في أمر الإخوان المنتسبين إلى طرق الله تعالى أن يتحملوا إذاية المنكرين والمعترضين عليهم وعلى ساداتهم الأولياء اقتداء بأنبياء الله تعالى ورسله والتأسي بهم
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : قال العلقمي في شرحه الكوكب المنير على الجامع الصغير عند قوله صلى الله عليه وسلم : "أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل" قال في فتح الباري : كذا للأكثر وللنسقي الأول فالأول وجمعهما المستملي والمراد بالأول الأولوية في الفضل والأمثل أفعل من الأماثل هم الفضلاء وشرح الحديث أن أشد الناس بلاء الأنبياء ويلحق بهم الأولياء لقربهم منهم وإن كانت درجاتهم منحطة عنهم قال شيخ شيوخنا : والسر فيه أن البلاء مقابل للنعمة فمن كان منهم نعم الله تعالى عليه أكثر كان بلاؤه أشد ومن ثم ضوعف حد الحر على العبد وقيل لأمهات المؤمنين : {من يأت منكن بفاحشة مبينة يضاعف لها العذاب ضعفين} قال ابن الجوزي في الحديث : دلالة على القوي يحمل ما حمل والضعيف يرفق به إلا أنه كلما قرنت النعمة بالمبتلى هان البلاء ، ومنهم من ينظر إلى أجر البلاء فيهون عليه البلاء وأعلى من ذلك درجة من يرى أن هذا تصرف المالك في ملكه فيسلم ولا يعترض وأرفع منه من شغلته محبته عن طلب رفع البلاء وأنهى المراتب من يتلذذ به لأنه عن اختياره نشأ اهـ . وقال الدميري : قد يجهل بعض الناس فيظن أن شدة البلاء وكثرته إنما تنزل بالعبد لهوانه لا يقوله إلا من أعمى الله تعالى قلبه فإن العبد يبتلى على حسب دينه كما في حديث الباب . قال سفيان الثوري : ليس بفقيه من لم يعد البلاء نعمة والرخاء مصيبة اهـ . قال الدميري : وقد ابتلي خلق كثير من أولياء الله تعالى بأنواع البلاء والأذى فبعضهم حبس وبعضهم نفي وبعضهم قتل مظلوما شهيدا هذا أمير المؤمنين عثمان بن عفان قتل مظلوما شهيدا دخل عليه جماعة من الفجرة فقتلوه وهو صابر محتسب وكذا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه وولده الحسين قتل مظلوما شهيدا وكذا عبد الله بن الزبير قتل مظلوما شهيدا قتله الحجاج وصلبه بمكة وكذا قتل سعيد بن جبير وكان من سادات التابعين . قال في جامعه : أحصي من قتله الحجاج بن يوسف صبرا فكانوا مائة ألف وعشرين ألفا وهذا سعيد بن المسيب وهو سيد التابعين جلد بالسياط في أيام عبد الملك بن مروان طافوا به في جلد بتان وعزروه وحبسوه ومنعوا الناس عن مجالسته والإمام أبو حنيفة ابتلي بالقضاء فلم يقبل فضرب وحبس ومات في السجن والإمام مالك بن أنس جردوه وضربوه بالسياط وجذبت يده حتى انخلعت من كتفه وسفيان أمر بصلبه فاختفى مدة والإمام أحمد بن حنبل امتحن محنته المشهورة على أن يقول القرآن مخلوق فلم يقبل بل قال : القرآن كلام الله تعالى منزل غير مخلوق فضرب بالسياط حتى أغشي عليه ثم قطع من بعد ذلك من لحمه بالسكين وهو في جميع ذلك صابر وقد ضرب في محنة القول بخلق القرآن جماعة من العلماء والأخيار وقيدوا وحبسوا فمنهم من مات في قيوده ودفن بها منهم