في ذكر الدليل على الخلوات وشرطها المعتبر عند الصوفية
فأقول بالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : قال السهروردي : الدليل على الخلوات الصوفية هو ما رواه البخاري عن عائشة رضي الله عنها قالت : أول ما بدأ به رسول الله صلى الله عليه وسلم من الوحي الرؤيا الصالحة في النوم فكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلوا بغار حراء فيتحنث فيه وهو التعبد الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ثم يرجع إلى خديجة رضي الله عنها فيتزود لمثلها حتى جاؤه الحق وهو في غار حراء فجاءه الملك فقال : اقرأ . الحديث قال السهروردي : فهذا الحديث المنبئ عن بدئ رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الأصل في إيثار المشايخ الخلوة للمريد من الطالبين فإنهم إذا أخلصوا لله تعالى خلواتهم يفتح الله تعالى عليهم بما يؤنسهم في خلواتهم تعويضا من الله تعالى إياهم أهـ . وفي القواعد الزروقية : الخلوة أخص من العزلة وهي بوجهها وصورتها نوع من الاعتكاف لكن في المسجد وربما كانت فيه وأكثرها عند القوم لا حد له لكن السنة تشير للأربعين بمواعدة موسى عليه الصلاة والسلام وللقصد في الحقيقة الثلاثون إذ هي أصل المواعدة وجاور صلى الله عليه وسلم بحراء شهرا كما في مسلم وكذا اعتزل من نسائه وشهر الصوم واحد وزيادة القمر ونقصانه كالمريد في سلوكه وأقله عشر لاعتكافه عليه الصلاة والسلام العشر وهي للكامل زيادة في حاله ولغيره ترقية ولابد من أصل يرجع إليه والقصد بها تطهير القلب من أدناس الملابسة وإفراد القلب لذكر واحد وحقيقة واحدة ولكنها بلا شيخ مخطرة ولها فتوح عظيم وقد لا تصح لأقوام فليختبر كل أحد بها حاله أهـ . وإذا تقرر هذا فشروط الخلوة ستة وعشرون شرطا الأول أن يعود نفسه قبل دخولها إذا أراد الشروع السهر والذكر وخفة الأكل والعزلة حتى يتمرن على ذلك والثاني أن يكون دخول الخلوة بحضور الشيخ وأمره الظاهر وأمره الباطن لابد من ذلك فإن المريد إذا صحت رابطته مع شيخه في حضوره وكان مسلما لأوامره وإشاراته يرى شيخه في واقعته فيأمره وينهاه ويحل واقعته أيضا والثالث أن يعتقد في نفسه أنه إنما يدخل لخلوة كي يستريح الناس من شره والرابع أن يدخلها كما يدخل المسجد مبسملا متعوذا بالله تعالى من شر نفسه مستعينا مستمدا من أرواح مشايخه بواسطة شيخه مخلصا لله تعالى منقطعا عنا سواه إليه يجعل الخلوة كأنها قبره يدخل فيها ذاهبا إلى الله تعالى تاركا ما سواه ، والخامس أن يدخل الشيخ الخلوة ويركع فيها ركعتين قبل دخول المريد ويتوجه إلى الله تعالى في توفيق المريد وتسهيل الأمر عليه فإذا فعل ذلك قرب الفتح على المريد وعجل خيره ، والسادس أن يعتقد عند دخوله الخلوة أن الله تعالى ليس كمثله شيء فكل ما يتجلى له في خلوته من الصور ويقول له : أنا الله فليقل : سبحان الله آمنت بالله الذي ليس كمثله شيء وليحفظ صورة ما رأى حتى يذكرها لشيخه وليشتغل بالذكر حتى يتجلى له مذكوره فإذا أفناه عن الذكر به فتلك المشاهدة والنومة والفرق بينهما أن المشاهدة تترك في المحل شاهدها فتقع اللذة عقبها والتيقظ والنومة لا تترك شيئا فيقع عقبها