نفحات7 ـ الرّماح ـ الفصل الحادي والأربعون
الرّئيسيـة > مكتبـة على الـخـطّ > الرّمـاح - فهرس الجزء الثاني > الفصـل الحادي والأربعون

في شرح معاني الأذكار اللازمة للطريقة لأن إحضار القلب عند الذكر مطلوب من الذاكر والحضور لا يمكن إلا بمعرفة معاني الأذكار والحضور هو روح الأعمال واحتياج الذاكر إلى معني ما يذكر إذن أمر ضروري لا محالة وحيث كان الأمر كذلك ينبغي لنا أن نذكر شيئا من معانيها
فنقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : اعلم أن الوظيفة تشتمل على جميع الأذكار اللازمة للطريقة فلنقتصر على ذكر معانيها فنقول : أن مغنى الغفر في اللغة الستر الحاجز بين الشيئين وغفران الله تعالى للعبد ستره إيا عن العقوبة أو عن حالة يستحق بها العقوبة ومعنى أستغفر الله أطلب من الله سترا حاجزا بيني وبين العقوبة أو بيني وبين حالة أستحق بها العقوبة وذلك الستر يعطيه الله تعالى للعبد على يد اسمه الغفار ولذلك كانت مادة السؤال بلفظ الاستغفار لأن العطاء الإلهي كما قال الحاتمي لا يكون إلا على يد سادن من سدنة الأسماء فتارة يعطي الاسم الله على يد اسم الرحمن فيخلص العطاء الواصل إلى المعطى له على يديه من الشوب الذي لا يلائم الطبع في الوقت أو لا ينيل الغرض الذي كان يعطى له فلا يلائمه في المال ويخلص أيضا مما أشبه الشوب الغير الملائم أو المنيل من موجبات الكدورة الحالية والمآلية كلها وتارة يعطي اسم الله يد الاسم الواسع أو على يد الحكيم فينظر في الأصلح في الوقت أو على يد الوهاب فيعطي لينعم ولا يكون مع الوهاب تكليف المعطى له بعوض على ذلك العطاء من شكر باللسان أو اعتقاده بالجنان أو عمل بالأركان ووجوب شكر النعم إنما هو لأجل عبودية المعطى له لا لتكليف الواهب أو على يد الجبار فينظر في الموطن وما يستحقه أو على يد الغفار فينظر المحل المعطى له وما هو عليه من الأحوال فإن كان على حالة يستحق بها العقوبة فيستره الله سبحانه وتعالى بالاسم الغفار عن العقوبة أو كان على حال لا يستحق بها العقوبة فيسمى المعطى له معصوما على التقدير الثاني بشرط أن يكون من الأنبياء معتنى به على التقدير ومحفوظا على التقدير بشرط ان يكون من الأولياء اعلم أن بعض هذه الأسماء المذكورة له دخل في كل من الفعل والقبول كالرحمن فإن كان من الإعطاء وقابلية المحل له من مقتضيات الرحمة الرحمنية وكذلك الحكيم فإن كل واحد منهما بحسب الحكمة وكذلك الوهاب فإن الكل مواهبه وظاهر أن الواسع يعم الكل بخلاف الجبار والغفار لأن أثرهما الجبر والستر فالجبار والغفار من حيث أنفسهما لا يقتضيان إلا الفعل وإذا عرفت هذا عرفت حكمة أمر الله عبده أن يسأله حصول هذا المطلب العظيم على يد اسمه الغفار المفهوم من لفظ الاستغفار وإنما قال : أستغفر الله وعلق الفعل باسم الله ولم يقل أستغفر الغفار لوجهين أحدهما أن المعطي في جميع هذه الصور هو الله أحدية جمعه جميع الأسماء من حيث أنه خازن وجامع لما هو مخزون عنده في خزائنه العلمية التي هي حقائق الأشياء وأعيانها الثابتة المنتقشة بكل ما كان وما يكون مما يخرج ما يكون مخزونا عنده من الغيب إلى الشهادة ومن القوة إلى الفعل إلا بقدر معلوم ومقدار معين على يد اسم خاص بذلك الأمر المخزون عنده المراد إعطاؤه فأعطى كل شيء خلقه على يد الاسم العدل وإخوانه وثانيهما أن الذاكر الذي أراد الشروةع في الاستغفار لما كان المطلوب في حقه الوقوف في مقام العبودية التي هي إخلاص العبودية لله والتبري من جميع الحظوظ مع الاعتراف بالعجز والتقصير وعدم توفية الربوبية حقها وسكون ذلك في القلب على ممر الساعات والأزمان ولا يتأت له ذلك إلا إذا كان مستغرقا في مشاهدة الله تعالى في مرتبة ألوهيته ناسب تعليق فعل الاستغفار باسم الله المفهم مرتبة الألوهية وهي عكوف الوجود على عبادته سبحانه وتعالى بالخضوع تحت كبريائه وعظمته وجلاله والتذلل لكمال عزه والخمود تحت قهره بتسليم القيام إليه يفعل ما يشاء ويكحم ما يريد لا منزع له في حكمه والله هو الذي خضع له الوجود كله بالعبادة والتذلل والخمود تحت قهره والتصاغر لعظمته وكبريائه وليس في الوجود شيء يشذ عن هذا قاصيه ودانيه فهو الاله الذي قهر جميع الموجودات بسطوته وقهره وإنفراده بعظمته وكبريائه وعلوه وجلاله ولهذا ناسب تعقيب الاسم المفهم مرتبة لعظمته تعالى بقوله العظيم لأن العظمة أمر وجودي في ذاته فهو عظيم سبحانه وتعالى لا يحل به الاحتقار بوجه من الوجوه وكل من دونه إذا تبدت له عظمته ذاب ذلا وتصاغرا وصعق هيبة وإجلالا له والعظيم هو الذي لا نسب لأحد معه في علوه شأنه وجلالة قدره ذاتا وصفاتا وأسماء وأسماء وأفعالا هو العلي في عظمته فوق كل عظمة لغيره والعظيم في علوه على كل ما لا يليق بذاته فكل توجه لا يشعر صاحبه بعظمة الربوبية وذلة العبودية فيه فهو تلاعب فبذلك وقع الجواب عن عدم انتفاع كثير بأدعية وأذكار صحيحة الوعد بالإجابة مجربة عند أهل الصدق والإخلاص ولما كان العبد لا يرى نفسه ولو بلغ ما بلغ متأهلا لأن يطلب من ربه إلا التخلي عن الرذائل والتجلي بالفضائل لعله يليق بخدمة ربه رب الأرض والسماوات والتحلي لا يحصل إلا لمن وصل إلى أول المقامات الذي هو مقام التوبة ومن كان هذا منظره لا يفارق الاستغفار والاعتراف بالعجز رجع إلى الاعتراف بالألوهية لله تعالى ثانيا لعجزه عن الثبوت لمبادئ العظمة المفهومة من الاسم العظيم لأن من تبدت له عظمة الله تعالى ذاب ذلا وتصاغرا وصعق هيبة وإجلالا بقوله لا إله أي لا معبود بحق إلا هو ولكنه لم يقدر أن يصرح باسم الجلالة فيقول الذي لا إله إلا هو لأنه إما أن يكون من أهل البداية أو من أهل النهاية فإن كل من أهل البداية فتقدم الاسمين الشريفين اللذين هما اسم الله واسم العظيم يغني عن إعادة ذكر اسم الله لظهرور المذكور أو تعينه عند الذاكر تعيينا لا يقبل إلى اشتراك بالغير والسوى فلم يبق له إلا الترقي إلى مقام أعلى من ذلك المقام كما هو المقصود الأعظم في الذكر فلزم الانتقال من التصريح إلى الإضمار للاستغراق الذاكر في