فانتبه وقرأها بالبسملة فزال وجع سنه ولم يعد . قال الخطيب : اعتقدت مذهب الشافعي في هذه المسألة ولا أصلي إلا بها . وروي عن بعض العارفين وقد قيل له : فبماذا ترى ظهور اسم الشافعي وعلو ذكره على جميع من في عصره قال : بإظهار بسم الله الرحمن الرحيم لكل صلاة اهـ . وفي الفواكه الدواني للنفراني على الرسالة عند قوله : فإن كنت في الصبح فقرأت جهرا بأم القرآن ولا تفتتح ببسم الله الرحمن الرحيم في أم القرآن ولا في السور بعدها لا سرا ولا جهرا إماما كنت أو فذا أو مأموما لأنها عند الإمام وأحمد وأبي حنيفة ليست آية من الفاتحة ولا من أول كل سورة فينهى المصلي عن قراءتها في الفريضة نهي كراهة هذا هو المشهور في المذهب . ولابن نافع قول في وجوبها كمذهب الشافعي . وعن الإمام مالك بإبابحتها وعزي لابن مسلمة ندبها ودليل المشهور حديث عبد الله بن مغفل والعمل وكان المازري يأتي بها سرا فكلم في ذلك فقال : مذهب مالك كله على صحة صلاة من بسمل ومذهب الشافعي على قول واحد ببطلان صلاة تاركها والمتفق عليه خير من المختلف فيه وقد ذكر القرافي وابن رشد والغزالي وجماعة أن من الورع الخروج من الخلاف بقراءة البسملة في الصلاة ومثل ذلك قراءة الفاتحة في صلاة الجنازة بعد إحدى التكبيرات لكن مع بعض الدعاء لتصير الصلاة صحيحة باتفاق لأن الدعاء عندنا ركن ومحل كراهة البسملة في الفريضة إذا أتى بها على وجه أنها فرض من غير تقليد لمن يقول بوجوبها أما إذا أتى بها مقلدا له أو يقصد الخروج من الخلاف من غير تعرض لفريضة ولا تقليد فلا كراهة بل هي واجبة إذا قلد القائل بالوجوب ومستحبة في غيرها أهـ وقال أبو الحسن في شرح تحقيق المباني في هذا المحل : وإذا قرأت في صلاة الصبح وكذا غيرها من الصلوات المفروضات لا تستفتح القراءة فيها ببسم الله الرحمن الرحيم مطلقا لا في أم القرآن ولا في السورة التي بعدها لا سرا ولا جهرا إماما كنت أو غيره والنهي في كلامه للكراهة وهو مذهب المدونة . ثم قال : وفيها ثلاثة أقوال أيضا الوجوب لابن نافع وهو مذهب الشافعي رضي الله عنه والإباحة لمالك رضي الله عنه والندب لابن مسلمة إلى أن قال بعد كلام أن الشيخ أحمد زروقا قال : وكان المازري يبسمل سرا فقيل له في ذلك فقال : مذهب مالك على قول واحد أن من يبسمل لا تبطل صلاته ومذهب الشافعي على قول واحد أن من تركها بطلت صلاته ونحوه قول الأقفهسي واستحب بعضهم أن يقرأها ليأتي بصلاة متفق على صحتها إلى أن قال : وقال في جامع الذخيرة : الورع ترك ما لا بأس به حذا مما به البأس كاختلاف العلماء في مشروعية الفاتحة في صلاة الجنازة فمالك يقول ليست مشروعة والشافعي يقول : واجبة فالورع أن تقرأ كالبسملة ومالك يقول : الصلاة مكروهو والشافعي يقول : واجبة فالورع أن تقرأ أهـ وفي شرح الشيح أحمد زوروق في هذا المحل قوله لا تستفتح إلى آخره يعني لأن ذلك مكروه على المشهور ثم قال بعد كلام : ولأبي عمر عن ابن نافع لا باس بها ولابن رشد عن ابن مسلمة استحبابها ورابعها الوجوب نقلها المازري عن ابن نافع وعياض عن ابن مسلمة وهو مذهب الشافعي على قول واحد من تركها بطلت صلاته وفي الذخيرة عن الطراز لا يختلف في جواز البسملة في النافلة وأنها لا تبطل صلاة الفريضة ومذهب المدونة التخيير في النافلة في البسملة وحكى ابن رشد روايتين لا يقولها أو يقولها عياض عن ابن نافع لا يتركها بحال في فرض ولا نفل أهـ . وقال الشيخ عبد الباقي في شرحه على المختصر وكرها بفرض والورع البسملة أول الفاتحة للخروج من الخلاف قال القرافي وغيره وكان المازري يبسمل سرا فقيل له في ذلك فقال : مذهبي مالك على قول واحد من بسمل لم تبطل صلاته ومذهب الشافعي على قول واحد من تركها بطلت صلاته وصلاة يتفقان على صحتها خير من صلاة يقول أحدهما ببطلانها إلى أن قال : ومحلي كراهة البسملة فيه إذا اعتقد أن الصلاة لا تصح بتركها ولم يقصد الخروج من الخلاف فإن قصده لم تكره أهـ . وقال الخرشي في هذا المحل أي وكرهت البسملة والتعوذ في الفرض للإمام وغيره سرا وجهرا في الفاتحة وغيرها ابن عبد البر وهو المشهور عند مالك وتحصيل مذهبه عند أصحابه وقيل بالإباحة والندب والوجوب لكن من الورع الخروج من الخلاف بالبسملة أول الفاتحة ويسرها ويكره الجهر بها أهـ . قال العلامة الشيخ علي العدوي في حاشيته على الخرشي : قوله يسرها أي مراعاة لشافعي ومعلوم أن السر عنده لا تكفي فيه حركة اللسان بل لابد من إسماع نفسه فيكون المراد بقوله يسرها أي ويسمع نفسه اهـ . قال الخرشي : ولا يقال قولهم يكره الإتيان بها في الفريضة ينافي قولهم يستحب الإتيان بها للخروج من الخلاف لأنا نقول متعلق الكراهة الإتيان بها على رجه أنها فرض أو على أن صحة الصلاة تتوقف عليها ومتعلق الاستحباب الإتيان بها دون نية الفرضية والنفلية فلا تنافي بينهما أهـ . وقال بعض العلماء المدققين النحققين قوله ـ يعني الشيخ خليلا ـ في مختصره وكرها بفرض والحاصل أنه إما أن يقصد الفرضية أو النفلية أوهما معا أي على العموم بأن يكون مراده واحدا لا بعينه أو لم يقصد شيئا أصلا فهذه أربع وفي كل إما أن يقصد الخروج أو لا فهذه ثمانية الكراهة في سبع وعدمها في صورة واحدة وهي ما إذا لم يقصد شيئا أصلا ونية الخروج من الخلاف لعبد الباقي القائل بعدم الكراهة في صورتين هذه وأما إذا قصد الفرضية ونوى الخروج لما فيه من التنافي لأن إذا قصد الفرضية كان شافعيا خالصا والمراد بقاؤه مالكيا ملاحظا أهـ . وفي قريبة المسالك لمذهب الإمام مالك للعالم العلامة الشيخ علي بن الخضر العمروسي : ومن الورع البسملة أول الفاتحة للخروج من الخلاف وقد كان المازري يبسمل سرا فقيل له في ذلك فقال : مذهب مالك على قول واحد من بسمل لم تبطل صلاته ومذهب الشافعي على قول واحد من تركها بطلت صلاته أي وصلاة يتفقان على صحتها خير من صلاة يقول أحدهما ببطلانها إلى أن قال ومحل الكراهة ما لم يقصد الخروج من الخلاف وإلا استحب الإتيان بها . وفي حاشية الدسوقي على رح الدردير على المختصر أن تجب البسملة بالنذر في صلاة الفريضة بمنزلة من نذر صوم يوم رابع النحر ومن نذر صلاة ركعتين بعد العصر أو لا يجب أن يوفي بذلك النذر ؟ لم أر من تعرض لذلك والظاهر اللزوم وخصوصا بعض من أهل المذاهب يقول بوجوبها في الفريضة وهذا إذا كان غير ملاحظ بالنذر لها الخروج من الخلاف وإلا كانت واجبة قولا واحدا أهـ . وفي المجموع وكرها بفرض إلا لمراعاة خلاف أهـ وفي حاشية ضوء الشموع على المجموع : قوله إلا لمراعاة خلاف أورد البناني أن الكراهة حاصلة غير أنه لم يبال بها لفرض الصحة عند المخالف لكن قد يقال إذا كانت المراعاة أورع فتنتفي الكراهة قطها وفي حاشية السبتي أنه يتسلسل في الخلافيات وهو حرج أقول إن شأن الورع التشمير . واعلم أنه قد قيل بوجوب البسملة في مذهبنا كما في العشماوية وفي غيرها وفي الباني ما نصه فائدة في عنوان الزمان بتراجم الشيوخ والأقران للبقاعي في ترجمة شيخه الحافظ بن حجر ومنها بحثه المرقص المطرب في إثبات البسملة آية من الفاتحة أو نفيها ومحله النظر إليها باعتبار طرق القراء فمن تواترت عنده في حرفه آية من أول السورة لم تصح صلاة أحد بروايته إلا بقراءتها على أنها آية لم تتصل به إلا كذلك ومن ثم أجبها الشافعي رضي الله عنه لكون قراءته قراءة ابن كثير وهذا من نفائس الأنظار التي ادخرها الله تعالى أهـ قال بعض العلماء : وبهذا الجواب البديع يرتفع الخلاف بين أئمة الفروع ويرجع النظر إلى كل قارئ من القراء بانفراده فمن تواترت في حرفه تجب على كل قارئ بذلك الحرف وتلك القراءة في الصلاة لها وتبطل بتركها أيا كان وإلا فلا ولا ينظر إلى كونه شافعيا أو مالكيا أو غيرهما ، قال بعضهم : وهو حسن اهـ هذا ما نقله البناني بالحرف أقول محل خلاف القراء إنما هو في الوصل بين السورتين وأما في ابتداء السورة فاتفقوا على إثباتها في غير براءة ، قال الشاطبي :