الندم والاستغفار ، والسابع أن لا يعلق الهمة بكرامة تحصل ولو عرض عليه جميع ما في الكون فيأخذه بأدب ويتحققه ولا يقف معه وليحذر من التعشق ويحفظه فإنه يحتاج إليه إذا أربى وأكثر الشيوخ إنما أتى عليهم في التربية فلما فرطوا في حفظ ما ذكرناه وزهدوا فيها زهدا كليا وجميع المرشدين نفروا المريد عن الميل إلى الكرامات وقالوا : إنها حيض الرجال . قال ابن عطاء الله : ما أرادت همة سالك أن تقف عند ما كشف لها إلا ونادته هواتف الحقية : الذي تتطلب أمامك ولا تبرجت له ظواهر المكونات إلا ونادته حقائقها : إنما نحن فتنة فلا تكفر ، والثامن أن يكون غير مستند إلى جدار في الخلوة ولا متكئا على شيء مطرقا رأسه تعظيما لله تعالى مغمضا عينيه ملاحظا قوله تعالى : أنا جليس من ذكرني ثم يجعل خيال شيخه بين عينيه فإنه رفيقه في طريقه وهو معه بمعناه وروحانيته فإن من هو شيخ حقيقة تكون روحانيته رفيقة ومتعلقة بروحانية كل واحد من مريديه وإن كانوا ألفا ، والتاسع أن يشغل قلبه بمعنى الذكر على قدر مقامه مراعيا معنى الإحسان وهو أن تعبد الله كأنك تراه ، والعاشر دوام الصوم لأنه يؤثر في تقليل الأجزاء الترابية والمائية فيصفو القلب من الكدر ويفطر قبل صلاة المغرب ويؤثر الأكل إلى أن يصلي العشاء الأخيرة والأحسن أن يؤخر السحور ولكن إذا شوشته نفسه وطالبته بالأكل بعد المغرب يأكل بين العشائين ، والحادي عشر أن تكون الخلوة مظلمة لا يدخل فيها شعاع الشمس وضوء النهار فيسد على نفسه طرق الحواس الظاهرة وسد طرق الحواس الظاهرة شرط لفتح حواس القلب ، والثاني عشر دوام الوضوء فإن الوضوء نور ساطع يظهر ابتداء كنوز القمر فتنور الخلوة به وانتهاء كنوز الشمس فإنه إذا داوم على الوضوء يوشك أن تتلألأ فيه الأنوار لقوله صلى الله عليه وسلم : "الوضوء نور" ، والثالث عشر دوام السكوت إلا عن ذكر الله تعالى لا ينبغي أن يتكلم الذاكر المتبتل في خلوته كلاما إلا إذا تعين عليه في الشرع أو يحتاج إليه في أمر مما هو بصدده فمهما تكلم بكلمة غير ضرورية خرج شيء من نورانية قلبه مع تلك الكلمة فإن زادت ـ أي الكلمة ـ لغير الضرورة خرجت الأنوار الحاصلة بالأذكار وبقي القلب خاليا نعوذ بالله تعالى من الحور بعد الكور فالواجب على الذاكر المنقطع في الخلوة حتما أن لا يتكلم مع أحد أبدا ما كائنا ما كان إلا مع شيخه لغرض واقعة ضرورية البيان أو الخادم الذي أقامه الشيخ في خدمة الفقراء لحاجة ، والرابع عشر أن تكون الخلوة بعيدة عن حسن الكلام أي كلام الناس فإن القلب الرقيق تؤثر فيه الخطرات المذمومات وأثر القليل عليه كثير ، والخامس عشر كونه إذا خرج للضوء والصلاة يخرج مطرقا رأسه إلى الأرض غير ناظر إلى أحد ويحذر كل الحذر نظر الناس إليه مغطيا رأسه ورقبته بشيء لأنه ربما يحصل له عرق الذكر فيلحقه الهواء فيضره ويعطله عن الذكر ويوقفه زمنا طويلا ، والسادس عشر المحافظة على صلاة الجماعة والجمعة وترك المحافظة على صلاة الجماعة خطأ غلط وإن وجد نفقته في خروجه فليتخذ له شخصيا يصلي معه في خلوته ولا يرضى بالصلاة منفردا فإن ترك صلاة الجماعة يخشى عليه آفات . قال السهروردي : لقد رأينا من يتشوش عقله في