مشاهدة المذكور ولذلك رجع من مرتبة الألوهية التي وصفها بالعظمة إلى مرتبة الهوية وهوية الحق كما في الإنسان الكامل غيبة الذي لا يمكن ظهوره ولكن باعتبار جملة الأسماء والصفات وكأنها إشارة إلى باطن الواحدية لعدم اختصاصها باسم ونعت أو مرتبة أو وصف أو مطلق ذات بلا اعتبار أسماء وصفات بل الهوية إشارة إلى جميع ذلك على سبيل الجملة والانفراد وشأنها الإشعار بالبطون والغيوبة وهي مأخوذة من لفظة : هو الذي للإشارة إلى الغائب وهو في حق الله تعالى إشارة إلى كنه ذاته باعتبار أسمائه وصفاته مع الفهم بغيوبية ذلك ، قال : ومن قال قولي : إن الهوية غيب ذات الواجد *** ومن المحال ظهورها في الشاهد فكأنها نعت وقد وقعت على *** شأن البطون وما لذا من جاحد واعلم أن هذا الاسم أخص من اسمه الله وهو سر اسم الله ألا ترى أن اسم الله ما دام هذا الاسم موجودا فيه كان له معنى يرجع به إلى الحق وإذا فك منه بقيت أحرفه غير مفيدة لمعنى وإذا حذفت الألف من اسم الله يبقى لله ففيه الفائدة وإذا حذفت اللام الأولى يبقى له وفيه الفائدة وإذا حذفت اللام الثانية يبقى هو والأصل في هو أنها هاء واحدة بلا واو وما ألحقت به الواو إلا من قبيل الإشباع والاستمرار العادي جعلهما شيئا واحدا فاسم هو أفضل الأسماء . قال : اجتمعت ببعض أهل الله بمكة زادها الله تعالى شرفا في آخر سنة تسع وتسعين وسبعمائة فذكر في الاسم الأعظم الذي قال النبي صلى الله عليه وسلم : إنه في آخر سورة البقرة وآل عمران وقال أنه كلمة هو وأن ذلك مستفاد من ظاهر كلام النبي صلى الله عليه وسلم لأن الهاء آخر قوله وأول سورة آل عمران وهذا الكلام وإن كان مقبولا فإني أجد للاسم الأعظم رائحة أخرى وما أوردت ما قاله هذا العارف إلا تنبيها على شرف هذا الاسم وكون الإشارة النبوية وقعت عليه من الجهة المذكورة أنه أعظم الأسماء ، واعلم أن هو عبارة عن حاضر في الذهن يرجع إليه الإشارة من شاهد الحسن إلى غاية الخيال وذلك الغائب لو كان غائبا عن الخيال لما صحت الإشارة إليه بلفظة هو فلا تصح الإشارة بلفظ هو إلا إلى الحاضر ، ألا ترى أن الضمير لا يرجع إلا إلى أقرب مذكور إما لفظا وإما قرينة وإما حالا كالشكل والقصة وفائدة هذا أنه يقع الوجود المحض الذي يصح فيه عدم ولا شيء به العدم من الغيوبة والفناء لأن الغائب معدوم من الجهة التي لم يكن مشهودا فيها فلا يصح هذا في المشار إليه بلفظ هو فعلم من هذا الكلام أن الهوية هي الوجود المحض الصريح المستوعب لكل كمال وجودي شهودي لكن الحكم على ما وقعت عليه بالغيبة هو من أجل أن ذلك غير ممكن بالاستيفاء فلا يمكن استيفاؤه ولا يدرك فقيل أن الهوية غيب لعدم الإدراك لها فافهم لأن الحق ليس له غيب غير شهادته ولا شهادة غير غيبه بخلاف الإنسان وكل مخلوق كذلك فإن له شهادة وغيبا لكن شهادته بوجه واعتبار وغيبه من وجه وباعتبار ، وأما الحق فغيبه عين شهادته وشهادته عين غيب فلا غيب عنده ولا شهادة بل له في نفسه غيب يليق به وشهادة تليق به كما يعلم ذلك لنفسه ولا يصح تعقل ذلك لنا إذ لا يعلم غيبه وشهادته على ما هو عليه إلا هو سبحانه وتعالى . وإن كان من النهاية فذكره الذكر الحقيقي الذي هو الغاية القصوى وهو الذي إذا أخذ العبد فيه أخذ من جميع دائرة حسه فليس فوقه مرتبة ، وصاحب هذه المرتبة كلما قال : أستغفر الله العظيم يزداد استغراقا ثم يعقبه بقوله : الذي لا إله إلا هو لغلبة الهوية السارية في جميع الوجود عليه فما يقدر أن ينطق باسمه هيبة وإجلالا ولولا أن الله تعالى يتفضل على كل واحد من أهل هذا المقام بمنه وكرمه ويحفظ لهم أعمالهم الظاهرة والباطنة شريعة وحقيقة في صحوهم ومحوهم لما جرى على لسانه ذكر فأحرى أن يقدر على أن يقول : أستغفر الله العظيم على الدوام ويصرح بهذين الاسمين العظيمين فبفضله تعالى أعقبهما باسمين من أسماء الجمال وهما : الحي القيوم حتى أجراهما على لسان الذاكر بقوله : الحي القيوم لأن فيهما تأثيرا رافعا داء الهم والكرب لأن صفات الحياة متضمنة لجميع صفات الأفعال ومستلزمة لها ، وصفة القيومية مستلزمة لجميع صفات الأفعال لأن معنى القيوم الدائم القائم بتدبير الخلق وحفظه على أحسن الأحوال وأجمعها ولهذا كان الاسم الأعظم الذي إذا دعي به أجاب وإذا سئل به أعطى وهو الاسم الحي القيوم في إحدى الأقوال ، والحياة التامة تضاد جميع الآلام والأسقام ولهذا لما كملت حياة أهل الجنة لم يلحقهم هم ولا غم ولا حزن ولا شيء من الآفات فالتوسل بصفة الحياة والقيومية له تأثير في إزالة ما يضاد الحياة ويضر بالأفعال فلهذا الاسم الحي القيوم تأثير عظيم خاص في إجابة الدعوات وكشف الكربات ولهذا كان صلى الله عليه وسلم إذا اجتهد في الدعاء قال : حي قيوم . وبما قررناه يظهر لك حكمة الإتيان بهذه الأسماء في هذا الاستغفار على هذا الترتيب العجيب والله تعالى يهدي من يشاء إلى صراط مستقيم . وأما معنى صلاة الفاتح لما أغلق ففي جواهر المعاني قوله : اعلم أن هذه الكلمة تقولها العرب جرت في ألسنتها أنها تخاطب الله تعالى بها في جميع أدعيتها وهي جارية منهم بجري الاستغاثة والتضرع وهذا الابتهال هو طلب التعجيل في إجابة الدعاء كان يقول : عجّل إجابتي أو عجّل إغاثتي يا الله هذا هو المراد بها عند العرب اهـ ما في جواهر المعاني . اعلم أن الصلاة في حق الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وصف قائم بذاته على الحد الذي يليق بعظمته وجلاله هو أمر فوق ما يدرك ويعقل فإن الوصف الوارد في حق كل موجود وأن اشترك في اللفظ والاسم فالحقيقة مباينة في حق الموجودات ، فالصلاة في حقنا عليه عليه الصلاة والسلام هي الألفاظ البارزة من ألسنتنا بالدعاء والتضرع إلى الله تعالى في ما ينبئ عن تعظيم نبيه صلى الله عليه وسلم منا وليست صلاته سبحانه وتعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم ولا تكيف صلاته ، ألا ترى أن السجود المعهود في حق الآدمي لله تعالى لا يماثل سجود الجمادات والحيوانات والأشجار فردا فردا فإن لكل واحد من تلك الأفراد