نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الثالث والأربعون
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الثاني > الفصـل الثالث والأربعون

في بيان تسمية طريقتنا هذه الطريقة الأحمدية المحمدية الإبراهيمية الحنفية التجانية .
فنقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : اعلم أن اسم طريقتنا هذه على هذا الترتيب على عدة أسماء إن شئت سمها بالطريقة الأحمدية أو الطريقة المحمدية أو الطريقة الإبراهيمية الحنيفية أو الطريقة التجانية إن قلت : لم سميتها بأسماء عديدة وغيرها من الطرق سميت باسم واحد قلت : سميت بأسماء كثيرة لأن لها من الفضائل والخصائص ما ليس لغيرها لأن كثرة الأسماء دالة على فضل المسمى . قال في السراج المنير : ولها يعني سورة الإخلاص أسماء كثيرة وزيادة الأسماء تدل على شرف المسمى اهـ . وقال ابن أبي حمزة في بهجة النفوس : يحتمل أن تكون ـ يعني فاتحة الكتاب ـ سميت بأسماء خمسة لأن لها من الخصائص والفضائل ما ليس لغيرها فكانت أسماؤه عديدة دون غيرها لأن كثرة الأسماء دالة على فضل المسمى إما مطلقا أو على جنسه ولذلك سمي النبي صلى الله عليه وسلم بخمسة أسماء وقد قال بعض العلماء : أنها تبلغ إلى نحو مائة اسم وغيره من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام ليس له إلا اسم واحد لأنه صلى الله عليه وسلم صاحب اللواء المعقود والمقام المحمود فكانت كثرة الأسماء لأجل عظم قدره وكذلك أيضا كثرة أسماء الله عز وجل لأنه ليس كمثله شيء فكانت أسماؤه لا يشبهها شيء لكثرها وعظمها اهـ . وإذا علمت سبب تركيب أسمائها من أسماء كثيرة فاعلم أن كونها أحمدية لا يظهر لك إلا إذا ذكرنا الحقيقة الأحمدية وبيانها ليظهر بأدنى برهة لكل ناظر عاقل وجه تسميتها أحمدية فنقول : قال شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به كما شرح في الصلاة الغيبية : وأما الحقيقة الأحمدية فهي الأمر الذي سبق به في حمد الله تعالى كل حامد من الوجود فما حمد الله تعالى أحد في الوجود مثل ما حمد النبي صلى الله عليه وسلم في الوجود إن الحقيقة الأحمدية غيب من غيوب الله فلم يطلع أحد على ما فيها من المعارف والعلوم والأسرار والفيوضات والتجليات والمنح والمواهب والأحوال العلية والأخلاق الزكية فما ذاق منها أحد شيئا ولا جميع الرسل والنبيين اختص صلى الله عليه وسلم وحده بمقامها وكل مدارك النبيين والمرسلين وجميع الملائكة والمقربين وجميع الأقطاب والصديقين وجميع الأولياء والعارفين كل ما أدركوه على جمله وتفصيله من فيض حقيقته المحمدية وأما الحقيقة الأحمدية فما نال منها أحد اختص بها صلى الله عليه وسلم لكمال عزها وغاية علوها اهـ . وإذا علمت معنى الحقيقة الأحمدية وحصل في ذهنك فهمها فاعلم أنها سميت أحمدية لوجوه أحدها أنها سميت أحمدية لكونها ناشئة عن سيد الوجود وعلم الشهود الذي سماه الله تعالى في كتابه المحكم بأحمد صلى الله تعالى عليه وسلم فنسبت إلى من صدرت عنه صلى الله عليه وسلم ، والثاني أنها سميت أحمدية لكون من تفضل بها عليه مولانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أحمد بن محمد رضي الله تعالى عنه فنسبت إليه لذلك ، والثالث أنها سميت أحمدية للإشارة إلى أنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به هو أول الأولياء ومددهم وإن تأخر وجود طينته فإنه بحقيقته موجود كما تقدم من أن الحاتمي رضي الله تعالى عنه قال أن معنى : "كنت نبيا وآدم بين الماء والطين" كنت نبيا بالفعل عالما بنبوتي وآدم بين الماء والطين ثم قال : وغيره من الأنبياء ما كان نبيا ولا عالما بنبوته إلا حين بعث بعد وجوده ببدنه العنصري واستكماله شرائط النبوة ثم قال : وكذلك خاتم الأولياء كان وليا بالفعل عالما بولايته وآدم بين الماء والطين وغيره من الأولياء ما كان وليا بالفعل ولا عالما بولايته إلا بعد تحصيله ما يشترط في الاتصاف بالولاية من الأخلاق الإلهية التي يتوقف الاتصاف بالولاية عليها اهـ . وإذا تقرر هذا فلا يخفى عليك ما تقدم أن الحقيقة الأحمدية هي الأمر الذي سبق بحمد الله تعالى كل حامد من الوجود فما حمد الله تعالى أحد في الوجود مثل ما حمده النبي صلى الله عليه وسلم في الوجود وإذا فهمت هذا فاعلم أن خاتم الأولياء سبق في حمد الله تعالى كل حامد من الأولياء فما حمد الله تعالى أحد من الأولياء مثل ما حمده خاتم الولياء لأنه الوارث الآخذ عن الأصل المشاهد لمراتب قال الحاتمي رضي الله تعالى عنه : وخاتم الأولياء هو الولي الوارث الآخذ عن الأصل المشاهد للمراتب العارف باستحقاق أصحابها ليعطي كل ذي حق حقه وهو حسنة من حسنات سيد المرسلين مقدم الجماعة أهـ . وقال سيدي علي الخواص كما قال الشعراني في درر الغواص : إن لهذه الأمة خاتمين