ولابد منها في ابتدائك سورة *** سواها وفي الأجزاء خير من تلا
وظاهرها أن الفاتحة مبدوءة بها فهي محل اتفاق القراء لا تختلف طرقهم فيها فكيف يصح رد الخلاف إلى طرقهم وهي متفقة في هذا الموضع فضلا عن أن يكون حسنا مرقصا مطربا وأيضا الإجماع على جواز القراء السبع لها في الصلاة وخارجها ونفس الراوي كابن كثير يجيز القراءة بغير روايته من السبع في الصلاة وخارجها عمن قرأ بروايته غاية الأمر إله اعتنى بضبط هذه السورة وتخيرها وغيره من العدول قام بغيرها وكل من عند ربنا فالصواب أن خلاف الفقهاء باق ورفع الخلاف بين أئمة الفروع ونسخه إلى اختلاف القراء فاسد على أن القراء لا يرجع إليهم في صحة ولا بطلان بل هذه للفقهاء وغاية منصبهم الاستعاذة والتهليل والتكبير ولو سلم فيكون من الأحرف التي نزل بها القرآن تسهيلا للأئمة أقرأه جبريل مرة بالبسملة ومرة بتركها كما أقرأه في آخر التوبة : {تجري من تحتها الانهار} بإثبات من تارة وبتركها وآخر الحديد : {ومن يتول فإن الله هو الغني الحميد} بإثبات هو وتارة بحذفها اهـ ثم إذا فهمت هذا فالعجب كل العجب أن يدعي الإنسان أنه مالك المذهب ثم يدعي أنه عالم ويدعي أنه لا يتبع إلا ما في مختصر خليل ثم يقول إنه لا يصلي خلف من يقرأ البسملة أول الفاتحة في صلاة الفريضة لزعمه أن الإمام شافعي فلذلك لا يصلي خلفه ولم يدر الجهول أنه صار أضحوكة بين الناس لوجهين أحدهما جهله أن قراءة البسملة أول الفاتحة في صلاة الفريضة لا يصير الإنسان شافعيا لنص علماء المذهب أن ذلك يفعل فبعض منهم أوجبه وبعض ندبه ومالك بنفسه أباحه ثم اتفقوا على أن فعله لقصد الخروج من الخلاف ورع فكيف يعيب صاحب الورع وتلك جهالة عظيمة لأن الذي يصلي صلاة متفق على صحتها إذا عابه من يصلي صلاة مختلفا في صحتها وبطلانها ينبغي أن يتعجب منه عند كل عاقل ، والثاني أنا لو فرضنا أن من بسمل أول الفاتحة في صلاة الفريضة شافعي لا نسلم أن الاقتداء به لا يصح لقول خليل في مختصره : وجاز اقتداء بأعمى ومخالف في الفروع اهـ . قال الخرشي : وكذا يجوز الاقتداء بالمخالف في الفروع كالصلاة المالكي خلف الشافعي أو غيره من المذاهب ولو رآه يفعل خلاف مذهب المقتدي ولم يدر الجهول الضليل أن كلامه هذا طعن في خليل وفي مختصره قال : إن المبسمل شافعي ولا تصح صلاة المالكي خلفه لوجهين أحدهما أن يكون خليل رضي الله عنه جاهلا بأن صلاة المالكي خلف إمام شافعي ممنوعة وباطلة شرعا مع أن الاقتداء بالمخالف في الفروع ممنوع إجماعا فيكون جاهلا بالكلية ، وثانيها أن يكون رحمه الله تعالى عالما بالمنع ولكنه أباح ما منعه الله تعالى جرأة على الله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم ليغر بهذا المختصر هذه الأمة المحمدية وبأي هذين اتصف ينتفي الوثوق به وبمختصره وبجميع مؤلفاته وقد أبطل الحس والعقل كليهما والحمد لله على ذلك وإذا كان حال هذا المنكر هكذا فلا ينبغي لعاقل أن يشتغل بمناظرته ولا أن يبالي بإنكاره فالله حسبه وسائله . قلت : إذا تقرر جميع ما تقدم ورأيته بعيني رأسك وحصل عندك علمه وفهمته في ذهنك واستقرت معرفته في قلبك على بصيرة وبينة من ربك فهو معتمدنا على قراءة البسملة أول الفاتحة في الصلاة من جهة علم الشريعة وأما معتمدنا على قراءتها أول الفاتحة في الصلاة من جهة علم الحقيقة فقد أمرني سيدي محمد الغالي ونحن بالمدينة المنورة على ساكنها أفضل الصلاة وأزكى السلام بقراءتها أول الفاتحة في الصلاة وغيرها وأذن لي في ذلك وفي إعطائها وهو عن سيدنا ووسيلتنا إلى ربنا القطب المكتوم والبرزخ المختوم شيخنا أحمد بن الحسن التجاني رضي الله عنه وأرضاه وعنا به وهو قد أمره بذلك وأذن له سيد الوجود وعلم الشهود سيدنا ومولانا محمد صلى الله عليه وسلم ، وذكر لي سيدي محمد الغالي أيضا ونحن في مكة المكرمة أن اقرأ البسملة متصلة بالفاتحة في نفس واحد في الصلاة وغيرها وهو عن الشيخ رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه وسلم وأطلعني على أسرار في ذلك منها أنه أعطاني ورقة فيها ما نصه : قال الشيخ القاضي مجد الدين الفيروزابادي رحمه الله : والله العظيم لقد أخبرني الشيخ صفي الدين البعلبكي عن الشيخ القاروني عن محمد العربي أنه قال : إذا قرأت الفاتحة فقل بسم الله الرحمن الرحيم في نفس واحد فأنى أقول : والله العظيم لقد سمعت من لفظ أبي بكر الفضيل بن محمد الكاتب وقال : بالله العظيم لقد حدثنا أبو محمد علي السالسي عن لفظه وقال : بالله العظيم لقد حدثني عبد الله المعروف بأبي نصر الضرخاوي وقال : بالله العظيم لقد حدثني أبو عبد الله الوراق وقال : بالله العظيم لقد حدثني محمد بن يونس الطويل وقال : بالله العظيم لقد حدثني محمد بن الحسين العلوي الزاهد وقال : بالله العظيم لقد حدثني أبو بكر الراجي وقال : بالله العظيم لقد حدثني عمر بن موسى البرمكي وقال : بالله العظيم لقد حدثني أنس بن مالك رضي الله عنه وقال : بالله العظيم لقد حدثني علي بن أبي طالب رضي الله عنه وقال : بالله العظيم لقد حدثني أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقال : بالله العظيم لقد حدثني المصطفى صلى الله عليه وسلم وقال : "بالله العظيم لقد حدثني جبريل عليه السلام وقال : بالله العظيم لقد حدثني ميكائيل عليه السلام وقال : بالله العظيم لقد حدثني إسرافيل عليه السلام وقال : قال الله تعالى : يا إسرافيل وعزتي وجلالي وجودي وكرمي من قرأ بسم الله الرحمن الرحيم متصلة بفاتحة الكتاب مرة واحدة فاشهدوا على أني قد غفرت له وقبلت منه الحسنات وتجازوت له عن السيئات ولا أحرق لسانه بالنار وأجيره من عذاب القبر وعذاب النار وعذاب يوم القيامة والفزع الأكبر" اهـ . قلت : وإن رغبت يا أخي عن تحصيل هذا الفوز العظيم ونيل هذا الربح الجسيم أو وجدت ما ترد به جميع ما في هذه الأسطار فاجلب وعلمت