نعيم بن حامد شيخ البخاري وصى أن يدفن في قيوده ليخاصم بها عند الله تعالى ومنهم أبو يعقوب البيوطي أحد أصحاب الشافعي حمل من مصر إلى بغداد في أربعين رطلا من حديد ومات في قيوده مسجونا والإمام أبو عبد الله البخاري تعصب عليه ونفي من بلده بخارى وكان يقول : اللهم قد ضاقت عليّ الأرض بما رحبت فاقبضني إليك فما جاء عليه يوم منذ هذا الكلام حتى مات اهـ . وقال في البحر المورود : أخذ علينا العهد أن نوطن نفوسنا إذا طلبنا أن نكون من حزب الله عز وجل على تحمل البلايا والمحن وكثرة الإنكار علينا ممن عرفنا وممن لا يعرفنا وذلك لأنه لا بد لكل أحد أراد الحق تعالى اصطفاءه أن يحصل له شيء من ذلك ساء أو بر ثم لا يخفى عليك يا أخي أن سبب وقوع غالب الناس في أعراض القوم كون أحدهم يطلب أن يكون من أهل حضرة الله تعالى وهو يحرم دخولها على من يراعي المقام عند الخلق فلذلك يسلط الله تعالى على أحدهم الخلق بالزور والبهتان وتمزيق الأعراض حتى يصير لا يركن لأحد من الخلق دون الله تعالى فإذا كان كذلك اعتمد على الله تعالى ضرورة وطلب المقام عنده وهناك يعطيه الله تعالى ثم يترقى بعد ذلك في درجات التقرب إلى المحل الذي قسمه الله تعالى له وما دام العبد يطلب مقاما عند الخلق فهو محجوب عن الله تعالى وكلما ازداد في الصفات الخبيثة تزايد حجبا حتى أنه ربما يحجب عن الله تعالى بسبعين ألف حجاب أو أكثر . وقال : سمعت سيدي عليا الخواص رحمه الله تعالى يقول : لا يصطفي الحق تعالى عبدا حتى تتحزب عليه شياطين الإنس والجن ويرمونه بالزور والبهتان فإذا نفرت نفسه من الخلق وصار لا يركن إلى أحد منهم اصطفاه الله تعالى اهـ . وقال : وكان سيدي أبو الحسن الشاذلي رحمه الله تعالى يقول : لما علم الله تعالى ما سيقول الناس في أنبيائه وأصفيائه من الزور والبهتان قسا على قوم بالشقاء والعياذ بالله فجعلوا له زوجة وولدا وقالوا : يد الله مغلولة ونحو ذلك حتى إذا ضاق ذرع الولي مثلا من كلام قيل فيه نادته هواتف الحق عز وجل : أمالك إسوة بربك سبحانه وتعالى قد جعلوا له زوجة وولدا ونسبوه إلى ما يليق بجلاله غارقين في فضله وأرواحهم بيده فلا يسع ذلك الولي إلا التأسي بربه عز وجل اهـ . وكان الشيخ تاج الدين بن عطاء الله رحمه الله تعالى يقول : قد جرت سنة الله تعالى في أنبيائه وأصفيائه أن يسلط عليهم الأذى في ابتداء امرهم ثم تكون الدولة لهم آخرا إذا صبروا وقد بسطت الكلام على ذلك في مقدمات اللطيفات فافهم والله تعالى يتول هداك أهـ . ويف عرائس البيان عند قوله تعالى :{ فالذين هاجروا وأخرجوا من ديارهم وأوذوا في سبيلي } إن القوم إذا لم يذوقوا مرارة إذاء المنكرين لم يبلغوا حقائق الالتجاء إلى الله تعالى والفرار إليه فإذن الأضداد تهيج الأولياء إلى مقام الغيط وضيق الصدر وذلك محل الامتحان من الله تعالى لكطم غيظ عصص المنكرين لتنفتح بعد ذلك أبواب الخطاب وصفاء البسط ومرور المنة قال الجنيد : جزى الله تعالى عنا إخواننا خيرا ردونا بجفائهم إلى الله