جامعين لكل رتبة ومقام وارث وولاية بأحدية جمعها وتنوع وحدتها حتى تستغرق كل نعمة ووصف وإمداد واستمداد أحدية كان أو أحمديا بسر تنزله وإحاطته بعلومه المطلقة والمقيدة وما هو خصيص به أصلا وفرعا حكما وعينا سعة وضيقا قيدا وإطلاقا حتى أن كل ولي كان أو يكون إنما يأخذ من هذين الختمين الذي يكون أحدهما خاتم ولاية الخصوص والآخر يختم به الولاية العامة فالأولى بعده إلى قيام الساعة أهـ . قلت : قد ظهر واتضح وبان من كلام هذين السيدين أن خاتم الأولياء سبق في حمد الله تعالى كل حامد من الأولياء فما حمد الله تعالى أحد من الأولياء مثل ما حمده خاتم الأولياء لأن المأخوذ منه يتقدم الآخذ إذ لا يصح تأخر الممد على المستمد أبدا ولذا كانت طريقته طريقة المحبة والشكر كما تقدم بيانه في الفصل السابع عشر من هذا الكتاب المبارك لأنها ناشئت عن الدائرة الفضيلة التي رفع الله تعالى عنه منة غير جده صلى الله عليه وسلم القائل له : لا منة لمخلوق عليك من أشياخ الطريق فأنا واسطتك وممدك على التحقيق فاترك عنك جميع ما أخذت من جميع الطرق وقال له : الزم هذه الطريقة من غير خلوة ولا اعتزال عن الناس حتى تصل مقامك الذي وعدت به وأنت على ذلك من غير ضيق ولا حرج ولا كثرة مجاهدة واترك عنك جميع الأولياء ، فلكونها طريقة سهلة يصل إلى الله تعالى جميع أهلها بمحض الفضل والكرم والجود من غير أن يحوجهم ربهم الكريم إلى خلوة واعتزال عن الناس وهو على ما هم عليه من غير ضيق ولا حرج ولا كثرة مجاهدة كانوا مطالبين بالحمد على ما خصهم الله تعالى به من الفضل العظيم والشكر على ما عمهم به من الطول الجسيم سميت لما ذكر طريقة أحمدية والرابع أن مقام صاحبها بالنيبة إلى مقامات جميع الأولياء كنسبة مقام الأحمدية إلى مقامات جميع الأنبياء لأنه رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به قال : أنا سيد الأولياء كما كان رسول الله صلى الله عليه وسلم سيد الأنبياء وقال رضي رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : لا يشرب ولي ولا يسقى إلا من بحرنا من نشأة العالم إلى النفخ في الصور وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به مشيرا بإصبعه السبابة والوسطى : روحه صلى الله عليه وسلم ورحي هكذا روحه صلى الله عليه وسلم تمد الرسل والنبياء عليهم السلام وروحي تمد الأقطاب والعارفين والأولياء من الأزل إلى الأبد وقال رضي الله تعاالى عنه وأرضاه وعنا به أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره بأن مقامه أعلى من جميع المقامات وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : إن نسبة الأقطاب معي كنسبة العامة مع الأقطاب وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : إن لنا مرتبة تناهت في العلو عند الله تعالى إلى حد يحرم ذكره ليس هو ما أفشيته لكم ولو صرحت به لأجمع أهل الحق والعرفان على كفري فضلا عمن عداهم وليست هي التي ذكرت لكم بل هي من وراءها وقال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به لأصحابه : يليه إعلامكم أن فضل الله تعالى لا حد له وأن الفضل بيد الله يوتيه من يشاء وإن مقامنا عند الله تعالى في الآخرة لا يصله أحد من الأولياء ولا يقابله من كبر شأنه ولا من صغر وإن جميع الأولياء من عصر الصحابة إلى النفخ في الصور ليس فيهم من يصل إلى مقامنا ولا يقاربه لبعد مرامه عن جميع العقول وصعوبة مسلكه على أكابر الفحول ولم أقل لكم ذلك حتى سمعته من رسول الله صلى الله عليه وسلم تحقيقا وإن مراتب أهلها بالنسبة إلى مراتب أهل سائر الطرق كذلك حتى أن ذلك انتهى إلى حد يحرم ذكره وإفشاؤه وقال رضي الله عنه : لو اطلع أكابر الأقطاب على ما أعد الله تعالى لأهل هذه الطريقة لبكوا وقالوا : يا ربنا ما أعطيتنا شيئا . قلت : وإذا كان هذا حال الأقطاب معهم فما ظنك بمن دونهم من الصديقين والعارفين والأولياء وإذا كان حال المذكورين فما ظنك بأهل طرقهم ممن لم يصل إلى مراتبهم وإلى ما ذكرنا أشار رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به بقوله : إن لنا مرتبة عند الله تعالى إلى قوله رضي الله عنه : ومن خاصية تلك المرتبة أن من لم يتحفظ على تغيير قلب أصحابنا بعدم حفظ حرمة أصحابنا طرده الله تعالى عن قربه وسلبه من منحه وبقوله رضي الله عنه : وليس لأحد من الرجال أن يدخل كافة أصحابه الجنة بغير حساب ولا عقاب ولو عملوا من الذنوب ما عملوا وبلغوا من المعاصي ما بلغوا إلا أنا وحدي ووراء ذلك ما ذكر لي فيهم وضمنه لهم صلى الله عليه وسلم أمر لا يحل لي ذكره ولا يرى ولا يعرف إلا في الاخرة أهـ . فلذكر هنا بعض ألفاظ من أذكار هذه الطريقة للإشارة إلى أنها بلغت الغاية القصوى في الفضل وأن مرتبة أهلها لا يبلغها غيرهم بحال وأنها أحمدية