سجودا يليق بحاله فإن السجود في حق جميعها مماثل في الاسم والإطلاق والحقيقة مفترقة في جميعها وسجود كل واحد غير سجود الآخر . وأما صلاة الملائكة على النبي صلى الله عليه وسلم فتعلقها في حقهم كتعلقها في حقنا على سيدنا محمد . أما سيداته وتفضيه على جميع الخلق فأشهر من نار على علم واظهر من الشمس وقت الظهيرة من غير سحاب صيفا ,يكفي في تبيين سيادته شهادة الله تعالى أن بعثه صلى الله عليه وسلم رحمة للعالمين حيث قال جل وعز من قائل : { وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين } ويكفي أيضا في بيان سيادته اختصاصه بالشفاعة العظمى في الموقف الأكبر من بين الخلائق ولم ينازعه في هذه المرتبة واحد من أكابر الرسل عليه وعليهم من الله أفضل الصلاة وأزكى السلام وإلى هذا أشرت بقولي في قصيدتي التي مدحته بها صلى الله عليه وسلم بأسماء سور القرآن كلها حيث قلت فيها : نهظت وقت كمون الكون جاثية *** إلى الشفاعة دون الخوف والكيد كفته خيرا على أهل السماء وأهل *** الأرض قاف وأحقاف لذي أود ويكفي في سيادته قوله تعالى :{ وإنك لعلى خلق عظيم } وقوله تعالى :{ قل إن كنتم تحبون الله فاتبعوني يحببكم الله } وقوله تعالى :{ فلا وربك لا يومنون حتى يحكموك في ما شجر بينهم ثم لا يجدوا في أنفسهم حرجا مما قضيت ويسلموا تسليما } وقوله تعالى :{ من يطع الرسول فقد أطاع الله } من غير زيادة قيد وأما من زعم أنه يطيع الله تعالى من غير أن يطيع خليفته محمدا صلى الله عليه وسلم فقد خسر مع الخاسرين وهلك مع الهالكين ولا يطيع الله تعالى أحد حتى يطيع محمدا صلى الله عليه وسلم وأما من أطاع محمدا صلى الله عليه وسلم فقد أطاع الله تعالى وإلى هذا يشير ما روي عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه أنه قال :يا رسول الله من فضيلتك عند الله تعالى أن طاعتك طاعته فقال :" من يطع الرسول فقد أطاع الله " أهـ . وقوله تعالى :{ إن الذين يبايعونك إنما يبايعون الله يد الله فوق أيديهم } أي إنما يبايعون الله بمبايعتهم إياك يد اله فوق أيديهم يريد عند البيعة لأن يد الرسول هي النائبة عن الله تعالى ويكفي بيان سيادته صلى الله عليه وسلم قوله : " أنا سيد ولد آدم ولا فخر " وقوله صلى الله عليه وسلم :" كنت نبيا وآدم بين الماء والطين " وقوله صلى الله عليه وسلم :" آدم فمن دونه من الأنبياء يوم القيامة تحت لوائي وقوله صلى الله تعالى عليه وسلم :" أنا أول مشفع وأول من تنشق عنه الأرض " وسيأتي إن شاء الله تعالى في أثناء تفسير ألفاظ صلاة الفاتح لما أغلق وتفسير ألفاظ جوهرة الكمال ما ينبه على سيادته وعلو قدره إن شاء الله تعالى . الفاتح لما أغلق من صور الأكوان فإنها كانت مغلقة في حجاب البطون وصورة العدم وفتحت مغاليقها بسبب وجوده صلى الله عليه وسلم وخرجت من صورة العدم إلى صورة الوجود ومن حجابية البطون إلى نفسها في عالم الظهور إذ لولا هو ما خلق الله موجودا ولا أخرجه من العدم إلى الوجود فهذا أحد معانيه والثاني أنه فتح مغاليق الرحمة الإلهية بسببهم انفتحت على الخلق ولولا أن الله تعالى خلق سيدنا محمدا صلى الله عليه وسلم ما رحم مخلوقا فالرحمة من الله تعالى لخلقه بسبب نبيه صلى الله عليه وسلم والثالث من معانيه كانت القلوب مغلقة على الشرك مملوءة به ولم يجد الإيمان مدخلا لها ففتحها بدعوته صلى الله عليه وسلم حتى دخلها الإيمان وطهرها عن الشرك وامتلأت بالإيمان والحكمة أهـ . والمعنى أنه فتح الله تعالى به على عباده أنواع الخيرات وأبواب السعادات الدنيوية والأخروية وبين لأمته ما أوحى إليه بتفسيره وتيسيره وإيضاحه أو فتح بحكمته ما أغلق أي التبس وانبهم أو فتح النبوة أول الأنبياء أو النور فأول ما خلق الله تعالى نوره أو باب الشفاعة أو باب الجنة ولا تفتح لأحد قبله أهـ من مطالع المسرات . قال شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه : قوله : والخاتم لما سبق من النبوة والرسالة لأنه ختمها وأغلق بابها صلى الله عليه وسلم فلا مطمع لأحد فيها بعده وكذا الخاتم لما سبق من صور التجليات الإلهية التي تجلى الحق سبحانه وتعالى بصورها في عالم الظهور لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم أول موجود أوجده الله تعالى في العالم من حجاب البطون وصور العماء الرباني ثم ما زال يبسط صور العالم بعدها في ظهور أجناسها بالترتيب القائم على المشيئة الربانية جنسا بعد جنس إلى أن كان آخرها ما تجلى به في عالم الظهور الصورة الآدمية على صورته صلى الله عليه وسلم وهو المراد بالصورة الآدمية فكما افتتح به ظهور الوجود كذلك أغلق به ظهور صور الموجودات صلى الله عليه وسلم وعلى آله وبعبارت قال رضي الله تعالى عنه : أول موجود أوجده الله تعالى من حضرة الغيب هو روح سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ثم نسل الله تعالى أرواح العالم من روحه صلى الله عليه وسلم والروح ههنا الكيفية التي بها مادة الحياة في الأجسام وخلق من روحه صلى الله عليه وسلم الأجسام النورانية كالملائة ومن ضاهاهم وأما الأجسام الكثيفة الظلمانية فإنها خلقت من النسبة الثانية من روحه صلى الله عليه وسلم فإن لروحه صلى الله عليه وسلم نسبتين أفاضهما على الوجود كله فالنسبة الأولى نسبة النور المحض ومنه خلقت الأرواح كلها والأجسام النورانية التي لا ظلمة فيها والنسبة الثانية من نسبة روحه صلى الله عليه وسلم نسبة الظلام ومن هذه النسبة خلق الأجسام الظلمانية كالشياطين وسائر الأجسام الكثيفة والجحيم ودركاتها كما أن الجنة وجميه درجاتها خلقت من النسبة النورانية فهذه نسبة العالم كله إلى روحه صلى الله عليه وسلم . قوله : ناصر الحق بالحق قال رضي الله تعالى عنه في شرح ياقوتة الحقائق : إن الحق في اللفظين هو الله تعالى ومعناه أنه نصر الله تعالى بالله سبحانه نهض إلى نصرة الله تعالى حيث توجه إليه أمر الله تعالى بالنصرة له فنهض مسرعا إلى نصرة الله تعالى بالله تعالى اعتمادا وحولا وقوة واستنادا واضطرارا إلى الله