أنك لا تكون في رده ممن طرد ولعن وسلب فهات ما أودعته من المسائل في رحالك وإلا فالتصديق أوفق وأصلح لحالك والعمى لا يقود البصير ومن لم يهد الله فما له من نصير . ومنها قراءة المأموم فاتحة الكتب خلف الإمام في الصلاة السرية والجهرية اعلم أنما أودعناه في الفصل السابع من هذا الكتاب المبارك من أن العلماء متفقون على الحث عن الخروج من الخلاف باتقاء مواضعه يغني عن مسألة قراءة البسملة أول الفاتحة في الصلاة المتقدمة وعن هذه المسألة التي نشرع فيها الآن لمن نور الله تعالى قلبه من الإخوان المنصفين لكي لما كان غرضنا في هذا الكتاب المبارك رد الأغبياء من الطلبة الجهلة تعرضنا لإيراد هذه المسائل في هذا الفصل فأقول وبالله تعالى التوفيق قيل في أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك : ومن الورع البسملة أول الفاتحة في الفرض للخروج من الخلاف فقد كان المازري يبسمل سرا فقيل له في ذلك فقال : مذهب مالك على قول واحد من بسمل لم تبطل صلاته ومذهب الشافعي على قول واحد من تركها بطلت صلاته وصلاة يتفقان على صحتها خير من صلاة يقول أحدهما ببطلانها وكذلك القراءة خلف الإمام في الجهر وبإسماع نفسه ولا يكتفي بحركة اللسان أهـ . وفي شرح عبد الباقي على مختصر خليل عند قوله : وكرها بفرض مثله وقال في المجموع عاطفا على سنن الصلاة وإنصات مأموم وإن لم يسمع أو سكت الإمام ولا تخفى مراعاة الخلاف أهـ . وقال الدسوقي في حاشيته على شرح الشيخ الدردير على مختصر خليل عند قوله : وإنصات مقتد ولو سكت إمامه وتكره قراءته أي ما لم يقصد بها الخروج من خلاف الشافعي وإلا فلا كراهة أهـ . وقال القرطبي في تفسيره : اختلف العلماء في وجوب قراءة الفاتحة في الصلاة فقال مالك وأصحابه : هي متعينة للإمام والمنفرد في كل ركعة قال ابن خويز منداد البصري المالكي : لم يختلف قول مالك أن من نسيها في ركعة من صلاة ركعتين أن صلاته تبطل ولا تجزيه واختلف قوله فيمن تركها ناسيا في ركعة من صلاة الرباعية أو ثلاثية فقال مرة : يعيد الصلاة وقال مرة أخرى : يسجد سجدتي السهو وهي رواية ابن عبد الحكم وغيره عن مالك قال ابن خويز منداد : وقد قيل أنه يعيد تلك الركعة ويسجد للسهو بعد السلام قال ابن عبد البر : الصحيح من الأقوال إلغاؤه تلك الركعة ويأتي بركعة بدلا منها كمن أسقط سجد سواء وهو اختيار ابن القاسم وقال البصري وأكثر أهل البصرة والمغيرة بن عبد الرحمن المدني : إذا قرأ بأم القرآن مرة في الصلاة أجزاه ولك تكن عليه إعادة لأنها صلاة قد قرئ فيها بأم القرآن وهي تامة لقوله عليه الصلاة والسلام :"لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن " وهذا قد قرأ بها قال القرطبي ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في كل ركعة وهو الصحيح على ما يأتي ، ويحتمل لا صلاة لمن لم يقرأ بها في أكثر عدد الركعان وهذا سبب الخلاف والله أعلم . وقال أبو حنيفة والثوري والأوزاعي : أن من تركها عامدا في صلاته كلها وقرأ غيرها أجزاه على الاختلاف عند الأوزاعي في ذلك وقال أبو يوسف ومحمد بن الحسن : أقله ثلاث آيات أو آية طويلة كآية الدين وعن محمد بن الحسن أيضا قال : الاجتهاد في مقدار آية ومقدار كلمة مفهمة نحو الحمد لله ولا أسوغه في حرف لا يكون كلاما وقال الطبراني : يقرأ المصلي بأم القرآن في كل ركعة إن لم يقرأ بها لم يجزه إلا مثلها من القرآن عدد آياتها وحروفها وقال ابن عبد البر : وهذا لا معنى له لأن التعين لها والنص عليها قد خصها بهذا الحكم دون غيرها فمحال أن يجيء بالبدل بها من وجبت عليه فتركها وهو قادر عليها وإنما عليه أن يجيء بها ويعود إليها كسائر المفروضات المعينات في العبادات وأما المأموم فإن أدرك الإمام راكعا الإمام يحمل القراءة عنه لإجماعهم على أنه إذا أدركه راكعا أن يكبر ويركع ولا يقرأ شيئا فإن أدركه قبل أن يركع فإنه يقرأ ولا ينبغي لأحد أن يدع القراءة خلف إمامه في صلاة السر فإن فعل فقد أساء ولا شيء عليه عند مالك وأصحابه وأما إذا جهر الإمام فلا قراءة بفاتحة الكتاب ولا غيرها في المشهور من مذهب مالك لقول الله تبارك وتعالى : { وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مالي أنازع القرآن " وقوله في الإمام :" إذا قرأ فأنصتوا " وقوله : "من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " وقال الشافعي فيما حكى عنه البويطي وأحمد بن حنبل : لا تجزئ أحد صلاة حتى يقرأ فيها بفاتحة الكتاب في كل ركعة إماما كان أو مأموما جهر إمامه أو أسر وكان الشافعي بالعراق يقول في المأموم : يقرؤ إذا أسر ولا يقرؤ إذا جهر كمشهور مذهب مالك وقال البصري : فيما يجهر فيه إمام بالقراءة قولان أحدهما أن يقرأ والآخر يجزئه أن لا يقرأ أو يكتفي بقراءة الإمام حكاه ابن المنذر وقال ابن وهب وأشهب وابن عبد الحكم وابن حبيب والكوفيون : لا يقرأ المأموم شيئا جهر إمامه أو أسر لقوله : "فقراءة الإمام له قراءة" وهذا عام لقول جابر : من صلى ركعة فلم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام . والصحيح من هذه الأقوال قول الشافعي وأحمد ومالك في الآخر : إن الفاتحة متعينة في كل ركعةن لكل أحد على العموم لقوله صلى الله عليه وسلم :" لا صلاة لمن لم يقرأ فيها بأم القرآن " وقوله صلى الله عليه وسلم :" أمرت أن أنادي أن لا صلاة إلا بقراءة فاتحة الكتاب فما زاد " أخره أبو داود وكما لا ينوب سجود ركعة ولا ركوعها عن ركعة أخرى فكذلك لا تنوب قراءة ركعة عن غيرها وبه قال عبد الله بن عوف وأيوب السختياني وأبو ثور وغيره من أصحاب الشافعي وداوود وروي مثله عن الأوزاعي وبه وقال مكحول وروي عن عمر بن الخطاب وعبد الله بن عباس وأبي هريرة وأبي بن كعب وأبي أيوب الأنصاري وعبد الله بن عمرو بن العاص وعبادة بن الصامت وأبي سعيد الخدري وعثمان بن أبي العاص وخوات بن جبير رضي الله تعالى عنهم أنهم قالوا : لا صلاة إلا بفاتحة الكتاب وهو قول ابن عمر والمشهور مذهب الوزاعي وهؤلاء الصحابة بهم القدوة وبهم السوة وكلهم يوجبون الفاتحة في كل ركعة وقد أخرج الإمام أبو عبد الله محمد بن يزيد بن ماجه القزويني في سننه ما يرفع الخلاف ويزيل كل احتمال فقال : حدثنا أبو كريب أخبرنا محمد بن فضيل وحدثنا سويد بن سعيد أخبرنا علي بن المطهر جميعا عن أبي سفيان السعدي عن أبي نضرة عن أبي سعيد الخدري رضي الله عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" لا صلاة لمن لم يقرأ في كل ركعة الحمد لله وسورة في فريضة أو غيرها " وفي صحيح مسلم عن أبي هريرة رضي الله عنه أنه عليه الصلاة والسلام قال للذي علمه الصلاة وافعل في صلاتك كلها وسيأتي ومن الحجة في ذلك أيضا ما رواه ابو داود عن نافع بن محمود بن الربيع الأنصاري قال : أبطأ عبادة عن صلاة الصبح فأقام أبو نعيم المئذن للصلاة فصلى أبو نعيم بالناس وأقبل عبادة