على التحقيق فنقول : اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق والخاتم لما سبق ناصر الحق بالحق والهادي إلى صراطك المستقيم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم الرحمة الربانية والياقوتة المتحققة الحائطة بمركز الفهوم والمعاني المالئة لكل متعرض من البحور والأواني صراطك التام الأسقم لا يدركه دارك ولا يلحقه لاحق اللهم إني أحمدك وأنت المحمود وأنت للحمد أهل وأشكرك وانت المشكور وأنت للشكر أهل على ما خصصتني به من مواهب الرغائب وأوصلت إلي من فضائل الصانع وأوليتني به من إحسانك وبوأتني به من مظنة الصدق عندك وأنلتني به من منتك الواصلة إلي وأحسنت به إلي كل وقت من دفع البلاء عني والتوفيق لي فكن لي جهرا حاضرا حاميا بارا وليا فيب الأمور كلها ناظرا وعلى الأعداء كلهم ناصرا وللخطايا والذنوب كلها غافرا وللعيوب كلها ساترا فأنا عبدك واجعلني يا رب عتيقك يا إلهي ومولاي خلصني وأهلي من النار ومن جميع المضار خيرك لي شامل ولطفك لي كافر وبرك لي غامر وفضلك علي دائم متواتر ونعمك عندي متصلة لم تخفر لي جواري وأمنت خوفي وصدقت رجائي وحققت آمالي ورميت من رماني بسوء وكفيتني شر من عاداني اللهم إني أحمدك إذ لم تكلفني فوق طاقتي ولم ترض مني إلا طاعتي ورضيت مني من طاعتك وعبادتك دون استطاعتي وأقل من وسعتي ومقدرتي اللهم لك الحمد مثل ما حمدت به نفسك وأضعاف ما حمدك به الحامدون وسبحك به المسبحون ومجدك به الممجدونوكبرك به المكبرون وهللك به المهللون وقدسك به المقدسون ووحدك به الموحدون وعظمك به المعظمون واستغفرك به المستغفرون حتى يكون لك مني وحدي في كل طرفة عين وأقل من ذلك مثل حمد جميع الحامدين وتوحيد أصناف الموحدين والمخلصين وتقديس أجناس العارفين وثناء جميع المهللين والمصلين والمسبحين ومثل ما أنت محمود ومحبوب وحجوب من جميع خلقك كلهم من الحيوانات والبرايا والأنام فما أيسر ما كلفتني به من حقك وأعظم ما وعدتني به من نعمائك ومزيد الخير على شكري ابتدأتني بالنعم فضلا وطولا وأمرتني بالشكر حقا وعدلا ووعدتني عليه أضعافا ومزيدا وشرعت لي أيسر القصد وضاعفت لي أشرف الفضل مع ما عبدتني به من المحجة الشريفة وبشرتني به من الدرجة العالية الرفيعة واصطفيتني بأعظم النبيين دعوة وأفضلهم شفاعة وأرفعهم درجة وأقربهم منزلة وأوضحهم حجة محمد صلى الله تعالى عليه وسلم وعلى جميع الأنبياء والمرسلين وأصحابه الطاهرين ليلة القدر خير من ألف شهر سلام هي ستر العرش مسبول علينا وعين الله ناظرة إلينا بحول الله لا يقدر علينا إن شانئك هو الأبتر يا عجيب الصنائع فلا تنطق الألسن بكل ثنائه ونعمائه يا مجيد فلا تبلغ الأوهام كنه ثنائه ومجده يا حميد الفعال ذا المن على جميع خلقه بلطفه والحمد لله رب العالمين إلى ولا الظالين يا من أظهر الجميل وستر القبيح ولم يآخذ بالجريرة ولم يهتك الستر يا عظيم العفو يا حسن التجاوز يا واسع المغفرة ويا باسط اليدين بالرحمة ويا كريم الصفح ويا عظيم المن ويا مبتدأ بالنعم قبل استحقاقها أن تعطيني وتعطي فلانا من كل ما شئت من ابتداء خلقك إلى انتهاء يوم القيامة في كل مقدار طرفة عين لكل واحد على انفراده عشرين فيضة من بحار رضتاك وأن تعطي كل واحد في كل فيضة أوفر حظ ونصيب من كل ما سألك منه سيدنا محمد نبيك ورسولك صلى الله عليه وسلم ما علمت من ذلك وما لم أعلم من خيرات الدنيا والآخرة والنجاة مما استعاذك منه سيدنا محمد نبيك ورسولك صلى الله عليه وسلم ما علمت من ذلك وما لم أعلم من شر الدنيا والآخرة ومغفرة جميع ذنوبنا ما تقدم منها وما تأخر في الدنيا والآخرة وأداء جميع تبعاتنا من خزائن فضلك وكرمك لا من حسناتنا اللهم عليك معولي وبك ملاذي وإليك التجائي وعليك توكلي وعلى حولك وقوتك اعتمادي وبجميع مجاري أحكامك رضاي وبإقرار سريان قيوميتك في كل شيء وعدم احتمال خروج شيء دق أو جل عن علمك وقهرك حتى لحظة سكوتي . وأما سبب تسميتها محمدية مع أن طرق أهل الله تعالى كلها كذلك فلوجوه أحدها أنه إنما كان جميع الفيوضات التي تفيض على جميع الولياء إنما فاضت من ذاته رضي الله تعالى عنه كما أن جميع الفيوضات على جميع الأنبياء إنما تفيض عليهم من ذاته صلى الله عليه وسلم سميت محمدية لهذه المناسبة التامة . قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : إن الفيوض التي تفيض من ذات سيد الوجود صلى الله عليه وسلم تتلقاها ذوات النبياء عليهم الصلاة والسلام وكل ما فاض وبرز من ذوات الأنبياء عليهم الصلاة والسلام تتلقاه ذاتي ومني يتفرق على جميع الخلائق من نشأة العالم إلى النفخ في الصور . قلت : وإذا فهمت هذا فوجه تسميتها محمدية لا يخفى عليك وثانيها أنه رضي الله تعالى عنه لما كان له مدد خاص به يتلقاه من النبي صلى الله تعالى عليه وسلم لا