تعالى وهذه سنة اله تعالى قد جرت على أهل سلوك طريق المعارف والكواشف وقال الله تعالى :{ ولن تجد لسنة الله تبديلا } . وفي القواعد الزروقية : ما ظهرت حقيقة قط في الوجود إلا قوبلت بدعوى مثلها وإدخال ما ليس منها عليهم ووجود تكذيبها كل ذلك ليظهر فضل الاستئثار بها وتبيين حقيقتها بانتفاء معارضيها فيسخ الله ما يلقي الشيطان ثم يحكم الله آياته وللوارث نسبة من الموروث وأشد الناس بلاء الأنبياء ثم الأمثل فالأمثل إنما يبتلى الرجل على قدر دينه فمن ثم كان أهل هذه الطريق مبتلين بتسليط الخلق عليهم بإذايتهم أولا وبإكرامهم وسطا وبهما آخرا لئلا يفوتهم الشكر على المدح ولا الصبر على الذم فمن أراد ذلك فليون نفسه على الشدة إن الله يدافع عن الذين آمنوا ومن يتوكل على الله فهو حسبه فافهم أهـ كلام الشيخ أحمد زروق رضي الله تعالى عنه . قلت : وإذا تحرر هذا وثبت فهمه في ذهنك فاعلم أن الرجل مبتلى على حسب دينه كما تقدم ذكره فلكل نبي وصديق عدو فقد كان لآدم إبليس ولداوود جالوت ولإبراهيم نمروذ ولموسى فرعون ولعيسى بختنصر والدجال واليهود ولسينا محمد أبو جهل وغيره قال أبو علي الخواص : لو كان كمال الدعاة إلى الله تعالى موقوفا على إطباق الخلق لهم بالتصديق لكان الأولى بذلك رسول الله صلى الله عليه وسلم وألنبياء قبله وصدقهم قوم فهداهم الله تعالى بفضله وكذب آخرون فأشقاهم الله تعالى بعدله وللأصفياء والأولياء أعداء في عصر الصحابة إلى وقتنا هذا يؤذونهم ويتكلمون فيهم بسوء ودليل هذا كله قوله تعالى :{ وجعلنا بعضكم لبعض فتنة } ولما كان الابتلاء شرفا جمع الله تعلاى لخواص هذه الأمة من البلاء والمحن جميع ما كان متفرقا في الأمم السالفة لعلو درجتهم فقد كان عبد الله بن الزبير كثير الخشوع في الصلاة وقالوا فيه : إنه مراء زان وصبوا على رأسه ماء حميما وهو ساجد وهو لا يشعر ومكث زمانا يتألم من رأسه وكان لابن عباس رضي الله عنهما نافع بن الأزرق يقول إنه يفسر القرآن بغير علم وكان لسعد بن أبي وقاص بعض جهال الكوفة يؤذونه ويقولون : إنه لا يحسن أن يصلي وقد نفي أبو يزيد البسطامي من بلده سبع مرات بأمر الحسين بن عيسى لما تكلم ابو يزيد بعلوم لا عهد لأهل بلده بها في مقامات الأنبياء والأولياء ولم يعد البسطامي إلا بعد الحسين ثم بعد ذلك ألفه الناس وعظموه وكذلك ذو النون المصري أخرجوه من مصر إلى بغداد مقيدا مغلولا وسافر معه مصر يشهدون عليه بالزندقة وأخرجوا محمد بن الفضل البلخي من بلخ لكون مذهبه مذهب أهل الحديث من إجراء آيات الصفات وإخبارها على ظاهرها بلا تأويل ولا تجسس على علم الله تعالى فيها ولما أخره أهل بلخ قال لهم : نزع الله من قلوبكم معرفته ولم يخرج بعد ذلك صوفي من بلخ مع أنها كانت أكثر بلاد الله صوفية وكذلك شهدوا على الجنيد بالكفر كان يتكلم في علم التوحيد على رؤوس الأشهار فصار يقرره في قعر بيته عقدوا على الشيخ بن أبي جمرة مجلسا في الرد عليه حين قال أنا أجتمع بالنبي صلى الله عليه وسلم فلزم بيته ولم