وأنا معه حتى صففنا خلف أبي نعيم يجهر بالقراءة فجعل عبادة يقرؤ بأم القرآن فلما انصرف قلت لعبادة سمعتك تقرأ بأم القرآن وأبو نعيم يجهر بالقراءة قال : أجل صلى بنا رسول الله صلى الله عليه وسلم بعض الصلوات يجهر بها في القراءة فلتبست عليه فلما انصرف أقبل علينا بوجهه الكريم وقال : فهل تقرؤن إذا جهرت بالقراءة فقال بعضنا إنا نصنع ذلك قال : أفلا وأنا نقول مالي تنازعوني القرآن فلا تقرؤوا بشيء من القرآن إذا جهرت إلا بأم القرآن وهذا نص صريح في المأموم وأخرجه أبو عيسى الترمذي من حديث محمد بن إسحاق بمعناه وقال : حديث حسن والعمل على هذا الحديث في القراءة خلف الإمام عند أكثر أهل العلم من أصحاب النبي صلى الله عليه وسلم والتابعين وهو قول مالك بن أنس وابن المبارك والشافعي وأحمد وإسحاق يرون القراءة خلف الإمام وأخرجه أيضا الدارقطني وقال : هذا إسناد حسن ورجاله كلهم ثقات وذكر أن محمود بن الربيع كان يسكن إيلياء وأن أبا نعيم أول من أذن في بيت المقدس وقال أبو محمد عبد الحق ونافع بن محمد لم يذكره البخاري في تاريخه ولا ابن أبي حاتم ولا أخرج له البخاري ومسلم سيئا وقال فيه أبو عمر مجهول وذكر الداراقطني عن يزيد بن شريك قال : سألت عمر عن القراءة خلف الإمام فأمرني أن أقرأ قلت : وإن كنت أنت قال : وإن كنت أنا قلت : وإن جهرت قال : وإن جهرت قال الداراقطني هذا الإسناد صحيح وروي عن جابر بن عبد الله قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" الإمام ضامن فما صنع فاصنعوا " قال أبو حاتم : هذا يصح لمن قال بالقراءة خلف الإمام وبهذا أفتى أبو هريرة أن يقرأ بها في نفسه حين قال له أبو السائبي : إني أحينانا أكون وراء الإمام قال ابو هريرة : فإني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :"قال الله تبارك وتعالى قسمت الصلاة بيني وبين نصفين فنصفها لي ونصفها لعبدي ولعبدي ما سأل " قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" اقرأوا يقول العبد الحمد لله رب العالمين " الحديث وأما ما استدل به الأولون فقوله عليه السلام :" فإذا قرأ فأنصتوا " أخرجه مسلم من حديث أبي موسى الأشعري وقال في حديث جرير عن سليمان عن قتادة بن زياد : وإذا قرأ فأنصتوا قال الداراقطني : هذه اللفظة لم يتابع فيها سليمان عن قتادة وخالفه الحفاظ من أصحاب قتادة فلم يذكروها منهم شعبة وهشام وسعيد وابن أبي عروة وهمام وأبو عوانة ومعمر وعدي بن أبي عمارة قال الداراقطني : فإجماعهم يدل على وهمه وقد روي عن عمر بن عامر عن قتادة متابعة التيمي ولكن ليس هو بالقوي تركه ابن القطان وأخرج أيضا هذه الزيادة أبو داوود من حديث أبي هريرة وقال عنده : هذه الزيادة إذا قرأ فأنصتوا ليست بمحفوظة وذكر أبو محمد عبد الحق أن مسلما صحح حديث أبي هريرة وقال : عندي صحيح قال القرطبي : ومما يدل على صحتها عنده إدخالها في كتابه من حديث أبي موسى وإن كانت مما لم يجمعوا عليها وقد صححها الإمام أحمد بن حنبل وابن المنذر وأما قوله تعالى :{ وإذا قرئ القرآن فاستمعوا له وأنصتوا } فإنه نزل بمكة وتحريم الكلام في الصلاة نزل في المدينة كما قال زيد بن أرقم فلا حجة فيها فإن المقصود المشركون على ما قال سعيد بن المسيب وقد روى الدارقطني عن أبي هريرة أنها نزلت في رفع الصوت خلف رسول الله صلى الله عليه وسلم وقال عبد الله بن عامر : ضعيف وأما قوله عليه السلام :" ومالي أنازع القرآن " فأخرجه مالك عن ابن شهاب عن أبي الليثي واسمه فيما قال مالك عمرو وغيره يقول : عامر وقيل يزيد وقيل : عمارة وقيل : عباد ويكنى أبا الوليد توفي سنة إحدى ومائة وهو ابن تسع وسبعين سنة لم يرو عنه الزهري إلا هذا الحديث الواحد وهو ثقة روى عنه محمد بن عمرو وغيره والمعنى في حديثه فلا تجهروا إذا جهرت فإن ذلك تنازع وتجاذب وتخالج اقرأوا في أنفسكم بينة حديث قتادة وفينا العارفون وأبو هريرة تالراوي للحديثين فلو فهم المنع جملة من قوله : مالي أنازع القرآن لما أفتى بخلافه وقول الزهري في حديث أبي فانتهى الناس عن القراءة مع رسول الله صلى الله عليه وسلم فيما جهر فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم بالقراءة حين سمعوا ذلك من رسول الله صلى الله عليه وسلم يريد الجهر على ما بينا وبالله تعالى التوفيق وأما قوله صلى الله عليه وسلم :" من كان له إمام فقراءة الإمام له قراءة " فحديث ضعيف أسنده الحسن بن عمارة وهو متروك وأبو --- [هكذا بياض الأصل ولا نعلم ما اسم الراوي الضعيف ] وهو ضعيف كلاهما عن موسى بن أبي عائشة عن عبد الله بن شداد عن جابر أخرجه الدارقطني وقال : رواه سفيان الثوري وشعبة وإسرائيل وشريك وأبو خالد الدالاني وأبو الأحوص وسفيان بن عيينة وجرير بن عبد الحميد وغيرهم عن موسى بن عائشة عن عبد الله بن شداد مرسلا عن النبي صلى الله عليه وسلم وهو الصواب . وأما قول جابر : من صلى ركعة لم يقرأ فيها بأم القرآن فلم يصل إلا وراء الإمام فرواه عن وهب بن كيسان عن جابر قال ابن عبد البر رواه يحيى بن سلام صاحب التفسير عن مالك عن أبي نعيم وهب بن كيسان عن النبي صلى الله عليه وسلم وصوابه موقوف على جابر كما في الموطأ وفيه من الفقه إبطال الركعة التي لا يقرأ فيها بأم القرآن وهو يشهد لصحة ما ذهب إليه ابن القاسم ورواه عن مالك في إلغاء الركعة والبناء على غيرها ولا يعتد المصلي بركعة لا يقرأ فيها بأم القرآن ، وفيه أن الإمام قراءته لمن خلفه قراءة وهو مذهب جابر وقد خالفه فيه غيره وقال ابن العربي لما قال صلى الله عليه وسلم : "لا صلاة لمن لم يقرأ بفاتحة الكتاب" واختلف الناس في هذا الأصل هل يحمل النفي على التمام والكمال أو على الأجزاء واختلاف الفتوى بحسب اختلاف الناظر ولما كان الأشهر في هذا الأصل والأقوى أن النفي على العموم وكان الأقوى من رواية مالك : من لم يقرأ فاتحة الكتاب بطلت ثم نظرنا في تكرارها في كل ركعة فمن فهم من قول النبي صلى الله عليه وسلم : افعل كذلك في صلاتك كلها لزمه أن يعيد القراءة كما يعيد الركوع والسجود والله تعالى أعلم فما ذكرنا في هذا الباب من الأحاديث والمعاني في تعيين الفاتحة يرد على الكوفيين قولهم في أن الفاتحة لا تتعين وأنها وغيرها من آي القرآن سواء وقد عينها النبي صلى الله عليه وسلم بقوله كما ذكرنا وهو المبين عن الله تعالى مراده في قوله : {وأقيموا الصلاة} وقد روى أبو داوود عن أبي سعيد الخدري رضي الله تعالى عنه قال : أمرنا أن نقرأ بفاتحة الكتاب وما تيسر فدل هذا الحديث على أن قوله صلى الله عليه وسلم للأعرابي : "اقرأ ما تيسر معك من القرآن ما زاد على الفاتحة" وهو يفسر قوله تعالى : {فاقرأوا ما تيسر منه} . وقد روى مسلم عن عبادة بن الصامت أخبره أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "لا صلاة لمن لم يقرأ بأم القرآن" زاد في رواية : فصاعدا . وقال عليه السلام : فهي خداج ثلاثا غير تمام أي غير مجزأة بالأدلة المذكورة ، والخداج النقصان والفساد . قال الأخفش : يقال : خدجت الناقة إذا ألقت ولدها قبل أوان النتاج وإن كان تام الخلق والنظر يوجب في النقصان ألا تجزئ معه الصلاة لأنها صلاة لا تتم من خرج ومن صلاة وهي لم تتم فعليه إعادتها على حسب حكمها ومن ادعى أنها تجزئ مع إقراره بنقصها فعليه الدليل ولا سبيل إليه من وجه يلزم والله تعالى أعلم . ومنها تكرار الفاتحة في ما عدا الفرائض الخمس وإنما قيدنا تكرارها بغير الفرائض الخمس لأن الواقع من الشيخ رضي الله تعالى عنه وأهل طريقته في غير الخمس كما أمره النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وأذن له في ذلك فأما الفقهاء فقد صرحوا بصحة الصلاة بتكرار الفاتحة فيها مطلقا . قال عبد الباقي في شرحه على مختصر خليل عند قوله : وبتعمد كسجدة أي وبتعمد زيادة ركن فعلي كسجدة في فرض أو نفل لا قولي فلا تبطل بتعمد زيادة على المعتمد . وقال الخرشي في شرحه على المختصر في هذا المحل : وقوله كسجدة من كل ركن فعلي وخرج بتمثيله بالركن الفعلي القولي كتكرير الفاتحة والظاهر لا تبطل لأنها من الذكر وتقدم فيه خلاف واعتمد في شرحه عدم البطلان أيضا اهـ . وقال الشيخ العدوي في حاشيته على الخرشي : قوله : عدم البطلان أيضا مرتبط بفاعل اعتمد أي واعتمد أيضا كما اعتمدنا في قولنا والظاهر لا تبطل . وفي قريبة المسالك لمذهب مالك للشيخ العمروسي : وزيادة ركن فعلي عمدا أو جهلا كسجدة في فرض أو نفل لا قولي فلا تبطل بتعمد زيادته على المعتمد كتكرير الفاتحة اهـ . وفي أقرب المسالك لمذهب الإمام مالك للشيخ الدردير : ويتعمد زيادة ركن فعلي كركوع أو سجود بخلاف زيادة ركن قولي اهـ . وفي حاشيته قوله : قولي فيه رد على من يقول إنه إذا كرر الفاتحة تبطل وهو أحد قولين ومعتمد شارحها تبعا للتتائي واعتمده المحشي لأنه من جملة تكرار الذكر اهـ . ومنها تطويل الركوع والرفع منه والسجود والجلوس بين السجدتين ، قال شيخنا رضي الله عنه كما في رسالته لأهل الشام : فالواجب لها ـ يعني الصلاة ـ المحافظة لها على شروطها وهي معلومة واستكمال فرائضها وهي مشهورة وتثقيل هيئتها في الركوع والسجود على الحد الذي ذكره صلى الله تعالى عليه وسلم في الخبر الصحيح بقوله : "ثم تركع حتى تطمئن راكعا ثم ترفع حتى تستوي قائما ثم تسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ترفع حتى تستوي جالسا ثم تسجد حتى تستوي ساجدا" وقال : "وافعل في بقية صلاتك هكذا" واحذروا كل الحذر من الوقوع في الهلاك الذي وقع الناس فيه من عدم مبالاتهم بتكميلهم للصلاة فإنهم ينقرونها نقر الديكة للحب وذلك مبطل بشاهد قوله صلى الله عليه وسلم في الخبر الصحيح للرجل الذي رآه يفعل ذلك : "ارجع فصل فإنك لم تصل" وهو يصلي كذلك ثلاثا على تلك الهيئة التي هي الإسراع في الركوع والسجود ثم في الرابعة علمه الكيفية السابقة وقد قال صلى الله عليه وسلم : "صلوا كما رأيتموني أصلي" فإنه صلى الله عليه وسلم كان يتم الركوع والسجود بالطمأنينة والطمأنينة في الشرع عدم الاضطراب ومعناه أن الراكع والساجد إذا بلغ حد الركوع والسجود يتراخى فيهما قدر ما يسبح الله ثلاث تسبيحات وهو راكع أو ساجد بالتراخي يعني بالترتيل في التسبيح لا أقل من ذلك هذا أقل الطمأنينة ومن نقص عن هذا القدر فسدت صلاته فإنها هي التي وقع فيها الخبر إذا صلاها صاحبها فبعد فراغه منها يأخذها الملك فيلفها كما يلف الثوب الخلق ثم يضرب بها وجه صاحبها والمطلوب في الشرع أن يأخذ الإنسان من صلاته مثل إتيانه لنومه إذا غلبه النوم فإن أتى النوم لا يأتيه مستحلا ولا متخففا بل يلقي عنه جميعا أشغاله ثم ينام متمهلا للنوم مطمئنا وكذلك حالة الصلاة يأتيها متشاغلا بها فيها قد ألقى كليته فيها تاركا كل ما يشغله عنها ثم يفعلها بشروطها المذكورة ، وأما من صلاها مستعجلا لا يطمئن بركوعه ولا سجوده على الحد الذي ذكرناه فإنها غير مقبولة وإليه يشير قوله صلى الله عليه وسلم : "أول ما ينظر الله تعالى إليه من أعمال العبد الصلاة فإن قبلت نظر في سائر عمله وإن لم تقبل لم ينظر الله تعالى في شيء من عمله" اهـ . وإذا عرفت هذا فاعلم أن العلماء متظافرون على نص ما قاله شيخنا رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين . وفي العهود المحمدية أخذ علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن لا نتساهل بترك الركوع والسجود والاعتدال فيهما سواء كنا أئمة أو مأمومين أو منفردين وأما الزيادة في التطويل على الذكر الواجب أو المندوب فلا يليق بالإمام بل ربما أبطل صلاتهم إن طول الاعتدال زيادة على الذكر الوارد فيه المطلوب منه وإنما يليق ذلك بالمنفرد وأما المأموم فهو تابع لإمامه ثم إن طول تطويلا خارجا عن المأمور به فله مفارقته ولو بلا عذر . وسمعت سيدي عليا الخواص رضي الله عنه يقول : لا ينبغي لفقير إذا كان يغلب عليه الذهول في حضرة الله تعالى على شهود المأمومين أن يجعل نفسه إماما بالناس لأن مثل هذا تحت أسرار القدرة الإلهية لا اختيار له أن يأمره الشارع بتطويل قراءة الثانية عن الأولى كقراءة سورة الغاشية في الركعة الثانية من الجمعة وفي الأولى بسبح اسم ربك الأعلى مع أنها أصغر من الغاشية فقد ثبت أنه صلى الله عليه وسلم نص على أن تكون الثانية دون الأولى والقراءة في الرابعة دون الثالثة وفي حديث عائشة رضي الله تعالى عنها : وكانت صلاته بعد إلى التخفيف ومن الحكمة في ذلك كون النفس تزهق بطول الوقوف بين يدي الله تعالى على الدوام من غير أن يتخلل ذلك شهود الكون فإن ذلك ليس من مقدور البشر إلا أن يمن الله تعالى بذلك على بعض أصفيائه وتأمل يا أخي نفسك إن طول الإمام الثانية على الأولى وطول الدعاء في التكبيرة في الرابعة في صلاة الجنازة تكاد روحك تخرج من حضرة الله تعالى ولا يضير واقفا يصلي معك إلا بجسم فقط وتلك صلاة لا تصلح للقبول بل هي إلى الرد أقرب كما مر في عدم الخشوع في قسم المأمورات ، واعلم يا أخي أن الاعتدال قد وردت فيه أحاديث في تطويله وفي تقصيره فروى البخاري عن رسول الله صلى الله عليه وسلم أنه كان يطول الاعتدال حتى نقول أنه نسي وفي رواية كان إذا جلس بين السجدتين كأنما جلس على الرضف يعني الحجارة المحماة وأما الإمام أبو حنيفة فقال : يجب الاعتدال في الرفع من الركوع و السجود بقدر ما يفعل الركن من الأركان لأن الاعتدال في هذين الموضعين إنما شرع تنفيسا للمصلي مع الحضور من تالمشقة العظيمة التي تجلب له في ركوعه وسجوده وأما الإمام الشافعي فقال : يجب الاعتدال من الركوع والسجود حتى يرد كل عضو إلى موضعه التي هي حالة القيام وقد بسطنا الكلام على ذلك في أسرار الصلاة فراجعه والله تعالى أعلم . وروى الإمام أحمد وبن ماجه وغيرهما مرفوعا : لا تجزئ صلاة الرجل حتى يقيم ظهره في الركوع