اطلاع على لأحد من الأنبياء عليهم الصلاة والسلام على فيضه الخاص به لأن له مشربا معهم منه صلى الله عليه وسلم وثالثها أنها طريقته صلى الله تعالى عليه وسلم بالوجه الخاص لأنه صلى الله عليه وسلم صرح بذلك لشيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به تصريحا يزيل كل إشكال بقوله صلى الله عليه وسلم له رضي الله تعالى عنه : فقراؤك فقرائي وتلاميذك تلاميذي وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم له رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : كل من أذنته وأعطى لغيره فكأنما أخذ عنك مشافهة وأنا ضامن لهم وهذا ينبئ عن فضلهم على غيرهم وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم لبعض أهل هذه الطريقة أنت ابن الحبيب ودخلت في طريقة الخليفة الأكبر والوارث الأشهر التجاني الأطهر كفى بهذا بشارة لأهل طريقته فإنها أعظم من الدنيا بحذافيرها والجنة وقصورها وباقي نعيمها ولا مطلب بعدها إلا النظر إلى وجه مولانا الكريم ورابعها أن لأهلها علامة يتميزون بها عن غيرهم ويعرف بها أنه صلى الله تعالى عليه وسلم هو الضامن لهم ومتولي أمرهم بوجه خاص وهي أن كل أحد من لاأهلها يكتب بين عينيه بطابع النبي محمد رسول الله وعلى قلبه مما يلي ظهره محمد بن عبد الله وعلى رأسه تاج من نور مكتوب فيه الطريقة التجانية منشؤها الحقيقة المحمدية وهذا ينبئ عن فضل أهلها على غيرهم وخامسها أن الله تعالى لما ختم بمقامه مقامات الأولياء ولم يجعل فوق مقامه إلا مقامات الأنبياء وجعله القطب المكتوب والبرزخ المختوم والخاتم المحمدي المعلوم ومركزا يتفجر منه لجميع الأغواث الفيوض والعلوم كما سيبين ذلك في المحشر تصديقا بالنبي المعصوم إذ نادى مناد يسمعه الممنوح والمحروم : يا أهل المحشر هذا إمامكم الذي يستمد منه الخصوص والعموم كانت طريقته الطريقة المحمدية لهذه المناسبة التامة ولأجلها كان عوام أهلها الصادقون أعلى مرتبة عند الله تعالى في الآخرة من أكابر الأقطاب ما عدا أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم كما تقدم ، وسادسها أنه رضي الله تعالى عنه وعنا به حاز ما كان عند الأولياء من الكمالات الإلهية واحتوى على جميعها كما تقدم في الفصل السادس والثلاثين كما أن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم حاز ما عند الأنبياء من الكمالات الإلهية وهذا السر العظيم هو الذي سرى في طريقته وفي أهلها فسميت محمدية لهذه المناسبة التامة ، وسابعها أن طريقته رضي الله تعالى عنه هي خير الطرق فلا يأتي ولي بعده بطريقة جديدة كما أن ملته صلى الله تعالى عليه وسلم آخر الملل . قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : كل الطرق تدخل في طريقة الشاذلي رضي الله تعالى عنه إلا طريقتنا هذه المحمدية الإبراهيمية الحنيفية فإنها مستقلة بنفسها فلا ينبغي لنا إلا الانفراد بها لأنه أعطاها لنا منه إلينا صلى الله تعالى عليه وسلم وقال : لا يصل لك شيء إلا على يديّ وهو الذي ربانا وأوصلنا حتى بلغنا المنى وشكرا لله تعالى ، وثامنها أن طريقته رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به تدخل على جميع الطرق فتبطلها وطابعه يطبع على كل طابع ولا يحمل طابعه غيره كما تقدم كما أن شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم يدخل على جميع الشرائع ولا يدخل على شريعته ، وتاسعها أن من ترك وردا من أوراد المشايخ لأجل الدخول في هذه الطريقة المحمدية أمنه الله تعالى في الدنيا والآخرة ولا يخاف من شيء لا من الله تعالى ولا من رسوله صلى الله عليه وسلم ولا من شيخه أيا كان من الأحياء أو من الأموات وأما من دخلها وتأخر عنها ودخل غيرها فإنه تحل به المصائب دنيا وأخرى كما أن شرع رسول الله صلى الله عليه وسلم كذلك ، وعاشرها أن الإمام المهدي رضي الله تعالى عنه إذا قام آخر الزمان يأخذ طريقته ويدخل زمرته كما تقدم فتصير الطرق طريقة واحدة سيعاين ذلك من حضر ظهوره إن شاء الله تعالى كما أن الشرائع صارت شريعة واحدة وهي الإسلام ، وحادي عشرتها أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يغار لأهل هذه الطريقة غيرة خاصة كما كان يغار لأصحابه لأن أهلها فقراؤه وتلاميذه كما أن الصحابة رضي الله تعالى عنهم كذلك وقد تقدم أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر الشيخ رضي الله تعالى عنه أنه صلى الله تعالى عليه وسلم يؤذيه ما يؤذي أهل هذه الطريقة وتقدم أيضا أن الشيخ رضي الله تعالى عنه قال : لنا مرتبة عند الله تعالى إلى أن قال : ومن خاصية تلك المرتبة أن من لم يتحفظ على تغيير قلب أصحابه بعدم حفظ حرمتهم طرده الله تعالى عن قربه وسلبه ما منحه وهذا كله لسر كون طريقة شيخهم محمدية بالوجه الخاص ، وثاني