سبحانه وتعالى وقياما به على كل شيء فهذا هو الوجه الأول والوجه الثاني أن الحق في اللفظ الأول هو دين الله الذي أمر الله تعالى بتبليغه وإقامته وهو دين الإسلام نصره بالحق أداة وآلة يعغني أنه لم ينصر الإسلام بباطل ولا تحيل ولا خديعة بل نهض إلى نصرة دين الإسلام بحال يعطي التصريح بالحق تصريحا لا يمازجه وجه من الباطل فما زال كذلك حتى تمكن دينه وشرعه في الأرض أهـ ويحتمل أن يكون المراد بالحق القرآن قاله في مطالع المسرات . قوله : والهادي إلى صراطك المستقيم معناه أنه صلى الله عليه وسلم هو الذي يهدي جميع عباد الله تعالى إلى دينه القويم الذي لا تبديل فيه ولا تغيير ولا زيادة ولا نقصان كما قال في حقه صلى الله عليه وسلم : {وإنك لتهدي إلى صراط مستقيم صراط الله الذي له ما في السماوات وما في الأرض} والصراط المستقيم هو النبي صلى الله عليه وسلم وسمي به لكونه طريقا مورودا إلى الحق لا وصول لأحد إلى الحضرة القدسية وذوق أسرارها والابتهاج بأنوارها إلا بالسلوك عليه صلى الله عليه وسلم وهو باب الله الأعظم وهو الصراط المستقيم إلى الله تعالى فمن رام من السالكين الوصول إلى الله تعالى في حضرة جلاله وقدسه معرضا عن حبيبه صلى الله عليه وسلم طرد ولعن وسدت عليه الطرق والأبواب ورد بعصا الأدب إلى إسطبل الدواب . وقوله : وعلى آله أي : صل على آله طلب المصلي من الله تعالى أن يصلي على رسوله صلى الله تعالى عليه وسلم . وقوله : حق قدره ومقداره العظيم معناه أن المصلي طلب من الله تعالى أن يصلي على نبيه ورسوله صلى الله عليه وسلم وعلى آله حق قدره ومقداره العظيم عنده تعالى . وقوله : قدره يصح أن تكون الدال المهملة محركة ومضمومة أو ساكنة ، وفي القاموس : القدر محركة القضاء والحكم ومبلغ الشيء ويضم كالمقدار إلى أن قال : {وما قدروا الله حق قدره} ما عظموه حق تعظيمه وقدرت الثواب فالقدر جاء على المقدار اهـ . قلت : قد حصل لنا من الكلام أن القدر والمقدار بمعنى واحد وأن القدر والمقدار في هذا المحل يصلح أن يكون بمعنى مبلغ الشيء وبمعنى الغنى ، فمعنى الصلاة : اللهم صل على سيدنا محمد الخ صلاة يكون مبلغها على قدر مبلغ رسولك صلى الله تعالى عليه وسلم أو : اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح الخ صلاة تساوي وتطابق غناه الذي أغنيته بك ثم بما منحته به من سبوغ فضلك وكمال طولك كما قلت في محكم كتابك : {وكان فضل الله عليك عظيما} {ولسوف يعطيك ربك فترضى} ، أو : اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق الخ صلاة تساوي عظمة رسولك ، أو : اللهم صل على سيدنا محمد الفاتح لما أغلق الخ صلاة إذا قيست بمرتبة رسولك صلى الله تعالى عليه وسلم تكون مقايسة لها . وفائدة الكلام أن المصلي على رسول الله صلى الله عليه وسلم طلب من الله أن يصلي على رسوله صلى الله عليه وسلم صلاة بالغة مبلغ رسوله مطابقة لغناه صلى الله تعالى عليه وسلم بربه ثم بما منحه به مما لا يعلم قدره إلا هو ربه مساوية لعظمته صلى الله تعالى عليه وسلم مقايسة لرتبته صلى الله عليه وسلم وعلو قدره ومكانته وحظوته عنده فلنذكر هنا بعض ما ينبه على علو قدره ومرتبته وحظوته عند ربه وغناه به صلى الله تعالى عليه وسلم فنقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : اعلم أن علو شأنه وجلالة قدره وعظمته وارتفاع مكانته على جميع خلق الله تعالى وغناه صلى الله تعالى عليه وسلم بربه تعالى مما شاع وذاع وعلم وكيف لا وهو صلى الله عليه وسلم السبب في وجود كل موجود من الخلق ومن نوره كان كل نور وهو الرحمة المهداة للخلق وإنه رحمة الأولين والآخرين وهداية الخلق أجمعين إنما هي منه ومن أجله لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم هو الأنموذج الجامع في إفاضة الوجود على جميع الوجود فإنه لولا وجوده صلى الله عليه وسلم لما كان وجود لموجود من المخلوقات ، فإن وجود كل موجود من ذرات الوجود متوقف على سبقية وجوده صلى الله عليه وسلم من وجود ذلك الموجود بإفاضته فإنه لولا هو صلى الله عليه وسلم ما خلق شيء من الأكوان ولا رحم شيء منها لا بالوجود ولا بإفاضة الرحمة فإفاضة الوجود على وجود جميع الأكوان مفاضة من ذاته الكريمة صلى الله تعالى عليه وسلم ، فبان لك أن الفيض من ذاته ينقسم إلى رحمتين : الرحمة الأولى : إفاضة الوجود على جميع الأكوان حتى خرجت من العدم إلى الوجود ، والرحمة الثانية : إفاضة فيض الرحمة الإلهية على جميعها من جملة الأرزاق والمواهب والمنافع والمنح من العلم بصفات الله تعالى وأسمائه وكمالات ألوهيته وبأحوال السكون وأسراره ومنافعه ومضاره وبالأحكام الإلهية أمرا ونهيا فبذلك يدوم تمتعها بالوجود ، فإذا علمت هذا علمت أنه صلى الله عليه وسلم عين الرحمة الربانية لأن جميع الوجود رحم بالوجود بوجوده صلى الله عليه وسلم ومن فيض وجوده أيضا رحم جميع الوجود . وفي الإبريز للشيخ أحمد بن المبارك عن شيخه سيدي عبد العزيز رضي الله تعالى عنه أن أول ما خلق الله نور محمد صلى الله عليه وسلم ثم خلق منه القلم والحجب السبعين وملائكتها ثم خلق اللوح ثم قبل كماله وانعقاده خلق العرش والأرواح والجنة والنار والبرزخ ، أما العرش فإنه خلقه تعالى من نور وخلق ذلك النور من النور المكرم وهو أي النور المكرم نور نبينا صلى الله عليه وسلم وخلقه أي العرش من ياقوتة عظيمة لا يقاس قدرها وعظمها وخلق في وسط هذه الياقوتة جوهرة عظيمة فصار مجموع الياقوتة والجوهرة كبيضة بياضها هو الياقوتة وصفارها هو الجوهرة ، ثم إن الله تعالى أمد تلك الجوهرة وسقاها من نوره صلى الله عليه وسلم فجعل يخرق الياقوتة ويسقي الجوهرة فسقاها مرة ثم مرة إلى أن انتهى إلى سبع مرات فسالت الجوهرة بإذن الله تعالى فرجعت ماء فنزلت إلى أسفل الياقوتة التي هي العرش ، ثم إن النور المكرم الذي خرق العرش إلى الجوهرة التي سالت ماء لم يرجع فخلق الله منه ملائكة ثمانية وهم حملة العرش فخلقهم من صفائه وخلق من ثقله الريح وله قوة وجهد عظيم فأمرها الله تعالى