والسجود . وروى الإمام أحمد أن الرسول صلى الله عليه وسلم نهى عن نقر الغراب . ورى الطبراني وابن خيزيمة في صحيحه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي فقال صلى الله تعالى عليه وسلم :" لو مات على حالته هذه مات على غير ملة محمد صلى الله عليه وسلم . وروى النسائي مرفوعا : " منكم من يصلي الصلاة كاملة ومنكم من يصلي الربع والخمس حتى قال ومنكم من يصلي العشر " وفي رواية النسائي بأطول من هذا . وفي حديث المسيء صلاته :"فاركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى طمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها " أهـ . وروى الإمام أحمد وابن خزيمة في صحيحه والحاكم وصحح إسناده عن أبي قتادة رضي الله تعالى عنه قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" أسوأ الناس سرقة الذي يسرق من صلاته قالوا : يا رسول الله كيف يسرق من صلاته قال لا يتم ركوعها ولا سجودها " وروى الطبراني وابن حبان والحاكم من حديث أبي هريرة أيضا وروى أبو يعلى وابن خزيمة في صحيحه عن عمرو بن العاص وخالد بن الوليد وشرحبيل بن حسنة رضي الله تعالى عنهم أجمعين أن رسول الله صلى الله عليه وسلم رأى رجلا لا يتم ركوعه وينقر في سجوده وهو يصلي فقال صلى الله عليه وسلم لو مات هذا على حاله هذا مات على غير ملة محمد صلى الله عليه وسلم . وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم :" مثل الضي لا يتم ركوعه وينقر في سجوده مثل الجائع يأكل التمرة أو التمرتين لا يغنيان عنه شيئا " . وروى الطبراني بإسناد رجاله كلهم ثقات عن بلال رضي الله تعالى عنه أنه أبصر رجلا يتم الركوع ولا السجود فقال : لو مات هذا لمات على غير ملة محمد صلى الله عليه وسلم . وروى أحمد بإسناد جيد عن أبي هريرة رضي الله عنه قال قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم :" لا ينظر الله تعالى إلى عبد لا يقيم صلبه في ركوعه وسجوده " وفي الموطأ عن النعمان بن مرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم قال : " ما ترون في الشارب والزاني والسارق وذلك قبل أن تنزل فيهم الحدود قالوا : الله تعالى ورسوله أعلم قال : هي فواحش وفيهن عقوبة وأسوأ السرقة الذي يسرق في صلاته قالوا : كيف يسرق في صلاته قال : لا يتم ركوعها ولا سجودها " . وروى الأصبهاني في الترغيب عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسل :" ما من مصل إلا وملك عن يمينه و ملك عن شماله فإذا أتمها عرجا بها وإذا لم يتمها ضربا بها على وجهه " . وروى الطبراني عن أنس بن مالك رضي الله تعالى عنه قال: قال رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم :" من صلى الصلاة لوقتها وأسبغ وضوءها وأتم قيامها وخشوعها وركوعها وسجودها عرجت وهي بيضاء مسفرة تقول : حفظك الله تعالى كما حفظتني ومن صلاها لغير وقتها ولم يسبغ وضوءها ولم يتم خشوعها ولا ركوعها ولا سجودها عرجت وهي سوداء مظلمة تقول : ضيعك الله كما ضيعتني حتى إذا كانت حيث شاء الله تعالى لفت كما يلف الثوب الخلق ثم ضرب بها وجهه" . وروى الأصبهاني عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه : عن النبي صلى الله عليه وسلم قال :" إن الرجل ليصلي ستين سنة ما تقبل له صلاة لعله يتم الركوع ولا يتم السجود أو يتم السجود ولا يتم الركوع " . ورى أبو داوود والنسائي وابن حبان في صحيحه عن عمار بن ياسر رضي الله تعالى عنه قال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :" إن الرجل لينصرف ما كتب له إلا عشر صلاته تسعها ثمنها سبعها سدسها خمسها ربعها ثلثها نصفها " والأحاديث في هذا كثيرة أهـ . وقال الشيخ زروق في شرحه على الرسالة : وقوله : أن تطمئن مفاصلك متمكنا يعني وأقل اللبث أن تستقر مفاصلك من الاضطراب اطمئنانا متمكنا ثم قال : والزائد على أقل الطمأنينة قال ابن شعبان : فرض موسع وبعضهم نقل وصوبه اللخمي واستشكل بإدراك المسبوق آخر الركوع فانظر ذلك اهـ . وقال الشيخ زروق : قلت : يعني أن الزائد لو لم يكن فرضا لما صحت صلاة مسبوق أدركه وقد حكما العلماء بصحة صلاته من غير خلاف فدل على أن الزائد فرض . وفي شرح الدردير على المختصر عند قول المصنف : وعلى الطمأنينة ويطلب تطويله الركوع والسجود عن الرفع منهما اهـ . وفي حاشية الدسوقي في هذا المحل : واعترض البناني على المصنف في عده الزائد على الطمأنينة سنة فقال : انظر من نص على أن الزائد عليها سنة ونص اللخمي اختلف في حكم الزائد على أقل ما يقع عليه اسم الطمأنينة فقيل : فرض موسع وقيل : نفل وهو الأحسن وهكذا عباراتهم في أبي الحسن وابن عرفة وغيرهم . قلت : والأمر كما ذكره في حاشية البناني . وقال ابن أبي جمرة عند حديث الأعرابي الذي قال له النبي صلى الله عليه وسلم : "ارجع فصل فإنك لم تصل" وذكر الحديث وفيه : "فاركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" ظاهر الحديث يوجب توفية أركان الصلاة من قيام وركوع وغيرهما من شأنها ومن لم يفعل لم تجز صلاته ، ثم قال بعد كلام : وهنا بحث ما هو حد الاستواء اختلف العلماء في ذلك الحد فمنهم من قال : بقدر ثلاث تسبيحات ومنهم من قال غير ذلك ومنهم من لم يجعل له حدا إلا ما حده هنا صلى الله تعالى عليه وسلم وهو قول مالك رحمه الله تعالى ومن تبعه وهو الأظهر لأن الذي أعطي البلاغة والنور والحكمة أخبر بالأمر الذي يأخذ كل الناس منه القدر الذي فيه أجزاء فرضه لأن الناس فيهم خفيف البدن خفيف الحركة فهذا بمقدار ثلاث تسبيحات تعتدل جميع مفاصله ومنهم الثقيل البدن الثقيل الحركة فهذا بمقدار الثلاث تسبيحات لا يتم له فرضه ومنهم ما بين ذلك وهم أيضا في النطق بالتسبيح مختلفون اهـ . قلت : وحجة من جعل أقل الطمأنينة قدر ثلاث تسبيحات حديث أبي داوود والترمذي أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : "إذا ركع أحدكم فقال في ركوعه : سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاث مرات فقد تم ركوعه وذلك أدناه وإذا سجد فقال في سجوده : سبحان ربي الأعلى ثلاث مرات فقد تم سجوده وذلك أدناه" اهـ . وقال ابن أبي جمرة أيضا عند قول أنس رضي الله تعالى عنه : ما صليت وراء إمام قط أخف صلاة ولا أتم من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم وإن كان ليسمع بكاء الصبي فيخفف مخافة أن تفتتن أمه وإن تخفيف الصلاة يكون بتقصير القراءة وقد يكون بتقصير القيام وقد يكون بتقصير أركانها كلها إلا أنه بشرط أن لا يخل بركن واحد منها فإنه إذا أخل بواحد منها فليست بصلاة فلا يبهم التخفيف حتى ينكر شيء من عاداتهم المنقولة عنهم في طول صلاتهم لأن الله تعالى قد أثنى على المطولين في صلاتهم في كتابه حيث يقول : {وقوموا لله قانتين} والقنوت في الصلاة لغة هو طول القيام فيها وما كان للنبي صلى الله عليه وسلم ولا