عشرتها أنه صلى الله عليه وسلم تفضل على هذا الشيخ الخاتم المحمدي بهذه الطريقة لكونها محمدية بالوجه الخاص فيكون تضعيف ثواب حسنات أهلها بالنسبة لتضعيف حسنات غيرهم من أهل سائر الطرق كنسبة تضعيف حسنات هذه الأمة إلى تضعيف ثواب حسنات غيرهم من سائر الأمم وراثة محمدية حبيبية ولذا كان من أذكارها ما تكون المرة منه تستغرق جميع أذكار العارفين كالياقوتة الفريدة ومنها ما تكون المرة منه تعدل عبادة جميع العالم ثلاث مرات كجوهرة الكمال ومنها ما يكون كل العبادات إذا جمعت بالنسبة إلى مرة منه كنقطة في بحر كالكنز المطلسم ولا ينكر هذا إلا من ينكر وجود الأذكار الجامعة وحينئذ فلا يتكلم معه عاقل لأنه إنما أنكر على صاحب الشريعة صلى الله تعالى عليه وسلم ، وثالث عشرتها أنها سميت محمدية للإشارة إلى أن الله تعالى يعامل أهلها معاملة المحب حبيبه وقد تقدم في الفصل الثامن والثلاثين من هذا الكتاب المبارك أن سيدي محمدا الغالي رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به أخبرني أن الشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به أخبره أن لأهل هذه الطريقة من الله تعالى لطفا خاصا بهم بعد لطفه العام لهم ولغيرهم . قلت : وهذا اللطف مشاهد بهم في الدنيا ومضمون لهم في العقبى وقد أشهدني الله تعالى بفضله من هذا ما لا يمكن لي ذكره فأحرى استنقاصه ولو اطلعت يا أخي على هذا اللطف العظيم من هذا الرب الرحيم لأهل طريقة هذا الشيخ الكريم وحزبه الصميم لعرفت معرفة حقيقية ودريت دراية يقينية أنها محمدية حبيبية ومن هنا قوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : إن أصحابنا لا يدخلون حضرة المحشر مع الناس ولا يذوقون مشقة ولا يرون محنة من تغميض أعينهم إلى الاستقرار في عليين ، وقوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه : إن أصحابي لا يحضرون أهوال الموقف ولا يرون صواعقه وزلازله بل يكونون مع الآمنين عند باب الجنة حتى يدخلوا مع المصطفى صلى الله عليه وسلم في الزمرة الأولى مع أصحابه ويكون مستقرهم في جواره صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين مجاورين أصحابه صلى الله عليه وسلم فسبحان من تفضل بما شاء على من شاء اختيارا منه لا تحكم عليه في شيء . وقوله رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به : إن صاحبي لا تأكله النار ولو قتل سبعين روحا إذا تاب بعدها ، ورابع عشرتها أنها سميت محمدية للإشارة إلى أنها أكثر من سائر الطرق كما أن هذه الأمة المحمدية أكثر من سائر الملل ويكفي في ذلك أن الإمام المهدي المنتظر من أهلها وجميع أتباعه رضي الله عنه من أهلها ولولا أن في القلب ما فيه لأودعنا في هذا المحل ما يبهر العقول ويعجز عن إدراكه أكابر الفحول ولجلبنا من كلامه أيضا ما يعرف به كل من له أدنى بصيرة أن اسم طريقته مطابق لمسماه . وأما سبب تسميتها إبراهيمية حنيفية فلوجوه أيضا أحدها أنها لتكون محمدية بالوجه الخاص كما تقدم إلا وكانت إبراهيمية بالضرورة كما قال تعالى : {قل إنني هداني ربي إلى صراط مستقيم دينا قيما ملة إبراهيم حنيفا} وقال : {إن أولى الناس بإبراهيم للذين اتبعوه وهذا النبي والذين آمنوا والله ولي المؤمنين} وثانيها أنما سميت إبراهيمية للإشارة إلى أن الله تعالى جمع له رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به بيم مقامين المحبة والخلة وراثة حبيبية خليلية وكونها محمدية يستلزم كونها حبيبية خليلية لأن رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم صاحب المحبة والخلة فهو صلى الله تعالى عليه وسلم حبيب الله تعالى وخليله كما في البخاري وغيره ومع ذلك فقد قال تعالى في محكم كتابه {ومن أحسن دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن واتبع ملة إبراهيم حنيفا واتخذا الله إبراهيم خليلا } قال بعض أهل الإشارة معنى قوله : { ومن أسلم دينا ممن أسلم وجهه لله وهو محسن } تجمل بسر بال جلاله الذي يتلألؤ منه حسن وجهه القدير وطار بجناح المحبة والشوق في هواء هويته فيجد طريقا من الأزل إلى الأبد فيسير مع الله تعالى إلى الله سبحانه إلى الأبد تلك المسالك دينه وأي دين أحسن من هذا وهو بجلاله وعظمته دليله منه إليه لم ينطمس مسلك الأزل والآباد ما دام بعزته ومجده ما دام أمام مطايا أسراره وعلم رواحل أنوره إذن نحن أدلجنا وأنت أمامنا كفى لمطايانا بلقياك هاديا فإن سمات الحسن حين أسلم وجهه لله تعالى وإلى جمال الله سبحانه وتعالى فتجلى عن وجهه تعالى لوجهة قاصده فيظهر نور وجهه القدم من وجهه أفنى وجوده وهو محسن أي عارف وعالم لما يطلب ومطلبه ومقعده مشاهدة الباقي بنعت الفناء فيها فيسهل عليه اضمحلاله بالله تعالى في الله عز وجل قال إبراهيم بن أدهم : من عرف ما