أن تنزل تحت الماء فسكنت تحته فحملته ثم جعلت تحوم وجعل البرد يقوى في الماء فأراد الماء أن يرجع إلى أصله ويجمد فلم تدعه الريح بل جعلت تكسر شقوقه التي تجمد وجعلت تلك الشقوق تنعقد ويدخلها الثقل والنتونة وشقوق تزيد على شقوق ثم جعلت تكبر وتتسع وذهبت إلى جهات سبع وأماكن سبع فخلق الله تعالى منهن الأرضين السبع لو دخل الماء بينها والبحور وجعل الضباب يتصاعد من الماء لقوة جهد الريح ثم جعل يتراكم فخلق الله منه السماوات السبع ثم جعلت الريح تحوم حومة عظيمة على عادتها أولا وآخرا فجعلت النار تزيد في الهواء من قوة خرق الريح للماء والهواء وكلما زندت نار أخذتها الملائكة وذهبت بها إلى محل جهنم اليوم فذلك أصل جهنم ، فالشقوق التي تكونت منها الأرضون تركوها على حالها والضباب الذي تكونت منه السماوات تركوه على حاله أيضا والنار التي زندت في الهواء أخذوها ونقلوها إلى محل آخر لأنهم لو تركوها لأكلت الشقوق التي منها الأرضون السبع والضباب الذي منه السماوات السبع بل وتأكل الماء وتشربه بالكلية لقوة جهد الريح ، ثم إن الله تعالى خلق ملائكة الأرضين من نوره صلى الله عليه وسلم وأمرهم أن يعبدوه عليها وخلق ملائكة السماوات من نوره صلى الله عليه وسلم وأمرهم أن يعبدوه عليها . وأما الأرواح والجنة إلا مواضع منها فإنها أيضا خلقت من نور وخلق ذلك النور من نوره صلى الله عليه وسلم ، وأما البرزخ فنصفه الأعلى من نوره صلى الله عليه وسلم فخرج من هذا أن القلم واللوح ونصف البرزخ والحجب السبعين وجميع ملائكتها وجميع ملائكة السماوات والأرضين كلها خلقت من نوره صلى الله عليه وسلم بلا واسطة وأن العرش والماء والجنة والأرواح خلقت من نور خلق من نوره صلى الله عليه وسلم ، كذا في الإبريز : وأما للقلم فإنه سقي سبع مرات سقيا عظيما وهو أعظم المخلوقات بحيث أنه لو كشف نوره لجرم الأرض لتدككت وصارت رميما وكذا الماء فإنه سقي سبع مرات ولكن ليس كسقي القلم ، وأما الحجب السبعون فإنها في سقي دائم ، وأما العرش فإنه سقي مرتين : مرة في بدئ خلقه ومرة عند تمام خلقه لتستمسك ذاته ، وكذلك الجنة فإنها سقيت مرتين مرة في بدئ خلقها ومرة بعد تمام خلقها لتستمسك ذاتها . وأما الأنبياء عليهم الصلاة والسلام وكذا سائر المؤمنين من الأمم الماضية ومن هذه الأمة فإنهم سقوا ثمان مرات ، الأولى في عالم الأرواح حين خلق الله تعالى نور الأرواح جملة فسقاه ، الثانية حين جعل يصور منه الأرواح فعند تصوير كل روح سقاها بنوره صلى الله عليه وسلم ، الثالثة يوم ألست بربكم فإن كل من أجاب لله تعالى من أرواح المؤمنين والأنبياء عليهم الصلاة والسلام سقي من نوره صلى الله عليه وسلم لكن منهم من سقي كثيرا ومنهم من سقي قليلا فمن هنا وقع التفاوت بين المؤمنين حتى كان منهم أولياء وغيرهم وأما أرواح الكفار فإنها كرهت شرب ذلك النور وامتنعت منه فلما رأت ما وقع للأرواح التي شربت منه من السعادة الأبدية والارتقاءات السرمدية ندمت وطلبت سقيا فسقيت من الظلام والعياذ بالله ، الرابعة عند تصويره في بطن أمه وتركيب مفاصله وشق بصره فإن ذاته تسقى من النور الكريم لتليين مفاصله وتفتيح أسماعها وأبصارها ولولا ذلك ما لانت مفاصلها الخمسة عند خروجه من بطن أمه فإنه يسقى من النور الكريم ليلهم الأكل من فمه ولولا ذلك ما أكل من فمه أبدا ، السادسة عند التقامه ثدي أمه أول رضعة فإنه سقي من النور الكريم أيضا ، السابعة عند نفخ الروح فيه فإنه لولا سقي الذات بالنور الكريم ما دخلت فيه الروح أبدا ومع ذلك فلا تدخل فيه إلا بكلفة عظيمة وتعب يحصل الملائكة معها به ما قدر ملك على إدخاله في الذات . وسمعته رضي الله تعالى عنه مرة أخرى يقول : مثل الملائكة الذين يريدون أن يدخلوا الروح في الذات كعبيد صغار لملك يرسلهم إلى الباشا العظيم ليدخلوه إلى السجن فإذا نظرنا إلى الغلمان الصغار وإلى الباشا العظيم وجدناهم لا يقدرون على معالجة الباشا في أمر من الأمور ، وإذا نظرنا إلى الملك الذي أرسلهم وأنه الحاكم في الباشا وغيره حكمنا بأنه يجب أن يذل لهم الباشا وغيره ، وإذا أرادوا إدخالها في الذات حصل لهم كرب عظيم وانزعاجات كثيرة وتجعل ترغرغ بصوت عظيم فلا يعلم ما نزل بها إلا الله تعالى والله أعلم ، الثامنة عند تصويره عند البعث فإنه يسقى من النور الكريم لتستمسك ذاته ، قال رضي الله تعالى عنه : فهذا السقي في هذه المرات الثمان اشترك فيه الأنبياء والمؤمنون من سائر الأمم ومن هذه الأمة ولكن الفرق حاصل ، فإن ما سقي به الأنبياء عليهم الصلاة والسلام قدر لا يطيقه غيرهم فلذلك حازوا درجة النبوة والرسالة ، وأما غيرهم فكل سقي بقدر طاقته . وأما الفرق بين سقي هذه الأمة الشريفة وبين سقي غيرها من سائر الأمم فهو أن هذه الأمة الشريفة سقيت من النور الكريم بعد أن دخل في الذات الطاهرة وهي ذاته صلى الله عليه وسلم فحصل له من الكمال ما لا يكيف ولا يطاق لأن النور الكريم أخذ سر روحه الطاهرة وسر ذاته الطاهرة صلى الله عليه وسلم بخلاف سائر الأمم فإن النور في سقيها إنما أخذ من سر الروح فقط فلهذا كان المؤمنون من هذه الأمة الشريفة كمّلا وعدّلا وسّطا وكانت هذه الأمة خير أمة أخرجت للناس ولله الحمد والشكر . قال : قال رضي الله عنه : وكذا سائر المخلوقات سقيت من النور الكريم ولولا النور الكريم الذي فيها ما انتفع أحد منها بشيء ، قال رضي الله عنه : ولما نزل سيدنا آدم على نبينا وعليه الصلاة والسلام إلى الأرض كانت الأشجار تتساقط ثمارها في أول ظهورها ، ولما أراد الله تعالى تثميرها سقاها من نوره الكريم صلى الله عليه وسلم فمن ذلك اليوم جعلت تثمر ولقد كانت قبل ذلك كلها أذكارا تنفتح ثم تتساقط ، ولولا نوره صلى الله عليه وسلم الذي في ذوات الكافرين فإنها سقيت به عند تصويرها في البطون وعند نفخ الروح وعند الخروج وعند الرضاع لخرجت إليهم جهنم وأكلتهم أكلا ولا تخرج إليهم في الآخرة وتأكلهم حتى ينزع منهم ذلك النور الذي صلحت به ذواتهم والله تعالى أعلم . وسمعته رضي الله عنه مرة أخرى يقول : لما خلق الله تعالى النور المكرم وخلق بعده القلم والعرش واللوح والبرزخ والجنة وخلق الملائكة الذين هم سكان العرش والجنة والحجب قال العرش : يا ربي لم خلقتني ؟ فقال الله تعالى : لأجعلك حجابا تحجب أحبابي من أنوار الحجب التي فوقك فإنهم لا يطيقونها لأني أخلقهم من تراب ولم يكن في ذلك الوقت أعداء ولا دارهم التي هي جهنم فظن الملائكة أن أحبابه الذين يخلقهم الله تعالى من تراب يخلقهم في الجنة ويسكنهم فيها ويحجبهم بالعرش ثم خلق الله تعالى نور الأرواح جملة فسقاه من النور الكريم ثم ميزه تعالى قطعا قطعا فصور من كل قطعة روحا من الأرواح وسقاهم عند التصوير من النور الكريم أيضا ثم بقيت الأرواح على ذلك مدة ومنهم من استحلى ذلك الشراب ومنهم من لم يستحله كلما أراد الله تعالى أن يميز أحبابه من أعدائه وأن يلحق لأعدائه دارهم التي هي جهنم جمع الأرواح وقال لهم : ألست بربكم فمن استحلى ذلك النور وكانت منه إليه رقة وحنو عليه أجاب محبة ورضا ومن لم يستحله أجاب كرها وخوفا فظهر الظلام الذي هو أصل جهنم فجعل الظلام يزيد في كل لحظة وجعل النور أيضا يزيد في كل لحظة فعند ذلك علموا قدر النور المكرم حيث رأوا من لم يستحله استوجب الغضب وخلقت جهنم من أجلهم والله تعالى أعلم . وفيه أنه قال مرة أخرى : فإن ألأنبياء عليهم الصلاة والسلام وإن سقوا من نوره لم يشربوه بتمامه بل كل واحد منهم شرب منه ما يناسبه وكتب له فإن النور المكرم ذو ألون كثيرة وأحوال عديدة وأقسام كثيرة فكل واحد شرب لونا خاصا ونوعا خاصا قال :قال رضي الله تعالى عنه: لسيدنا عيسى عليه الصلاة والسلام شرب من النور المكرم فحصل له مقام الغربة وهو مقام يحمل صاحبه على السياحة وعدم القرار في موضع واحد وسيدنا إبراهيم عليه الصلاة والسلام شرب من النتور المكرم فحصل له مقام الرحمة والتواضع مع المشاهدة الكاملة فتراه إذا تكلم مع أحد يخاطبه بلين ويكلمه بتواضع عظيم فيظن المتكلم أنه يتواضع له وهو إنما يتواضع لله عز وجل لقوة مشاهدته وسيدنا موسى عليه الصلاة والسلام شرب من النور المكرم فحصل له مقام مشاهدة الحق سبحانه في نعمه وخيراته وعطاياه التي لا يقدر قدرها وهكذا سائر الأنبياء عليهم الصلاة والسلام والملائكة الكرام والله تعالى أعلم . وفيه : إنما ظهر الخير لأهله ببركته صلى الله عليه وسلم وأهل الخير هم الملائكة والأنبياء وألولياء وعامة المؤمنين قال : فقلت : وكيف يفرق بينهم فقال رضي الله تعالى عنه : الملائكة ذواتهم من النور وأرواحهم من النور وألنبياء عليهم الصلاة والسلام ذواتهم من تراب وأرواحهم من نور وبين الروح والذات نور آخر هو شراب ذواتهم وكذا الأولياء غير أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام زادوا عليهم بدرجة النبوة التي لا تكيف ولا تطاق وأما عوام المؤمنين فلهم ذوات ترابية وأرواح نورانية ولذواتهم شبه عرق من ذلك النور الذي للأولياء والأنبياء عليهم الصلاة والسلام فقلت : وما نسبة هذه الأنوار من نور نبينا محمد صلى الله عليه وسلم وكيف استمدادها منه فضرب رضي الله تعالى عنه مثلا عاميا على عادته وقال : كمن جوع جملة من القطط مدة حتى اشتاقوا للأكل اشتياقا كثيرا ثم طرح خبزة بينهم فجعلوا يأكلون أكلا حفيفا والخبزة لا ينقص منها قلامة ظفر فكذا نوره صلى الله عليه وسلم تستمد منه العوالم ولا ينقص منه شيء والحق سبحانه وتعالى يمده بالزيادة دائما ولا تظهر فيه الزيادة بأن يتسع فراغها بل الزيادة باطنة فيه لا تظهر أبدا كما أن النقص لا يظهر فهذا النور المكرم تستمد منه الملائكة والأنبياء والأولياء والمؤمنون والمدد مختلف كما سبق والله تعالى أعلم . وفيه : وسألته رضي الله تعالى عنه عن كلام صاحب الإحياء في كتاب التفكر حيث قال الغزالي : أن سيدنا جبريل أعلم من سيد الأولين والآخرين صلى الله تعالى عليه وسلم فقال لي رضي الله تعالى عنه : لو عاش سيدنا جبريل مائة ألف عام إلى مائة ألف عام إلى ما لا نهاية له ما أدرك ربعا من معرفة النبي صلى الله عليه وسلم ولا من علمه بربه وكيف يمكن أن يكون سيدنا جبريل أعلم وهو إنما خلق من نور النبي صلى الله عليه وسلم فهو وجميع الملائكة بعض نوره صلى الله عليه وسلم وجميعهم وجميع المخلوقات يستمدون المعرفة منه صلى الله عليه وسلم وقد كان الحبيب مع حبيبه عز وجل لا جبريل ولا غيره واستمد صلى الله تعالى عليه وسلم من ربه إذا ذاك ما يليق بمنصبه الكريم وإجلاله وعظمته مع حبيبه صلى الله عليه وسلم ثم بعد ذلك بمدة مديدة جعل تعالى يخلق من نوره لكريم جبريل وغيره من الملائكة عليهم الصلاة والسلام قال رضي الله تعالى عنه : وجبريل وجميع الملائكة وجميع الأولياء أرباب الفتح حتى الجن يعلمون أن سيدنا جبريل عليه السلام حصلت له مقامات في المعرفة وغيرها ببركته وصحبته له صلى الله عليه وسلم بحيث لو عاش سيدنا جبريل عليه السلام طول عمره ولم يصحب سيد الوجود صلى الله تعالى عليه وسلم وسعى في تحصيلها وبذل المجهود والطاقة ما حصل له مقام واحد منها فالنفع الذي حصل له من النبي صلى الله عليه وسلم لا يعرفه إلا هو ومن فتح الله تعالى عليه . قال : قال رضي الله تعالى عنه : وسيدنا جبريل إنما خلق لخدمة النبي صلى الله عليه وسلم وليكون من جملة حفظة ذاته الشريفة صلى الله تعالى عليه وسلم وونيسه له إذ هو صلى الله عليه وسلم سر الله من هذا الوجود وجميع الموجودات تستمد منه فيحتاج إلى مشاهدتها وذاته الشريفة خلقت من تراب كذوات بني آدم فهي لا تألف إلا من يشاكلها فإذا شاهد ما لا يشاكله آنسه جبريل ثم قال : ذكر لنا رضي الله تعالى عنه : أن صور الملائكة تخلع هذه الذات وتدهش منها لكونها على صورة لا تعرف مع كثر الأيدي والأرجل والرؤوس والوجوه وكونها على سعة عظيمة بحيث تملأ ما بين الخافقين . قال رضي الله تعالى عنه ولا يعلم ذلك إلا من فتح الله تعالى عليه فكان سيدنا جبريل عليه السلام ونيسة للذات الترابية الشريفة في أمثال هذه الأمور وأما روحه الشريفة صلى الله عليه وسلم فإنها لا تهاب شيئا من