للصحابة رضي الله تعالى عنهم أن يتركوا ما هو أقل من هذا فيكون لهم هذا الثناء الجميل وما تورمت قدماه صلى الله تعالى عليه وسلم إلا لطول القيام في الصلاة وقد نقل عن الصحابة وعن السلف رضي الله تعالى عنهم أنهم يكونون في الركعة الواحدة فيخرج الرجل إلى البقيع ويرجع إلى المسجد وهم في الركعة الواحدة لم يتموها وإن الرجل منهم كان يدعو في سجوده بقدر ما يسبح الله تعالى سبحانه ويصلي على النبي صلى الله تعالى عليه وسلم ويستغفر لنفسه ولأبويه ولسبعين من أصحابه وقرابته ويسميهم بأسمائهم وأسماء آبائهم وقبائلهم . وأما حديث معاذ بن جبل رضي الله تعالى عنه أنه صلى المغرب بقوم بسورة البقرة فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم : "أفتان أنت يا معاذ ؟" فإنما قال له ذلك لأن صلاة المغرب السنة فيها التخفيف ومن أجل أن ذلك وقت إفطارهم ووقت الضرورات أيضا وكان بالمؤمنين رحيما صلى الله عليه وسلم . وما روي عن أبي بكر رضي الله تعالى عنه أنه كان يصلي الصبح بسورة البقرة في الركعتين معا فأبو بكر رضي الله تعالى عنه وعن جميعهم فهم عن النبي صلى الله عليه وسلم فجعل التطويل في محله والكل سادة على خير . وروي عن عثمان رضي الله تعالى عنه أنه قال لبعض الصحابة : ما حفظت سورة يوسف إلا من عثمان رضي الله تعالى عنه لكثرة ما كان يرددها في صلاة الصبح . وجاء في الموطأ عن أم الفضل بنت الحرث أنها سمعت عبد الله بن عباس رضي الله تعالى عنهما يقرأ : {والمرسلات عرفا} فقالت له : يا بني لقد ذكرتني بقراءتك هذه السورة أنها لآخر ما سمعت من رسول الله صلى الله عليه وسلم يقرأ بها في المغرب فكانت قراءته صلى الله عليه وسلم بطيئة حسنة كما نعتها الواصف لها . قال : كانت قراءته عليه السلام لو شئت أن أعد حروفها لعددتها . فبتقرير هذه الآثار علمنا أنه عليه الصلاة والسلام ما كان نهيه لمعاذ رضي الله تعالى عنه على الإطلاق وإنما كان لكونه طول ذلك التطويل في المغرب وقد ثبت بالسنة خلفا من سلف أن العمل جرى على أن المستحب في صلاة المغرب أن تكون أخف الصلوات ولولا ذلك ما كان أبو بكر يصلي في الصبح بالبقرة كما ذكرنا ولما كان المعهود منهم في الصلوات التطويل فإذا كانت هناك علة كما ذكر من بكاء الصبي وما يشبه ذلك خفف عليه السلام حتى خرج بذلك التخفيف عن العادة الجارية لهم كما قال بعض الصحابة رضي الله تعالى عنهم : ما رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم صلى صلاة لغير ميقاتها إلا صلاتين صلاة المغرب والعشاء بجمع وصلى الفجر يومئذ قبل ميقاتها وليس يعني ميقاتها أنه صلاها قبل الوقت الذي وقت لها ذلك محال وإنما يعني بغير وقتها الذي كان صلى الله عليه وسلم يصليها فيه فإنه كان بعد طلوع الفجر كما جاء عنه صلى الله عليه وسلم أنه يركع ركعتي الفجر ثم يضطجع ما شاء الله تعالى ثم يخرج ويصلي وفي هذا اليوم صلى عند انصداع أول الفجر وهذا أول الوقت الذي كان يصليها فيه فقد أخرجها عن الوقت المعلوم لها وهو التأخر اليسير كما شرحناه وهذا مثل ذلك سواء لأنه من أجل تلك القربة خفف ويترتب عليه من الفقه جواز تحويل النية في خلال الصلاة إلى حال ما دخل عليه من زيادة أو نقص لكن بشرط ألا ينقص من الحد المجزي شيئا ومن أجل ذلك صرح الصحابة رضي الله تعالى عنهم بخروج الصلاة عن وقتها وفي ذلك دليل فضلهم وصدقهم في الرواية ويترتب عليه أيضا أنه لما كانت الصلاة وهي رأس الدين يجوز فيها تحويل النية من الأعلى إلى الأدنى مع حرز الكمال ولا يرجع لقدر الإجزاء إلا عند الأعذار وإذا رجع إلى قدر الإجزاء يحافظ على أن لا ينقص من الواجبات شيئا وعلى هذا البيان المتقدم من أحوالهم قد اختلفت الأحوال وظهر النقص وقد سمعت ورأيت بعض من ينسب في الوقت إلى العلم وهو ممن يقتدى به وهو لا يكمل الواجب من بعض أركان الصلاة فإنا لله وإنا إليه راجعون على تضييع العلم وحقيقته وهو العمل وتمامه ولذلك قال رزين رحمه الله تعالى : ما أوقع الناس في الأمور المحذورات إلا وضعهم الأسماء على غير المسميات المعروفة أولا لأنا الآن إذا أخذنا بالتخفيف في صلواتنا خرجنا عن حد الإجزاء لأن المطول منا في صلاته لا يصل بجهده إلا إلى الإجزاء فضلا عن أن ينقص منه شيئا عما طلب ويترتب على تخفيفها من أجل بكاء الصبي كما قال فيه فإنه حصل له في صلاته القدر المجزئ وبدل الكمال بخير صلاة أم الصبي يرفع الفتنة عنها بتعجيل الصلاة وخبر الصبي نفسه فجاء الخبر هنا متعديا وهو الأكمل وأما على قصدها من غير بكاء الصبي فتبيين منه صلى الله عليه وسلم للقدر المجزئ في العمل كما بينه في القول والتبيين لمقادير الأحكام ارفع الأعمال ويترتب هذا من الفقه أنه صلى الله عليه وسلم في كل الأحوال على أتمها وأعلاها وأما الجواب عن حد إتمامها فنعرفه بحده صلى الله عليه وسلم حيث قال للمسيء في صلاته : "ارجع فصل فإنك لم تصل" فعل ذلك معه ثلاثا قال له لما سأله التعليم : "إذا قمت إلى الصلاة فكبر ثم اقرأ ما تيسر معك من القرآن ثم اركع حتى تطمئن راكعا ثم ارفع حتى تعتدل قائما ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم ارفع حتى تطمئن جالسا ثم اسجد حتى تطمئن ساجدا ثم افعل ذلك في صلاتك كلها" وبقوله عليه الصلاة والسلام : "كل صلاة لم يقرأ فيها بأم القرآن فهي خداج" فإن التمام في الصلاة على ثلاثة أشياء في الإجزاء بالقراءة وفي إكمال الأركان وفي إكمال عدد الركعات ويكون ذلك بعد تحقق دخول وقتها وفيه دليل على تحرز الصحابة رضي الله تعالى عنهم لأنهم كانوا يعتدون في الكمال بأتم الحالات في الإجزاء لا يأتون به إلا ومع ذلك زيادة خفيفة أن ينقصها من الإجزاء شيء ما ولا يتحقق الإجزاء في الأقل إلا بالقطع بالزيادة اليسيرة فيه ما لم تكن تلك الزيادة محظورة في الشرع مثل منعنا الرابعة في الوضوء أو تكون تلك الزيادة لم يفعل هو صلى الله عليه وسلم شيئا منها لئلا يخرج بها إلى البدعة وقد جاء فيها من الذم ما جا بقوله صلى الله عليه وسلم :" من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد " وقوله عليه الصلاة والسلام :" كل بدعة ضلالة " وما أشبهه ثم قال :ويترتب على تقصيرها من غير عذر أنه جائز وأن الأفضل ما كان دام هو صلى الله تعالى عليه وسلم ومن بعده من السلف الصالح وفيه دليل على فضل العلم لأنه به يعرف حد الجائز فيما كلف به وحد الكمال لأنه يأتي بالأشياء على ما أمر بها لأن الجاهل قد يجعل الكمال واجبا فيكون قد زاد في فرض الله تعالى أو يكون يجعل زيادة الكمال بدعة فيكون أيضا يجعل في دين الله تعالى ما ليس فيه أو يكون يجعل حد الإجزاء هو الكمال ثم يأخذ في نقص منه فيجعله من باب التخفيف وهذا الداء العضال قد كثر في أوقاتنا ومثل هذا ينبغي في جميع أمور الدين أن يعرف الشخص القدر الذي يجب عليه وما هو قدر الزيادة المستحبة ولذا قال صلى الله تعالى عليه