يخرج إلا إلى الجمعة حتى مات ورموه بالكفر وبالقول بإباحة الخمر واللواط وأنه لبس في الليل العيار وهو يشبه الزنار وأتو به مقيدا مغلولا من الشام إلى مصر ورموا أبا مدين بالزندقة وأخرجوه من بجاية إلى تلمسان فمات ودفن بها وأخرجوا الحكيم الترمذي حين صنف كتابه علل الشريعة وكتاب ختم الأولياء وأنكروا عليه بسبب هذين الكتابين وقالوا : إنه فضل الأولياء على الأنبياء وأغلظوا عليه فجمع الكتابين كلاهما وألقاهما في البحر فابتلعتهما سمكة سنين ثم لفظتهما وانتفع بها ورموا سعد بن عبد الله بالقبائح وأخرجوه إلى مصر حتى مات ورموا أبا سعيد الخراز بالعظائم والكفر بألفاض وجدوها في كتبه ورموا يوسف بن الحسين بالعظائم إلى أن مات لكنه لم يبال بهم لتمكنه وأخرجوا أبا الحسن البوسنجي إلى نيسابور فلم يزل بها حتى مات ورموا سحنون المحب بالعظائم ووشوا به بغيا فادعت أنه كان يأتيها هو وأصحابه وشهدوا على الشبلي بالكفر مرارا حتى أن من كان يحبه شهدوا عليه بالجنون وأدخلوه المارستان ليرجع الناس عنه . وقال أحد مشايخ بغداد لو لم تكن لله تعالى جهنم لخلقها للذين آذوا البلي وكفروه وقال : إن لم يدخل الشبلي الجنة فمن يدخلها ؟ وأخرج أهل المغرب الإمام أبا بكر القابسي من الغرب مقيدا إلى مصر فأخذ وسلخ حيا وهو يقرؤ القرآن بتدبر وخشوع وكاد أن يفتتن به الناس فرفع الأمر إلى السلطان فقال : اقتلوه واسلخوه وكذا سلخوا النسفي بحلب وكان ينظر على الذي يسلخه ويتبسم وعمل خمسمائة بيت من موشحات التوحيد وهو يسلخوانه وذلك حين كان يقطعهم بالحجج فاحتالوا له بأن كتبوا سورة الإخلاص في ورقة وخاطوا عليها نعلا فأهدوها إلى الشيخ من طريق بعيدة فلبسها وهو لا يشعر وقالوا لنائب حلب : إن النسفي كتب قل هو الله أحد وجعلها في طباق نعله فبعث النائب إليه فاستخرج الورقة فسلم الشيخ لله تعالى ولم يذب عن نفسه وعلم أنه لا بد أن يقتل على تلك الصورة وأخرجوا أبا القاسم الهرباذي من البصرة وأبا عبد الله صاحب أبي حفص الحداد وشهدوا على أبي الحسن البصري بالكفر وتكلموا في ابن شمعون بالكلام الفاحش حتى مات فلم يحضروا له جنازة وتكلمو في الإمام أبي القاسم بن جميل بالعظائم إلى أن مات ولم يتزلزل عما فيه من الانشغال بالعلم والحديث وصيام الدهر وقيام الليل وزهده في الدنيا حتى لبس الحصير وقال أبو بكر السمطاني : كان أبو دينار يحط على الجنيد وعلى رويم وعلى سحنون وابن عطاء الله تعالى وعلى مشايخ العراق وكان إذا سمع واحدا يذكرهم يغيظ وتغير وأخرجوا أبا الحسن الشاذلي من المغرب إلى مصر ورموه بالزندقة والإلحاد وتحليل المحرمات وقتلوا الإمام أبا القاسم بن قسي وابن حبان والجوني والمرجاني ومازلوا ينكرون على ابن العربي الحاتمي وابن الفارض إلى وقتنا هذا وعقدوا على عز الدين بن عبد السلام مجلسا في كلمة قالها في العقائد وحسدوا تقي الدين بن ليث الأعزوز ورووا عليه كلاما في السلطان حتى هم بقتله ثم تداركه الله تعالى وقال السيوطي : ومن ما من الله تعالى به