خلوته ولعل ذلك لشؤم إصراره على ترك صلاة الجماعة غير أنه يخرج لصلاة الجماعة ذاكرا لا يفتر عن الذكر ولا يكثر إرسال الطرف إلى ما يرى ولا يصغي إلى ما يسمع فيكثر لذلك الوسواس وحديث النفس والخيال ويجتهد أن يحضر مع الجماعة بحيث يدرك مع الإمام تكبيرة الإحرام فإذا سلم انصرف إلى خلوته ، والسابع عشر المحافظة على الأمر الوسط في الطعام لا فوق الشبع ولا الجوع المفرط . قال الإمام الغزالي رضي الله عنه : اعلم أن المطلوب الأقصى في جميع الأمور والأخلاق الوسط إذ خير الأمور أوساطها وكلا طرفي قصد الأمور ذميم وما أوردناه في فضائل الجوع ربما يومئ إلى أن الإفراط فيه مطلوب وهيهات فمن أسرار حكمة الله تعالى في الشريعة أن كل ما يطلب الطبع فيه الطرف الأقصى وكان فيه فساد جاء الشرع بالمبالغة في المنع منه على وجه يومئ عند الجاهل إلى أن المطلوب مضادة ما يقتضيه الطبع بغاية الأماكن والعالم يدرك أن المقصود الوسط لأن الطبع إذا طلب غاية الشبع فالشرع ينبغي أن يمدح غاية الجوع حتى يكون الطبع باعثا والشرع مانعا فيتقاومان ويحصل الاعتدال فإن من يقدر على قمع الطبع بالكلية بعيد فيعلم أنه لا ينتهي إلى الغاية فإنه إن أسرف مسرف في مضادة الطبع كان في الشرع أيضا ما يدل على إساءته كما أن الشرع بالغ في الثناء على قيام الليل وصيام النهار ثم لما علم النبي صلى الله عليه وسلم من حال بعضهم أنه يصوم الدهر كله ويقوم الليل كله نهاه عنه فإذا عرفت هذا فاعلم أن الأفضل بالإضافة إلى الطبع المعتدل أن يأكل بحيث لا تثقل المعدة ولا يحس بألم الجوع بل ينسى بطنه فلا يؤثر فيه الجوع أصلا فإن مقصود الأكل بقاء الحياة وقوة العبادة وثقل المعدة يمنع من العبادة وألم الجوع أيضا يشغل القلب ويمنع منها فالمقصود أن يأكل أكلا لا يبقى للمأكول فيه أثر ليكون متشبها بالملائكة فإنهم مقدسون عن ثقل الطعام وألم الجوع وغاية الإنسان الاقتداء بهم وإذا لم يكن للإنسان خلاص من الشبع والجوع فأبعد الأحوال عن الطرفين الوسط وهو الاعتدال انتهى . والثامن عشر إلا ينام إلا عن غلبة وحد الغلبة أن يتشوش عليه الذكر فإذا لزم العبادة وترك النوم والاستراحة ذهبت عليه الأركان الأربعة من الترابية والمائية والهوائية والنارية فيعرى القلب عن العجب فحينئذ ينظر إلى الملكوت بعين قلبه فيشتاق إلى ربه ، التاسع عشر نفي الخواطر خيرا كان أو شرا دون الاشتغال بالتمييز إذ لا تخلو النفس أن تشتغل بالفكر فيما خطر فلينف من أول الأمر ما خطر بباله لأنه إذا تفكر قويت النفس وضعف القلب فلا يقوى النفي بعد ذاك قال زين الدين الخوافي : جربنا هذا مرارا والنفس تفرح وتنشرح بالفكر في أمر الكون فيصعب عليها الإقبال على المكون فإذا لم تمنعها من الفكر فيما خطر ببال وأقبلت على الكون وأعرضت عن المكون وأساءت الأدب عوقبت بتسليط الخواطر وحديث النفس عليك وذهبت نضارت الوقت ويتكدر القلب وربما انجر إلى النفور عن الذكر والخلوة وأدى إلى الاختلاط بأبناء الجنس فوسوس إليك الشيطان بالرواح إلى خلوة تقبل إلى الله تعالى فشوشت عليك وقتك وشغلتك عن ذكر الله تعالى فأدركك المقت قال صلى الله عليه وسلم :" من شغل مشغولا بالله عن الله