في ذكر بعض خلوات هذه الطريقة
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : اعلم أنا لما ذكرنا لك يا أخي رحمنا الله تعالى وإياك أصل الخلوة وشروطها وأذكارها وبينا جميع ذلك حتى ظهر لك جميع ما هنالك أردت أن أذكر لك بعض خلوات هذه الطريقة لعلمي أنك تطلب مني ذلك أتيت لك بهذا الفصل ولكني أقدم لك كلاما لا غنى لك عنه وهو ان المريد الصادق الذي يريد أن يرتاض بالخلوة وغيرها يحتاج كما قال شيخنا القطب المكتوم والبرزخ المختوم رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به إلى أمور أولها معرفة تعديل المزاج ثم معرفة غاية القصد ثم معرفة كيفية السعي إليه ثم معرفة الحجاب القاطع عنه ثم معرفة كيفية زواله ثم معرفة أصول الحجاب التي منها مواده ثم الجد في قطع تلك الأصول ثم معرفة الأمور التي بها زوال الحجاب إما كلية أو تفصيلية ثم سل سيف العزم وركوب جواد المجاهدة بمتابعة ما عرف من هذه الأمور والعمل على مقتضاها أما معرفة تعديل المزاج فهو لزوم طريق الاعتدال في الأكل والشرب من غير إفراط ولا تفريط ثم النظر في الوقت والبلد حرارة وبرودة ورطوبة ويبوسة وكذلك السن ثم مقاومة كل بما يقويه عن الانحراف ، وأما معرفة غاية القصد فهو رفع الحجاب عن الروح الرباني ورده في حالة الصفا التي كان عليها قبل التركيب في الجسم فإن هذا الذي يكون به إدراك سائر العلوم والمعارف والأحوال والأخلاق والمقامات والفتوحات والمواهب والقرب الحقيقي وبه إدراك سعادة الدنيا والآخرة ومن فقده لم يصل إلى سعادة الآخرة وأما معرفة كيفية السعي إليه فهي متابعة الرسول صلى الله عليه وسلم في سائر قوله وفعله وحاله وخلقه بإقامة حقوق الله تعالى عز وجل سرا وعلانية مخلصا لله تعالى من جميع الشوائب الدنيوية والأخروية وأن يكون ذلك لله تعالى تعظيما وإجلالا لله على بساط الرضا والتسليم والتعويض والاعتماد عليه تعالى في كل شيء ، وأما معرفة الحجاب القاطع عن المطلوب فهو غرق الروح في بحر الحظوظ والشهوات وتعظيم نفسها والسعي في جلب مصالحها وقطع دفع مضارها بالزهد فيها بالكلية لكن بلطف ورفق ، وأما معرفة أصول الحجاب فهو كثرة الأكل والشرب وملاقاة الخلق وكثرة الكلام وكثرة المنام ودوام الغفلة عن ذكر الله تعالى ، وأما السعي والجد في قطع تلك الأصول فهو الجوع والعطش بالرفق ودوام الانقطاع عن ملاقاة الخلق ودوام الصمت مطلقا إلا في ما قل من ضرورياته ودوام السهر بالرفق ومداومة ذكر الله تعالى بالقلب واللسان دائما بأي ذكر كان ثم إن الأذكار التي بها زوال الحجاب منها كليات وهي التي تقطع الحجاب عن الروح من أي أمر كان ومنها تفصيليات وهي التي لا تقطع إلا حجابا واحدا من نوع واحد ، أما الكليات فهي لا إله إلا الله أو الصلاة على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم أو سبحان الله والحمد لله والله أكبر أو بسم الله الرحمن الرحيم أو الله الله الله أو الله لا إله إلا هو الحي القيوم ، وأما التفصيليات فهي سائر الأسماء الحسنى وكل اسم يذهب بجزء من الحجاب ولا يتعدى للجزء الآخر والله تعالى الموفق . أما قوله : سل سيف العزم إلى آخره لم يتكلم عليها لوضوحها اهـ وإذا فهمت هذا فخلوات طريقتنا هذه كثيرة ولكننا نذكر منها في هذا الكتاب المبارك خمس خلوات : الأولى : الخلوة المعلومة المشهورة التي هي خلوة الأربعين الكليمة وذكرها أحد الأذكار التي تقدمت قريبا بعد الأذكار اللازمة للطريقة وأذكار التحصن المعلومة عند أهلها وكذا في خلوة تأتي ، والثانية : خلوة فاتحة الكتاب وكيفيتها أن تصوم أربعين يوما وتحترز فيها من أكل الحيوان وما يخرج منه وتقرأ الدعاء الذي يأتي ذكره بعد كل فريضة أربعين مرة ، وأما الفاتحة فلا تفتر عنها ليلا ونهارا إلا لغلبة نوم ، وأما الدعاء فهو هذا الدعاء المبارك : بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله رب العالمين الرحمن الرحيم ملك يوم الدين إلى آخره لا إله إلا الله الملك الفتاح الرزاق الكريم الوهاب لا إله إلا الله الملك الحي القيوم لا إله إلا الله الملك العزيز الرحيم العلي الكبير المتعال يا إله الآلهة وإلهكم إله واحد لا إله إلا هو الرحمن الرحيم بالأسماء الربانية ألم الله لا إله إلا هو الحي القيوم بالإرادة الأزلية إنما قولنا لشيء إذا أردناه أن نقول له كن فيكون بالأقسام السريانية كهيعص طه طسم طس يس بالإشارة الربانية النورانية حم عسق ليس كمثله شيء وهو السميع البصير بالصمدانية الوحدانية قل هو الله أحد إلخ يا رب بالنور المكنون ثم باللوح المصون ثم بالسر المخزون ثم بالقلم والنون ثم بأسماء الرحمن باختلاف الألوان بلطف الرضوان بسعة الغفران بمتشابه القرآن بهيبة المنان بعدل الديان يا حنّان يا منان يا كريم يا رحيم يا رحمن أسألك أن تصلي على سيدنا محمد رسولك وأن تسخر لي خدام هذه السورة والأسماء وأن تجمع شملي بنبيك سيدنا ومولانا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم تسخيرا ترفعني به من الملك إلى الملكوت ومن العزة إلى الجبروت فأحيا برؤية كمال جلالك ولا الموت إلا مع النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقا ذلك الفضل من الله وكفى بالله عليما اللهم صل على رسولك سيدنا محمد وعلى آله الطيبين الطاهرين وعلينا معهم برحمتك يا أرحم الراحمين . والثالثة خلوة الفاتحة أيضا وهي أن يلازم قراءتها بالخلوة أربعين يوما . والرابعة خلوة البسملة وخلوتها تسعة عشر يوما ومن فاته سر بسم الله الرحمن الرحيم فلا يطمع أن يفتح عليه بشيء فإنها الباب المفتوح والسر الممنوح وفضائلها جمة يعرفها كل الأمة وتتلى كل يوم في الخلوة تسعة عشر ألفا . والخامسة خلوة الياقوتة الفريدة وخلوتها عشرون يوما تتلى كل يوم في الخلوة ألفي مرة وهذا العدد لا بد منه وبعد تمامه يقرؤها دواما على حسب الطاقة انتهى ما أردنا ذكره منها ولكل واحد منها ثمرات لا يمكن حصرها منعني من ذكر بعضها الخوف من شياطين الطلبة والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحانه وتعالى المرجع والمآب .
<< الفصل السابق
الفصل التالي >>