هذه الصور ولا من غيرها لأنها عارفة بالجميع قال : فقلت : ولم كانت الروح الشريفة لا تكفي في الونيسة فقال رضي الله تعالى عنه : لأن الذات لا تشاهدها منفصلة عنها والوحدانية لله تعالى وحده لا يطيق الدوام عليها إلا ذاته تعالى ومن عداه شفع يحب الشفع يميل إليه . قال : قال رضي الله تعالى عنه : وسيدنا جبريل إنما كان ونيسه فيما تطيقه ذاته ويعرفه بما هو تحت سدرة المنتهى أما ما هو فوق ذلك من الحجب السبعين ولاملائكة الذي فيها فإنه لم يكن ونيسه في ذلك لأنه أي سيدنا جبريل عليه السلام لا يطيق مشاهدة ما فوق سدرة المنتهى لقوة الأنوار ولهذا ذهب صلى الله عليه وسلم في قطع تلك الحجب وحده ولم يذهب معه جبريل عليه السلام وطلب منه الذهاب معه فقال لا أطيقه وإنما تطيقه أنت الذي قواك الله تعالى عليه قال : وتكلمت معه في أمر الوحي وكيفية تلقي النبي صلى الله عليه وسلم وهل يتلقاه بواسطة جبريل كما هو ظاهر كثير من الأذى أولا فإني فيه بكلام لا تطيقه العقول ولا ينبغي كتبه والله تعالى أعلم . وفيه أن الله تعالى لما أراد إخراج بركات الأرض وأسرارها مثل ما فيها من العيون والآبار والأنهار والأشجار والثمار والأزهار أرسل سبعين ألف ملك إلى سبعين ألف ملك ملك إلى سبعين ألف ملك ثلاث سبعينات من الألوف فنزلوا يطوفون في الأرض فالسبعون الأولى يذكرون اسم النبي صلى الله عليه وسلم ومرادنا بالاسم الاسم العالي والسبعون الثانية يذكرون قربه صلى الله عليه وسلم من ربه عز وجل ومنزلته منه والسبعون الثالثة تصلي عليه صلى الله عليه وسلم ونوره صلى الله عليه وسلم مع الطوائف الثلاث فتكونت الكائنات ببركة ذكر اسمه صلى الله عليه وسلم وحضوره بينها ومشاهدتها قربه صلى الله عليه وسلم من ربه عز وجل قال : وذكروه على الأرض فاستقرت وعلى السماوات فاستقلت وعلى مفاصل ذات ابن آدم فلانت بإذن الله تعالى وعلى مواضع عينيه ففتحت بالأنوار التي فيها فهذا معنى قوله : انشقت منه الأسرار فقلت : فهذا معنى قول صاحب دلائل الخيرات : وبالاسم الذي وضعته على الليل فأظلم وعلى النهار فاستنار وعلى السماوات فاستقلت وعلى الأرض فاستقرت وعلى الجبار فرست وعلى البحار فجرت وعلى العيون فنبعت وعلى السحاب فأمطرت فقال رضي الله تعالى عنه : نعم ذلك الاسم هو اسم نبينا محمد صلى الله عليه وسلم فببركته تكونت الكائنات والله تعالى أعلم . وفيه أن سيدنا أحمد بن عبد الله الغوث رضي الله تعالى عنه قال رمريده : يا ولدي لولا نور سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم ما ظهر سر من أسرار الأرض فلولا هو ما تفجرت عين من العيون ولا جرى نهر من الأنهار وإن نوره صلى الله عليه وسلم يا ولدي يفوح في شهر مارث ثلاث مرات على سائر الحبوب فيقع لها الإثمار ببركته صلى الله عليه وسلم ولولا نوره صلى الله عليه وسلم ما أثمرت ويا ولدي إن أقل الناس إيمانا من يرى إيمانه على ذاته مثل الجبل وأعظم منه فأحرى غيره وإن الذات تكل أحيانا عن حمل الإيمان فتريد أن ترميه فيفوح نور النبي صلى الله تعالى عليه وسلم فيكون معينا لها على حمل الإيمان فتستحليه وتستطلبه . وفيه لولا هو صلى الله عليه وسلم ما أظهر تفاوت الناس في الجنة والنار ولكانوا كلهم على مرتبة واحدة فيهما وذلك أنه تعالى لما خلق نوره صلى الله عليه وسلم وسبق في سابق علمه تفاوت الناس في قبوله والميل عنه ظهر ذلك عليهم حيث خلق ذلك النور فعلم هناك أن منهم من يبلغ من الخشوع درجة كذا ومن المعرفة درجة كذا ومن الخوف درجة كذا وأن فلانا شرب من ذلك النور لون كذا من نوع كذا وفلانا شرب منه نوعا آخر قبل ظهورهم وهم في عدم العدم ، قال رضي الله تعالى عنه : فتفاوت المراتب وتباينها هو معنى انشقاق الأسرار منه صلى الله عليه وسلم . وأما غناه صلى الله عليه وسلم عن جميع خلق الله تعالى جملة وتفصيلا فظاهر مما تقدم ظهورا لا غبار عليه لكني إزيد في إيضاحه فأقول : قال شيخنا رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به كما في جواهر المعاني : اعلم أنه صلى الله عليه وسلم غني عن جميع الخلق جملة وتفصيلا فردا فردا وعن صلاتهم عليه من إهدائهم ثواب الأعمال له صلى الله عليه وسلم بربه أولا ومن ما منحه من سبوغ فضله وكمال طوله فهو في ذلك عند ربه صلى الله عليه وسلم في غاية لا يمكن وصول غيره إليها ولا يطلب معها من غيره زيادة أو إفادة يشهد لذلك قوله سبحانه وتعالى : {ولسوف يعطيك ربك فترضى} وهذا العطاء وإن ورد في الحق بهذه الصفة سهلة المأخذ قريبة المحتد فإن لها غاية لا تدرك العقول أصغرها فضلا عن الغاية التي هي أكبرها فإن الحق سبحانه وتعالى يعطيه من فضله على قدر سعة ربوبيته ويفيض على مراتبه صلى الله عليه وسلم على قدر حظوته ومكانته عنده فما ظنك بعطاء يرد من مرتبة لا غاية لها وعظمة ذلك العطاء على قدر تلك المرتبة ويرد على مرتبة لا نهاية لها أيضا وعظمته أيضا على قدر وسعها أيضا فكيف يقدر هذا العطاء وكيف تحمل العقول سعته ولذا قال سبحانه وتعالى : {وكان فضل الله عليك عظيما} وأقل مراتبه في غناه صلى الله عليه وسلم أنه من لدن بعثته صلى الله عليه وسلم إلى قيام الساعة كل عامل يعمل لله ممن دخل في طوق رسالته صلى الله عليه وسلم يكون له مع ثواب عمله بالغا ما بلغ فليس يحتاج مع هذه المرتبة زيادة إهداء الثواب لما فيها من كمال الغنى الذي لا حد له وهذا أصغر مراتب غناه صلى الله عليه وسلم فكيف بما وراءها من الفيض الأكبر والفضل الأعظم الأخطر الذي لا تطيق حمله عقول الأقطاب فضلا عمن دونهم ، وإذا عرفت هذا فاعلم أنه ليس له حاجة إلى صلاة المصلين عليه صلى الله عليه وسلم ولا شرعت لهم ليحصل له النفع بها صلى الله عليه وسلم وليست له حاجة إلى إهداء الثواب ممن يهدي له ثواب الأعمال وما مثل المهدي له في هذا الباب ثواب العمل متوهما أنه يزيده به صلى الله عليه وسلم أو يحصل له به نفعا إلا كمن رمى نقطة قلم في بحر طوله مسيرة مائة ألف عام وعرضه كذلك وعمقه كذلك متوهما أنه يمد هذا البحر بتلك النقطة ويزيده