أنه أقام لي عدوا يؤذيني ويمزق عرضي لتكون لي أسوة بالأنبياء والأولياء واعلم أنه ما كان كبير على عصر إلا كان له عدو من السفلة إذ ألأشراف لم تزل تبتلى بالأطراف أهـ . وكان سيدي أبو الحسن الشاذلي رضي الله تعالى عنه يقول : لما علم الله عز وجل ما سيقال في هذه الطائفة على ما سبق به العلم القديم بدأ سبحانه وتعالى بنفسه فقضى على قوم أعرض عنهم بالشقاء فنسبوا له زوجة وولدا وفقرا وجعلوه مغلول اليدين فإذا ضاق ذرع الولي والصديق لأجل كلام قيل فيه من كفر وزندقة وسحر وجنون وغير ذلك نادته هواتف الحق تعالى : الذي قيل فيك هو وصفك لولا فضلي عليك أما ترى إخوانك من بني آدم كيف وقعوا في جانبي ونسبوا إلي ما لا ينبغي فإن لم ينشرح لما قيل فيه بل انقبض نادته هواتف الحق أيضا : أما لك في أسوة ؟ فقد قيل في ما لا يليق بجلالي وقيل في محمد صلى الله عليه وسلم وفي إخوانه من الأنبياء والرسل ما لا يليق بمرتبتهم من السحر والجنون وأنهم لا يريدون بدعائهم إلا الرياسة أهـ . وقال أيضا : وقد جرت سنة الله في أنبيائه وأصفيائه أن يسلط عليهم الخلق في مبدئ أمرهم وفي حال نهايتهم لما مالت قلوبهم لغير الله تعالى ثم تكون الدولة والنصرة لهم آخر الأمر إذا أقبلوا على الله تعالى أهـ . قال الشعراني في أول طبقاته : قلت : وذلك لأن المريد المالك يتعذر عليه الخلوص إلى حضرة الله تعالى مع ميله إلى الخلق وركونه إلى اعتقادهم فيه فإذا آذاه الناس ونقصوه ورموه بالزور والبهتان نفرت نفسه منهم ولم يصر عنده ركون إليهم البتة وهنالك يصفوتا له الوقت مع ربه لذهاب التفاته إلى ما وراء فافهم ثم إذا رجعوا بعد انتهاء سيرهم إلى إرشاد الخلق يرجعون وعليهم خلعة الحلم والعفو والستر فتحملوا أذى الخلق ورضوا عن الله تعالى في جميع ما يصدر عن عباده في حقهم فرفع بذلك قدرهم بين عباده وكمل بذلك أنوارهم وحقق بذلك ميراثهم للرسل في تحمل ما يرد عليهم من أذى الخلق وظهر بذلك تفاوت أمرهم فإن الرجل مبتلى على حسب دينه قال تعالى : { وجعلناهم منهم أيمة يهدون بأمرنا لما صبروا } { ولقد كذب رسل من قبلك فصبوا على ما كذبوا وأوذوا حتى أتاهم نصرنا } وذلك لأن الكمل لا يخلوا أحدهم من هذين الشهودين إما أن يشهد الحق سبحانه بقلبه فهو مع الحق لا التفات له إلى عباده وإما أن يشهد الخلق فيجدهم عبيد الله تعالى فيكرمهم لسيدهم وإن كان مصطلما فلا كلام لنا معه لزوال تكليفه حال اصطلامه فعلم أنه لا بد لمن اقتفى آثار الأنبياء من الأولياء والعلماء أن يؤذوا كما اذوا ويقال فيهم الزور والبهتان كما قيل فيهم ليصبوا كما صبروا وليتخلقوا بالرحمة على الخلق رضي الله تعالى عنهم أجمعين أهـ . وفي هذا القدر كفاية لكل موفق . قلت : ويكفي أهل الله تعالى والمعتقدين فيهم شرفا أن يكونوا مقتفين آثار الأنبياء والرسل ويكون من آذاهم بالإنكار والانتقاد مقتديا بالشياطين والكفار والله تعالى الموفق بمنه للصواب وإليه سبحانه وتعالى المرجع والمآب .
<< الفصل السابق
الفصل التالي >>