يطلب هان عليه ما يبذل فنعته في الفناء فيه برضاه ويرضى فيما يرد منه ومثل هذا الدين هو الدين الحنيفية الحبيبية الخليلية المائلة عن الحدثان وكيف وصف خليله حين أظهر أنوار جلاله من مطالع القدم ببرئاته عن الحدث لقوله : { إني بريء مما تشركون إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والارض حنيفا } وبين تعالى أن تمام السالك لم يكن إلا بمتابعة خليله عليه السلام بقوله :{ واتبع ملة إبراهيم حنيفا } وملته كسر أصنام الطبيعة بفأس الحقيقة في بداية المحبة وإذهاب عرائس الملكوت من خاطره بقوله :{ إني بريء مما تشركون } قوله : { هذا ربي } حين ينكشف في عينه جلال الجبروت الأول مقام الإيقان والثاني مقام العرفان وفي طريق تسليمه نفسه لله تعالى في محل الامتحان بنعت سلامة القلب عما دون الرب قال : { يوم لا ينفع مال ولا بنون إلا من أتى الله بقلب سليم } وزاد في وصفه بقوله :{ أسلم قال أسلمت لرب العالمين } امتحن بتسليمه بذبح الولد فأمر السكين على حلقه سبعين مرة امتحن بنفسه بإلقائه في النار فعرض عليه جبريل عليه السلام المعاونة فقال : ألك حاجة فقال : أما إليك فلا وبين الله سبحانه وتعالى وإن الخليل إذا كان بهذه الصفة في عبوديته وعرفان ربوبيته وأعده خليلا كان في الأزل خليل الله تعالى بلا علة ولا تهمة اصطفاه بالخلة في الأزل ولو كان خلة بعوض ما كان فضلا لأن اصفائيته في للخلة في الأزل والأزل قديم قبل وجود الحادث حين أقبل صفته تعالى وهي المحبة إلى الذات وأقبل الذات إلى الصفات ثم تجلى الذات والصفات للفعل وتجلى الفعل إلى العدم فظهر الخليل بوصف الخليل ويرى الخليل الخليل بعين الخليل فصار خليلا للخليل فلذلك قال تعالى :{ واتخذ الله إبراهيم خليلا } وهذا الدين بعينه للحبيب والحبيب أفضل من الخليل لأن المحبة لب الخلة ثم صرح بالإشارة أن المحسن الراضي إذا تابع الحبيب والخليل فيما ذكرنا صار حبيب الله تعالى وخليل الله تعالى قلت : فبوقوع هذا الخات المحمدي الإبراهيمي الحبيبي الخليلي في بحر هذا الفضل الإلهي الذي وقع فيه أهل طريقته ثم باتباعه هذا النبي الحبيب الخليل محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم والنبي الخليل إبراهيم عليه السلام اللذين ورثهما في هذين المقامين سميت طريقته إبراهيمية وثالثها : أنما سميت إبراهيمية لكونها طريقة سهلة ناشئة عن الدائرة الفضلية التي جعل الله تعالى بها القطب المكتوم والبرزخ المختوم والخاتم المحمدي المعلوم قبل إيجاد الكون وما فيه كما أنه تعالى بتلك الدائرة الفضلية اتخذ إبراهيم خليلا قبل إيجاد الكون وما فيه كما قال تعالى : { ولقد آتينا إبراهيم رشده من قبل } ووجه تسميتها إبراهيمية ظاهر لأنها أسهل الطرق كما أن شرع إبراهيم الذي هو داخل في شرع محمد عليه الصلاة والسلام كذلك كما قال تعالى :{ وجاهدوا في الله حق جهاده هو اجتباكم وما جعل عليكم في الدين من حرج ملة أبيكم إبراهيم } ولذلك كانت طريقته العشق والشكر والمحبة كما قدمنا في الفصل الموفي عشرين من هذا الكتاب المبارك كما أن شرع إبراهيم كذلك قال تعالى : { إن إبراهيم كان أمة قانتا لله حنيفا ولم يك من المشركين شاكرا لأنعمه اجتباه وهداه إلى صراط مستقيم } ورابعها إنما سميت إبراهيمية لكون جميع أهل الطرق متفقين على صحة ملة إبراهيم وما من ملة إلا وأهلها يثنون عليه على نبينا وعليه السلام والشيخ رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به له هذا المقام وراثة محمدية إبراهيمية لأن جميع الكل من أهل الله تعالى يعلمون أن لله تعالى وليا يختم بمقامه مقامات الأولياء ولم يكن فوق مقامه إلا مقامات الأنبياء وتمنى كل واحد منهم أن يكون هو ذلك الولي حتى ظن بعضهم أنه هو لما لاح له بارق ذلك المقام وظن أنه بلغ ذلك المرام ثم تبين له أنه ما بلغه على التمام وسلم الأمر كله إلى مكون الأنام نع علمه بأن الله تعالى سيظهره بعد اكتتام وأما الشيح رضي الله تعالى عنه فقد تقدم في الفصل السادس والثلاثين من هذا الكتاب المبارك أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبره يقظة لا مناما بأنه هو الولي المكتوم مشافهة فلذه المناسبة التامة سميت إبراهيمية وخامسها أن الله تعالى قال في حق إبراهيم عليه السلام :{ ومن دخله } أي البيت المنسوب إلى إبراهيم { كان آمنا } وقال صلى الله عليه وسلم في حق هذا الشيخ وفي طريقته وأهلها : وأنت من الآمنين وكل من أحبك من الآمنين أنت حبيبي وكل من أحبك حبيبي وكل من أخذ وردك فهو محرر من النار هو ووالداه وأزواجه وذريته وقال رضي الله تعالى عنه :أبشروا أن من كان في محبتنا إلى أن مات عليها يبعث من الآمنين على أية حالة كان ما لم يلبس حلة الأمان من مكر الله تعالى . وقال رضي الله تعالى عنه : من ترك وردا