أدركه المقت في الوقت " فحسرت وخسرت وكل هذه المصائب سبب إساءت الأدب وعدم نفي الخواطر فليحذر الفطن من إيقاع الخواطر ولا يجوز للذاكر في مذهب أهل الذكر والخلوة أن يتفكر في معنى آية أو حديث أو غيرهما إلا إذا ورد عليك معنى من المعاني أثناء الذكر من التنبيهات الإلهية والواردات الحقيقية من غير تأنس بالأفكار البشرية فيهما ويشتغل بالذكر وإن خاف على الفوت بالنسيان لنفاستها فليكتبها سريعا وليرجع إلى الذكر وأما ما يرد من الأشعار والأسجاع فينفيها وينفي كل خاطر في الجملة يخطر بالبال وقال نجم الدين البكري رحمه الله تعالى : وإنما أمرنا المريد في الابتداء بنفي الخواطر جميعا لأنه دخل في طريقة ليس له أهلية أن يميز بين الخواطر وطريق تمييزه أن ينفي الخواطر جميعا فما كان محمودا كخواطر الحق والملك والقلب فيثبت ولا ينتفي وما كان للشيطان والنفس فلا ينتفي وقال الشيخ جبريل الخرماباذي قدس الله سره العزيز : والذاكر في بدئ السلوك ينفي الخواطر ولا يشتغل بالتمييز بينهما وبين معرفة أقسامها لا يكون إلا بتخصيص أنواع الأسرار والمبتدئ لم يعط له هذا المقام فيجب أن ينفي الجميع لئلا يضيع أوقات ذكره ولأن السالك في ابتداء أمره صاحب الولاية في باطنه النفس والشيطان فأكثر خواطره شيطانية ونفسانية فيجب النفي لكل . الموفي عشرين : دوام ربط القلب بالشيخ بالاعتقاد والاتستمداد عل وصف التسليم والمحبة والتحكيم ويكون في اعتقاده أن هذا المظهر هو الذي عينه الحق سبحانه للإفاضة علي ولا يحصل لي الفيض إلا بواسطته دون غيره ولو كانت الدنيا كلها مملوءة بالمشايخ ومتى يكون في باطن المريد تطلع إلى غير شيخه لم ينفتح باطنه إلى الحضرة الواحدية فالإنسان في الجهات وله بدن وروح والله تعالى المنزه عن الجهات فحكمته اقتضت الاستفاضة الواحدة إلى الحضرة الواحدية وهي الكعبة في عالم الأجسام والأبدان وعين الروح الإنساني التي هي مهبط الصفات الإلهية جهة واحدة يكون من تلك الجهة توجهها إلى الله تعالى وتلك الجهة هي روحانية رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم في عالم الأرواح فكما لا تقبل الصلاة إلا بالتوجه إلى الكعبة كذلك لا يحصل التوجه إلى الله تعالى إلا بالتوجه إلى الكعبة كذلك لا يحصل إلى الله تعالى إلا باتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم والتسليم له وربط القلب بنبوته وأنه هو الواسطة بينه وبين الله تعالى دون غيره من الأنبياء وأنهم وإن كانوا أنبياء الله تعالى وكلهم على الحق ولكن لا يحصل من الله تعالى فيض إلا بارتباط القلب بمحمد رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم فيتوجه البدن إلى الجهة الواحدة وتوجه الروح إلى الجهة الواحدة حصل للإنسان استمداد الإفاضة من الحضرة الواحدية ومن ههنا يعرف أن المناسبة بين المفيض والمستفيض فيما يتعلق بالاستفاضة شرط وقد ورد في بعض الأحاديث على ما أثبت المشايخ في كتبهم أن الشيخ في قومه كالنبي في أمته فلا بد للمريد أن يتوجه إلى شيخه بربط قلبه معه ويتحقق أن القبض لا يجيء إلا بواسطته وإن كان الأولياء كلهم هادين مهتدين يعتقد في كلهم ويدعو لهم لكن استمداده الخاص