وسلم :" طلب العلم فريضة " قال العلماء : كل ما كان عليك فعله فرضا فطلبه فرض لأنه لا يمكن أن يوقف عليه من جهله أهـ كلام ابن أبي جمرة رضي اله تعالى عنه . وفي شرح العزية لابن عبد الصادق : وإن أقل الطمأنينة قدر ما يسبح الإنسان فيه ثلاث مرات . وقال حجة الإسلام أبو حامد الغزالي في بداية الهداية في آداب الصلاة : ثم كبر للركوع إلى أن قال : وقل سبحان ربي العظيم وبحمده ثلاثا وإن كنت منفردا فالزيادة على السبعة والعشرة حسن إلى أن قال : ثم اسجد وقل : سبحان ربي الأعلى ثلاثا وإن كنت منفردا فزد وقال في آداب الإمامة : ولا يزيد الإمام على الثلاث في تسبيحات الركوع والسجود بحيث أن يمل القوم لئلا يؤدي إلى تغيير القوم . وعن سفيان : يقول الإمام خمسا حتى يتمكن القوم من الثلاث وقال الشافعي : لا يزيد على الثلاث فيهما أهـ . ومنها قضاء الشفع والوتر وفي بعض الرسائل أنه رضي الله تعالى عنه قال : إذا فات الشفع والوتر بخرجهما عن وقتهما فإن صلاة اليوم الذي قبلهما لا ترفع لأنها تبقى معلقة ما عدا صلاة العصر وسمع منه بعض أصحابه أن من فاته الشفع والوتر وأراد أن يقضيهما فليقضهما متى شاء ثم يذكر عقبهما جوهرة الكمال ثلاث مرات في التحية الأخيرة منها بنية الجبر فإنها تجبر الشفع والوتر وترفع الصلاة اعلم أن تعليق رفع عمل بعمل آخر لا بدع فيه كتعليق رفع الصوم بأداء زكاة الفطر وقد ورد مثله كثيرا والقضاء المذكور إما في قضاء حقيقة أو قضاء بمعنى العوض وكلا الأمرين مذكور عند علماء الشريعة وعند علماء الحقيقة قال الشيخ زروق في شرحه على الرسالة : تنبيه لييس في النوافل ما يقضى وما يطلب فيه الاقتصار على الفاتحة غير ركعتي الفجر وإن كان التعويض مطلوبا والاقتصار جائزا أهـ ، وقال في تأسيس القواعد والأصول وتحصيل الفوائد والوصول : إقامة الورد في وقته عند إمكانه لازم لكل صادق فإذا عارضه عارض بشرية أو ما هو واجب من الأمور الشريعة لزم إنفاذه بعد التمسك بما هو فيه جهده من غير إفراط يخل بواجب الوقت ثم يتعين تداركه بمثله لئلا يعتاد البطالة ولأن الليل والنهار خلفه والأوقات كلها لله تعالى فليس للإختصاص وجه إلا من حيث خصوصات فمن ثم قال بعض المشايخ : ليس عندكم ليل ولا نهار يشير للكون بحكم الوقت ما لا يفهمه البطالون من عدم تدارك الورد أهـ كلام الشيخ زروق وهو نفيس . وقال الخرشي على مختصر خليل عند قوله : ولا يقضى غير فرض إلا هي فللزوال أي لا يقضي من الصلوات إلا الفرائض والفجر فيقضي حقيقة من حل النافلة على المشهور وقيل أنها ليست بقاء حقيقة بل ركعتان تنوبان عنها أهـ . وقال في المجموع ولا يقضى غير فرض إلا هي وإن قال به غيرنا وفي الحديث ما يدل على ذلك . قلت : قد قال بعض العلماء من أهل المذهب : أن في قضاء غير الفرض ثلاثة أقوال القضاء مطلقا وعدمه مطلقا وقضاء ركعتي الفجر فقط هذا هو الذي مشى عليه خليل أهـ . وقال الشيخ الدسوقي في حاشيته على الشيخ الدردير على مختصر الشيخ خليل عند قوله : ولا يقضى غير فرض إلا هي أي يحرم إلى آخره قال شيخنا العدوي هذا بعيد جدا وليس منقولا لا سيما والإمام الشافعي يجوز القضاء أهـ . وقال في السراج المنير عند قوله تعالى :{ وهو الذي جعل الليل والنهار خلفة } قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما والحسن : يعني خلفا وعوضا يقوم أحدهما مقام صاحبه فمن فاته عمله في أحدهما قضاه في الآخر قال شقيق جاء رجل إلى عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه فقال : فاتتني الصلاة الليلة قال : أدرك ما فاتك منن ليلتك في نهارك فإن الله عز وجل جعل الليل والنهار خلفة لمن أراد أن يذكر أو أراد شكورا . وعن الحسن : من فاته عمل من الذكر والشكر بالنهار كان له في الليل مستعتب ومت فاته بالليل كان له في النهار مستعتب أهـ . وفي لواقح الأنوار القدسية في العهود المحمدية : أخذا علينا العهد العام من رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نقضي أورادنا التي نمنا عنها أو غفلنا في الليل ما بين صلاة الصبح إلى صلاة الظهر ولا نتساهل في ترك ذلك وهذا العهد لا يعمل به في هذا الزمان إلا القليل من الناس لكثرة غفلتهم عن الله وعن الدار الآخرة فيفوت أحدهما الخير الكثير فلا يتأثر له ويقع منه النصف فيتأثر منه لكون الدنيا أكبر همه ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم . واعلم أن أمر الشارع لنا بالقضاء إنما هو تنبيه لنا على مقدار ما فاتنا في الليل فإن النهار وقت حجاب فإذا حصل الحجاب للإنسان في عبادة النهار عرف مقدار ما فاته من مناجاة الله تعالى والحضور فيها وقوية داعيته إلى قيام الليل في المستقبل وفي الحقيقة ما ذم قضاء لأن كل عبادة وقعت إنما هي وظيفة ذلك الوقت بأمر جديد من الشارع وذلك الوقت ذهب فارغا فلا يملؤه مكا فعل في غيره أبدا ومن عنا قال الإمام الشافعي :الوقت سيف إن لم تقطعه قطعك والله تعالى أعلم . روى مسلم وأبو داوود والترمذي والنسائي وابن ماجه وابن خزيمة في صحيحه مرفوعا : من نام عن حزبه أو عن شيء منه فقرأه فيما بين صلاة الفجر وصلاة الظهر كتبه الله له كأنما قرأه في الليل والله تعالى أعلم . ومنها أمر المريدين بالاقتصار على شيخ واحد وقد تقدم في الفصل التاسع عشر ما فيه كفاية . ومنها أمر الإخوان في الطريقة بالجتماع للذكر في الوظيفة وقد ذكرنا في كتاب سيوف السعيد في الفصل الخامس وفي الفصل الحادي والعشرين من هذا الكتاب ما فيه كفاية . ومنها حضور النبي صلى الله عليه وسلم عند قراءة جوهرة الكمال ومعه الخلفاء الأربعة وكون الأولياء يرونه يقظة ومنهم القطب المكتوم والبرزخ المختوم شيخنا وسيدنا أحمد التجاني رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به وقد تقد في الفصل السابع والعشرين ما فيه كفاية بل جميع ما في هذا الكتاب المبارك إن شاء الله تعالى أجوبة عنه وعن إخوانه من أهل الله تعالى رضي الله تعالى عنه وعنهم أجمعين وحشرنا في زمرتهم آمين . ومنها غير ما ذكر لا نطيل بذكره في هذا الكتاب إذ لا حاجة في تتبعه وما حملنا على ذكر ما ذكرنا مع أننا قدمنا في الفصول المتقدمة أول الكتاب ما يمنع كل عاقل من الإنكار والانتقاد ويحض كل عاقل على التسليم والاعتقاد إلا لأجل الأن يعلم المولع بالاعتراض على أهل الله تعالى أننا نعلم بالكتاب والسنة ومذاهب علماء الأمة وأنه ما أداء إلى الاعتراض على سادة الأمة إلا جهله الناشئ عن سوء الأدب وحبث الطوية ولو أحسن ظنه لما رأى شيئا من كلامهم إلا فتح الله تعالى عليه وأراه في علوم الشريعة والحقيقة ما يستريح به من الإنكار ويعلم به أنهم على هدى وبينة من ربهم المختار الحمد لله الذي من علينا بذلك ونجانا بفضله مما وقع عليه أهل الإنكار من المهالك والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب .
<< الفصل السابق
الفصل التالي >>