من أوراد المشايخ لأجل الدخول في طريقتنا هذه المحمدية التي شرفها الله على جميع الطرق آمنه الله تعالى في الدنيا والآخرة فلا يخاف من شيء يصيبه لا من الله تعالى ولا من رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم ولا من شيخه أيا كان من الأحياء والأموات ، قال رضي الله تعالى عنه : إن أصحابي لا يحضرون أهوال الموقف ولا يرون صواعقه ولا زلازله بل يكونون مع الآمنين عند باب الجنة حتى يدخلوا مع المصطفى صلى الله عليه وسلم في الزمرة الأولى مع أصحابه ويكون مستقرهم في جواره صلى الله عليه وسلم في أعلى عليين مجاورين أصحابه صلى الله عليه وسلم . وقال صلى الله عليه وسلم : أنت ابن الحبيب ودخلت في طريقة الحبيب فلا واسطة بيني وبينك إلا هذه الواسطة فهو مني وأنا منه وكل من دخل في طريقتي وتحت كتفي وحمايتي فله جميع ما ذكره الخليفة الأكبر والوارث الأشهر التجاني الأطهر . قلت : وكفى بهذه بشارة فلهذه المناسبة التامة سميت إبراهيمية ، وسادسها أن إبراهيم عليه السلام أخلص وجهته إلى مولاه وأعرض عن كل ما سواه حتى أن أعداء الله تعالى وأعداءه لما أرادوا أن يلقوه في النار ووضعوه في المنجنيق مقيدا مغلولا وصاحت السماوات ومن فيهن من الملائكة وجميع الخلق إلا الثقلين صيحة واحدة : أي ربنا إبراهيم خليلك يلقى في النار وليس في أرضك أحد يعبدك غيره فأذن لنا في نصرته ، قال الله تعالى : هو خليلي وليس خليل غيره وأنا إلهه ليس له إله غيري فإن استغاث بأحد منكم أو دعاه فلينصره فقد أذنت له وإن لم يدع غيري فأنا أعلم به وأنا وليه فخلوا بيني وبينه . ولما أرادوا إلقاءه في النار أتاه خازن المياه فقال : إن أردت أخمدت النار وأتاه خازن الهواء فقال : إن شئت طيرت النار في الهواء فقال : لا حاجة لي إليكم حسبي الله ونعم الوكيل . ولما رموا به في المنجنيق إلى النار استقبله جبريل وقال : يا إبراهيم ألك حاجة ؟ قال : أما إليك فلا أي : فلا أتجه إلا إلى مولاي كما أخبر تعالى أنه عليه السلام قال : {إني وجهت وجهي للذي فطر السماوات والأرض} أي : أسلمت قلبي للذي خلقه وانقطعت إليه من كل شاغل وشغل ثم أخبر تعالى أنه قال : {فمن تبعني} أي في طريق المجاهدة والمحبة والخلة والموافقة في بذل الروح بين يدي فاطر السماوات والأرض {فإنه مني} أي طينه من طيني وقلبه من قلبي وروحه من روحي وسره من سري ومشربه في المحبة والمعرفة والخلة مشربي . وهذه الطريقة الخليلية الأحمدية المحمدية الإبراهيمية هي طريقة شيخنا رضي الله تعالى عنه كما في جواهر المعاني حيث قال : والأمر الثاني مما أوصيك به ترك المحرمات شرعا أكلا ولباسا وهكذا إلى أن قال : الأمر الثاني الذي لا بد منه بعد هذا وهو الذي بداية جميع الأمور ونهايتها هو تعلق القلب بالله تعالى بالانحياش إليه والرجوع إليه وترك كل ما سواه عموما وخصوصا فإن قدر العبد على ارتحال القلب إلى الله تعالى بكل وجهه على كل حال بحركة القلب حسا فهو الغاية اهـ . وكما قال : والواجب في حق السالك أن يمسي ويصبح ويظل ويبيت ليس مراده إلا شيئين الأول هو الله عز وجل اختيارا له من جميع الموجودات واستغناء به عنها وأنفة من لحظها لمحة وغيرة أن يختار سواه وليكون الله عز وجل هو مبدأ أمره ومنتهاه وأول مراده وآخره ومفتتحه وختمه ومستغرقا لقصر مراده عليه فيما بين ذلك كله حتى لا تبقى لمحة يريد فيها غيره لأن إرادة الغير إما طمع أو عبث ، والثاني من مرادات السالك أن يكون كله لله تعالى عز وجل منسلخا عن جميع الإرادات والاختيارات والتدبيرات والحظوظ والشهوات والأغراض واقفا في ذلك كله بالله سبحانه مع الله عز وجل من أجله وإرادة لوجهه وأداء لحق ربوبيته لا ليعود عليه منه شيء اهـ . فلهذه المناسبة التامة سميت إبراهيمية حنيفية ، وسابعها أن الله تعالى أمر إبراهيم عليه السلام أن يسكن عياله وادي الحرم بلا زاد ولا راحلة ليصفو حال توكله واعتماده على الله تعالى وليبلغ إلى كمال الخلة فنادى ربه إلهه ودعا باسم الرب طمعا في تربية عياله وأهله وإيوائهم إلى جار الكرامة بقوله : {ربنا إني أسكنت من ذريتي بواد غير ذي زرع عند بيتك المحرم} والبيت المحرم ما يمنع قاصديه عن كل مستأنس غير الله تعالى وفيه إشارة إلى تربية أهله بحقائق التوكل والرضا والتسليم ونعت التربية هذا فعلمنا بالنسبة القائمة الحنيفية السهلة السمحة الخليلية الحبيبية الأحمدية المصطفوية صلوات الله تعالى عليهما أن العارف الصادق ينبغي أن لا يكون معوله على الأملاك والأسباب في حياته وبعد مماته لتربية عياله فإنه تعالى حسبه كما أن شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به أسكن أولاده الذين هم أهل طريقته عند بيت الله المحرم الذي لا يضيع من سكن عنده وهو حبيب الله الأعظم ورسوله الأكرم وصفيه الأفخم