واستفاضته يكون من روحانية شيخه وحده ويعلم أن استمداده من شيخه استمداده من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فإن شيخه متعلق مستمد من شيخه وشيخه من شيخه أيضا وهكذا إلى رسول الله صلى الله تعالى عليه سلم فهذا مستمد بالحقيقة من رسول الله صلى الله تعالى عليه سلم وهو من الحق جل اسمه سنة الله التي قد خلت من قبل ولن تجد لسنة الله تبديلا فالربط بالقلب مع الشيخ أصل كبير في الاستفاضة بل هو أصل الأصول ولهذا بالغ المشايخ قدس الله تعالى أرواحهم في رعاية هذا الشرط فال الشيخ نجم الدين البكري قدس اله تعالى سره أنه كما أن الأستاذ شرط بالنسبة لصنعة المرآة فكما أن المطرقة والسندان والمنفخ والفحم والنار وغيرها من الآلات إذا اجتمعت ولا يكون ثم أستاذ سصنع المرآة لا يتحقق وجود المرآة كذلكم الشرائط للخلوة لا تصفو بها مرآة القلب دون ربط القلب مع الشيخ وقد جربناها فوجدناها كما قال قدس الله تعالى سره ولكن المريدين إذا انقطعوا عن الفيض والترقي لا ينقطعون إلا من هذه الجهة أعني عدم ربط القلب بالشيخ والتسليم والإذعان والمحبة الصادقة والامتثال . الحادي والعشرون ترك الاعتراض على الله تعالى وعلى الشيخ ودوام الرضا بقضاء الله تعالى على ما قدر من المدد والفتح والقبض والبسط وتالصحة والمرض ملاحظا قوله تعالى { وعسى أن تكرهوا شيئا وهو خير لكم وعسى أن تحبوا شيئا وهو شر لكم والله يعلم وأنتم لا تعلمون } وقوله تعالى :{ فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت وسلموا تسليما } ومتحققا أن الله سبحانه وتعالى أرحم بالعبد من الوالدة بولدها وأعلم بمصلحة العبد من نفسه والشيخ أعلم بمزال المريد ومضاله ومصالحه ومفاسده ومراشده وقد جرب الأمور ومارس الأحوال وركب الأهوال وبلغ مبلغ الرجال والمريد كمن دخل برية لم يسكنها ولا يعرف مواضع الخطر ولا يميز بين النفع والضرر كطبيب لمرض اعتقد أن الطبيب الفلاني عالم بعلاجه وشفائه من مرضه المهلك فيسقيه حلوا ومرا وهو يتناول ما يعطيه ويسقيه آملا لشفائه متيقنا بصحته من دائه ومتى لم يتناول ما يسقيه من الأشربة والأدوية أنى يزول مرضه هذا قانون الحكمة والتربية وهذا العالم عالم الحكمة رتب الحكيم الحق سبحانه المسببات على الأسباب ومهد القواعد والقوانين وجعل للأبواب مفاتيح فاتوا البيوت من أبوابها وافتحوا الأبواب بمفاتيحها ، قال الله سبحانه : {والذين جاهدوا فينا لنهدينهم سبلنا} وقال : {إن هذه تذكرة فمن شاء اتخذ إلى ربه سبيلا} الآية ، والثاني والعشرون أنهم في أوان خلواتهم لا يفتحون أبواب خلواتهم لمجيء الناس إليهم وزيارتهم والتبرك بهم ولينظروا إلى حال رسول الله صلى الله عليه وسلم في ابتداء أمره وإرادته تكميل جمعيته على الله تعالى كيف كان يتحنث في غار حراء بمكة ولا يستصحب أحدا فإذا جاءك من يشغلك عن الله تعالى ولا تريد ملاقاته لحفظ حالك وإجراء عزمك فربما يوهمك الشيطان ويقول لك أن هذا فلان فلا ينفعك إن داريته ويضرك إن واريته والنفس تسمع قول الشيطان فتتساهل في أمرك مع الله تعالى ومعاملته فتبتلى حينئذ بأصعب من ذلك وتنصت عليك أمور لا تقدر على مقاومتها فتضطر إلى