سيدنا محمد صلى الله تعالى عليه وسلم لأنه صلى الله عليه وسلم هو الضامن لأهل هذه الطريقة ومربيهم ومتولي أمورهم بوعد صادق لا خلف فيه بقوله صلى الله تعالى عليه وسلم للشيخ رضي الله تعالى عنه : كل من أذنته وأعطى لغيره فكأنما أخذ عنك مشافهة وأنا ضامن لهم وهذا من جملة الأسرار التي منعهم الشيخ لأجلها من التطفل على أحد من أشياخ الطريق لأن جده ومحبه صلى الله عليه وسلم أعطاه هذه الطريقة المستقلة بنفسها وقال له : لا منة لمخلوق عليك من أشياخ الطريق فأنا واسطتك وممدك على التحقيق فاترك عنك جميع ما أخذت من جميع الطرق واترك عنك جميع الأولياء وأمره هو رضي الله تعالى عنه وجميع أهل طريقته بترك زيارة الأولياء وأعلمه أن كل من زار منهم ينسلخ عن حضرته ويذل لهم ما يحصل لفاعله فضل زيارته صلى الله عليه وسلم في الروضة المشرفة وزيارة جميع الأولياء والصالحين من أول الوجود إلى وقت ذلك فلهذه المناسبة سميت إبراهيمية ، وثامنها أن تسميتها إبراهيمية إشارة إلى أن الله تعالى يعامل أهلها معاملة الخليل خليله كما أنه يعاملهم معاملة الحبيب لحبيبه وقد تقدم أن لأهلها من الله تعالى لطفا خاصا بهم بعد لطفه العام لهم ولغيرهم وذلك مشاهد لهم في الدنيا ومضمون لهم في العقبى أما في الدنيا فقد رأيت من بركاته رضي الله تعالى عنه لما سافرت من أرضنا إلى الحرمين وإلى أرض الشام ذهابا وإيابا ما لا يمكن لي ذكره ولو تتبعته لملأت منه أسفارا وأما في العقبى فكل ما ذكر من فضلهم في هذا الكتاب وغيره فشيء يسير بل كنقطة في بحر بالنسبة لما هو مكتوب نسأل الله تعالى بمحض فضله أن يحيينا عليها ويميتنا عليها ويحشرنا في زمرة أهلها مع من تفضل بها عليه سيدنا رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم جده خير الأنام عليه من الله تعالى الصلاة وأفضل السلام ، وتاسعها أن الله تعالى جعل في ذرية إبراهيم عليه السلام من الأنبياء والرسل أصحاب الشرائع وغيرهم ما يطول عده قال تعالى : {وجعلنا في ذريته النبوءة والكتاب} كما جعل في هذه الطريقة من الأولياء الصغار والكمل أصحاب الطرق وغيرهم من الإنس والجن ما يطول عده وقد ذكر رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به أن أصحاب الطرق من كمل أهل طريقته سيبلغون ستمائة من الإنس وثلاثمائة من الجن أو قريبا من هذا والذهن خوان ثم قال رضي الله تعالى عنه أنها كلها منه وإليه رضي الله تعالى عنه وأفاض علينا من بركاته ، وأما أولياء أهلها من العارفين الكمّل غير أصحاب الطرق والأولياء فلا نتعرض لذكر عددهم لكثرتهم لأنه رضي الله تعالى عنه قد أخبره النبي صلى الله عليه وسلم أن كل من أحبه رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به لا يموت حتى يكون وليا قطعا وإذا كان هذا في المحبين الذين ما أخذ واحد منهم أذكاره فكيف الظن بأهل طريقته المستغرقين في حبه المتمسكين بأوراده نسأل الله تعالى بمحض فضله أن يديمنا على محبته إلى يوم لقائه ويحشرنا في أهل محبته وزمرته عند الله تعالى حتى يوصلنا إلى جده صلى الله عليه وسلم آمين يا ستار العيوب ويا غافر الذنوب استرني واغفر لي وأنت علام الغيوب ولولا أن قلوب الأحرار قبور الأسرار ومخافة أن الكتاب يقع في يد بعض الأشرار مما لا خلاق له في نفحات السادات الأخيار فيغريه الجهل والحسد على تمزيق أعراض الأبرار ويستفيد غير شكر الواسطة الذي هو سنة المختار لأودعنا هنا بعض ما لهذه الطريقة من الأسرار والأنوار على أن الطريقة تغربت ممن وطن أهلها المقبلين عليها من القرى والأمصار ولذلك كتمنا أسرارها وعلومها ومعارفها عمن لا يكن لله تعالى من الأنصار وفيما كتبناه كفاية لكل موفق من أولي الأبصار قال صلى الله عليه وسلم : "لا تعطوا الحكمة لغير أهلها" الحديث أو كما قال ورضي الله تعالى عن الإمام الشافعي حيث قال : سأكتم علمي عن ذوي الجهل غالبا *** ولا أنثر الدر النفيس على الغنم فإن يسر الله الكريم بفضله *** وصادفت أهلا للعلوم وللحكم بثثت مفيدا واستفدت ودادهم *** وإلا فمخزون لدي ومكتتم فمن منح الجهال علما أضاعه *** ومن منع المستوجبين فقد ظلم وقال صلى الله تعالى عليه وسلم :" نحن معاشر الأنبياء لا نورث أمرنا أن نخاطب الناس على قدر عقولهم " أو كما قال صلى الله تعالى عليه وسلم مما هذا معناه ، ورضي الله تعالى عن زين العابدين حيث قال في هذا المعنى : إني لأكتم من علمي جواهره *** كي لا يرى الحق ذو جهل فيفتتنا يا رب جوهر علم لو أبوح به *** لقيل لي أنت ممن يعبد الوثنا ولاستحل رجال مسلمون دمي *** يرون أقبح ما يأتونه حسنا ولولا خوف التطويل لجلبنا من هذه الوجوه الدالة على أن اسم طريقته مطابق لمسماها ما يروي الغليل وفيما ذكرناه كفاية والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>