تخريب الأساس وتضييع الأصول وسماع كلمات خارجة عن قواعد المعقول والمنقول من ظلوم جهول وربما انجر إلى مراعاة دوائه بل المحافظة على كلامه عدول عن خدمة الخالق إلى خدمة المخلوق ولذا قال بعض العلماء قدس الله تعالى سره : من لم يعبد الحق اختيارا يعبد الخلق اضطرارا فاقطع الطمع منه ولا تخف منه وازهد في اعتقاده ووداده وعده ينكر عليك ولا يعتقد فيك فإن اعتقاد هؤلاء غمرة الهلاك وضمرة النساك ولقد رأيت أنواع الضرر والفتور والقصور من الاختلاط بأرباب الدنيا المتبعين للهوى وإياك وتلبيسات النفس وخدع الشيطان بالإلقاء فيك أن هذا الشخص يهتدي بك وبكلامك وينتفع بملاقاتك في الدين فإنها من شبكات مكر اللعين . والثالث والعشرون أنهم إذا شاهدوا أشياء في الواقعة التي في اليقظة أو بين النوم واليقظة لا يستحسنون ذلك ولا يستقبحونه ولا يزيدون ولا ينقصون ويعرضون جميع ذلك على شيخهم من غير طلب تأويل فربما لا يرى الشيخ المصلحة في التأويل ولا يكتم عن الشيخ واقعته فإن الكتمان منه خيانة والله لا يحب الخائنين قال تعالى : {إن الله يامركم أن تودوا الامانات إلى أهلها} ولا يعرف تأويل واقعة الذاكر غير الذاكر والمعبر لمنامات العوام بمعرفة عن معرفة يعرف واقعة الذاكرين السالكين ، قال السهروردي رحمه الله تعالى : وشرط صحة الواقعة الإخلاص ثم الاستغراق في الذكر ثانيا وينبغي للمريد أن لا يظهر على واقعته غير شيخه اللهم إلا أن يأمره بإظهارها لمصلحة تعود على الفقراء من ترغيب ونشاط كما تقدم والرابع والعشرون دوام الذكر والأذكار هي كما قال شيخنا وسيدنا ووسيلتنا إلى ربنا أحمد بن محمد التجاني رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به نوعان نوع منها أذكار تقطع وتزيل كل حجاب عن الروح من أي أمر كان ومنها أذكار لا تقطع ولا تزيل إلا حجابا واحدا من نوع واحد فأما التي تقطع وتزيل كل حجاب فهي لا إله إلا الله أو الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم أو سبحان الله والحمد لله أو الله أكبر وبسم الله الرحمن الرحيم أو الله الله الله أو الله لا إله إلا هو الحي القيوم وأما التي تقطع وتزيل حجابا واحدا فهي سائر الأسماء الحسنى وكل اسم يذهبي بجزئ من الحجاب ولا يتعدى للجزء الآخر أهـ والخامس والعشرون الإخلاص وحسم مادة الرياء وطلب السمعة بالكلية فإن صحة الخلوة بمنية على ذلك ولا يدخل الخلوة لقصد كشف كوني وتحصيل كرامات عيانية فإن من دخل الخلوة على هذه الأماني ولم يراع شرط الإخلاص الصرف يتصرف فيه الشيطان ويلعب ويسخر به ويريه الأشياء الباطلة بصور الحق . دخل واحد من الأصحاب في خسران الخلوة بلا إذن و بلا وقت فجاء إليه الشيطان على صورة الخضر فقال : أتريد أن تحصل لك العلوم اللدنية فقال : نعم وكان مائلا إلى أن يتكلم بالمعارف على جريان اللسان فقال له : افتح فاك ففتح فاه فرمى الشيطان بصاقه في فيه ثم بعد ذلك صنف كتابا مشتملا على أبواب من المعارف فلما وصل إلى الملاقاة عرض علي ما صنف وحكى واقعته فقلت : يا مسكين ذلك الشيطان جاء إليك في صورة الخضر لعب بك وشغلك عن طاعة الله تعالى وذكره اغسل الكتاب وتب إلى الله تعالى من الاختبار . قال الشيخ نجم الدين البكري قدس الله تعالى سره العزيز : أول ما دخلت الخلوة كان في قلبي نوع رياء وسمعة وطلب لكلام أهل الطريق حتى أعظ الناس في رؤوس المنابر وأعد من جملتهم مع أني لست منهم فأعطيت شيئا من الكشف بقدر ما علمت أن هذا الطرق صحيح ولكن كان أثناء الخلوة فاسد من أجل أنه ما كان غرضي صحيحا ونيتي صادقة وكان لي شيء من الكتب خارج الخلوة التفت إليها فأخرجت من الخلوة كما دخلت في الحادي عشر ثم بقيت خارج الخلوة بقدر ما زال عني ضرر الخلوة ثم أردت الدخول إليها فقلت في نفسي : إن دخلت كما دخلت أخرجت ولكن أدخل مدخل صدق حتى أخرج مخرج صدق فصفيت النية لأجله ووضعت الروح في الكف وقلت : ها هو ذا خذه ووقفت الكتب ووهبت ثيابي وتصدقت بالدراهم ونبذت الدنيا وراء ظهري وجعلت القيامة بين عيني وخلعت عذار العار والشان أن يقول الناس بي ذل واستكانة أو جن وكان من أمري ما كان وجعلت النفس بين يدي الشيخ كالميت على اللوح بين يدي الغاسل فقلت : الساعة أدخل القبر فلا أنتشر منه إلى يوم القيامة حتى قلت : هذه البقية من الثياب أكفن فيها فإن قوية الخواطر بالخروج من الخلوة مزقت ثيابي على البدن خرقا حتى أستحيي من الناس فلا أخرج فيكون حينئذ لباسي جدران الخلوة وذلك كله من شدة شوقه إلى طلب النجاة فلما دخلت هكذا ما خرجت منها إلا بإذن من الشيخ والواجب على المريد الصادق أن يخلص لله تعالى بقلبه وقالبه في جميبع حركاته وسكناته وعدم التطلع والالتفات إلى شيء مطلقا سوى الله سبحانه وأن يقطع علائقه من أمور الدنيا قطعا ويصحح غرضه ويصدق مع الحق تعالى ويصفي نيته من كل شوب . والسادس والعشرون أن لا يعين مدة يخرج بعد كمالها فإن النفس يصير لها بذلك تطلع إلى انقضاء المدة فإذا كان الأمر على هذا يحصل للقلب الشتات والتفرقة قال الشيخ نجم الدين البكري قدس الله تعالى سره العزيز : قال للشيخ عمار : إذا دخلت الخلوة فلا تحدث نفسك بأنك تخرج بعد الأربعين فإن من حدثها خرج من اليوم الأول ولكن حدثها بأن هذا قبرك إلى يوم القيامة قال : وهذا دقيق لا ينتبه له إلا البالغون ولا يأنس السائر إلى الخلوة إلا إذا استوحش من ضدها وحينئذ يأنس بما دخل في الخلوة لأجله ثم لا يزل مستأنسا بالذكر والخلوة حتى تنقطع عنه الأضداد فيكون حينئذ بالله تعالى أنسه وذلك هو نهاية مبدئ صورته ومن ثم بداية الخلوة المعنوية فيكون بصورته مع الأغيار وبمعناه للمعارف وكان الجنيد رحمه الله تعالى يقول لمريده في أوقات الخلوة : إن كان أنسكم في الخلوة بالخلوة ذهب أنسكم إذا خرجتم منها وإن كان أنسكم في الخلوة بالله تعالى استوت عندكم السحارى والخلوات كان صاحب خلوة قد ذكر عند الشيخ أبي النجيب السهروردي انتهاء استغراقه في الذكر إلى حد يسمع الذكر من صدره ولكنه إذا سمع صوتا أو رأى شيئا من عالم الشهادة تشوش عليه الذكر وخرج صده وغضب وأنكر فكان يقول لمريديه : لا تكونوا مثله معناه صححوا الأنس بالله تعالى حتى لا يشوشكم شيء قلت : كلما في هذا الفصل إلا قليلا ملخص من الوصايا القدسية والخلاصة المرضية والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب .
<< الفصل السابق
الفصل التالي >>