فأي حاجة لهذا البحر بهذه النقطة وما عسى أن تزيد فيه ، وإذا عرفت رتبة غناه صلى الله عليه وسلم وحظوته عند ربه فاعلم أن أمر الله تعالى للعباد بالصلاة عليه صلى الله تعالى عليه وسلم ليعرفهم علو مقداره عنده وتفوق مرتبته لديه وعلو اصطفائه على جميع خلقه وليخبرهم أنه لا يقبل العمل من عامل إلا بالتوسل إلى الله تعالى به صلى الله عليه وسلم ، فمن طلب القرب من الله تعالى والتوجه إليه دون التوسل به صلى الله عليه وسلم معرضا عن كريم جنابه ومدبرا عن تشريع خطابه كان مستوجبا من الله غاية السخط والغضب وغاية اللعن والطرد والبعد وضل سعيه وخسر عمله ولا وسيلة إلى الله تعالى إلا به صلى الله عليه وسلم كالصلاة عليه صلى الله عليه وسلم فيها تعريف لنا بعلو مقداره عند ربه وفيها تعليم لنا بالتوسل به صلى الله عليه وسلم في جميع التوجهات والمطالب لا غير هذه ممن توهم النفع له بها صلى الله عليه وسلم لما ذكرناه سابقا من كمال الغنى ، وأما إهداء الثواب له صلى الله عليه وسلم فتعقل ما ذكرنا من الغنى أولا ثم تعقل مثالا آخر يضرب لإهداء الثواب له صلى الله عليه وسلم بملك عظيم المملكة ضخم السلطنة قد أوتي في مملكته من كل متمول خزائن لا حد لعددها كل خزانة عرضها وطولها ما بين السماء والأرض مملوءة كل خزانة على هذا القدر ياقوتا أو ذهبا أو فضة أو زرعا أو غير ذلك من المتمولات ثم قدر فقيرا لا يملك مثلا غير خبزتين في دنياه فسمع بالملك واشتد حبه وتعظيمه له في قلبه فأهدى لذلك الملك إحدى الخبزتين معظما له ومحبا والملك متسع الكرم فلا شك أن الخبزة لا تقع منه ببال لما هو فيه من الغنى الذي لا حد له ووجودها عنده وعدمه على حد سواء ثم الملك لاتساع كرمه علم فقر الفقير وغاية جهده وعلم صدق حبه وتعظيمه في قلبه وأنه ما أهدى له الخبزة إلا لأجل ذلك ولو قدر على أكثر من ذلك لأهداه له فالملك يظهر الفرح والسرور لذلك الفقير وبهديته لأجل تعظيمه له وصدق حبه لا لأجل انتفاعه بالخبزة ويثيب على تلك الخبزة بما لا يقدر قدره من العطايا لأجل صدق المحبة والتعظيم لا لأجل النفع بالخبزة وعلى هذا القدير وضرب المثل قدر إهداء الثواب له صلى الله عليه وسلم . وأما غناه صلى الله عليه وسلم فقد تقدم ذكره في ضرب المثل بعظمة البحر المذكورة أولا وإمداده بنقطة القلم وأما إهداؤه صلى الله عليه وسلم فقد ذكر المثل بإهداء الخبزة للملك المذكور والسلام اهـ . وإذا فهمت جميع ما قدمناه وتحقق فهمك في ذهنك علمت يقينا أن قدره صلى الله عليه وسلم كما وصف قدره ومقداره به وأن سؤال المصلي عليه صلى الله عليه وسلم من ربه تعالى أن يصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم حق قدره ومقداره العظيم واقع موقعه . وأما لا إله إلا الله فقد ذكر العلماء في معناه أقوالا كثيرة وأصوبها قول من قال : لا معبود بحق سواه . قال زين الدين الخوافي في الوصايا القدسية : وينوي المبتدئ بكلمة لا إله إلا الله لا معبود غير الله والمتوسط لا المطلوب أو لا مراد ولا مقصود إلا الله وإذا وجد في قلبه محبة مخلوق ممن ليس له واسطة بينه وبين الله تعالى ينوي لا محبوب إلا الله تعالى وينبغي أن يكون صادقا في المعاني الثلاثة في النفي والإثبات يخلص نفسه بهمته من التعلقات بالكائنات والميل إلى المشتهيات والمستلذات التي هي المعبودات الباطلات ومن الميل إلى الكشوفات الكونية والكرامات العيانية فلا طائل تحتها ويطلب الحق وحده وينزه طلبه من المزج بهوى النفس أهـ . وقال في الخلاصة المرضية في باب آداب الذكر : الحادي عشر إحضار معنى الذكر بقلبه مع كل مرة فبظهور البشرية والوسواس يقول بلسانه لا إله إلا الله وبقلبه لا معبود إلا الله وبخمودها وبصفاء القلب وطلب شيء من المعارف وطلب شيء من الذوق والشوق وغير ذلك يقول بلسانه : لا إله إلا الله وبقلبه لا موجود إلا الله لمشاهدته أنه ينطق به ثم قال : الثاني عشر نفي كل موجود بالقلب سوى الله تعالى ليتمكن تأثير لا إله إلا لله بالقلب ويسري إلى الأعضاء لما قيل : إن الرجل إذا قال : الله يهتز من فوق راسه إلى إصبع قدميه وإن لم يهتز فليس برجل وهذه الحالة يستدل بها على أنه سالك فيرجى له التقدم إلى أعلى منها إن شاء الله تعالى انتهى . وقال شيخنا رضي الله عنه وأرضاه وعنا به : اعلم أن الإله في لغة العرب هو المعبود بالحق وأطلقوه على غيره غلطا منهم قال جل من قائل :{ الله لا إله إلا هو الحي اليوم } معناه لا معبود بالحق إلا هو والإله الذي قلنا أنه المعبود هو المتحقق بمرتبة الألوهية وهو الذي خضع له الوجود كله بالعبادة والتذلل والخمود تحت قهره والتصاغر لعظمته وكبريائه وليس في الوجود شيء يشذ عن هذا قاصيه ودانيه فهو الإله اغلحق الذي قهر جميع الموجودا بسطوته وقهره وانفراده بعظمته كبريائه وعلوه وجلاله وقال قبل هذا الكلام : وهي يعني مرتبة الأوهية عكوف الوجود على عبادته سبحانه وتعالى بالخضوع تحت كبريائه وعظمته وجلاله والتذلل لكمال عزه والخمود تحت قهره بتسليم القياد إليه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد لا منازع له في حكمه أهـ . قلت :قال القطب الشيخ عبد العزيز بن مسعود الدباغ : في اسم الجلالة ثلاثة أسرارالأول أن مخلوقاته تعالى لا حد لها وأنها مختلفة فتنقسم إلى إنس وجن وحيوان وغير ذلك من ألأنواع التي لا يعلمها أكثر الخلق ومع هذه الكثرة فهو تعالى واحد في ملكه لا مدبر معه ولا وزير له فهو وحده تعالى يتصرف فيها بجملتها ولا يفوته منها شيء ولا يخرج عن قدرته تعالى منها واحد فهو قاهر للكل محيط به كما قال تعالى : { والله من ورائهم محيط } الثاني أنه يتصرف فيها كيف شاء فيغني هذا ويفقر هذا ويعز هذا ويذل هذا ويجعل هذا أبيض وهذا أسود ويجيب سؤال هذا ويمنع هذا ويفرق بينهما في الأزمنة والأمكنة وبالجملة فهو كل يوم في شأن ولا يشغله شأن عن شأن والاختيار له لا للمخلوقات فهو يفعل ما يشاء لا ما تشاء هي سبحانه لا إله إلا هو الثالث أنه تعالى مقدس منزه لا يكيف ولا يشبه بشيء من المخلوقات ومع ذلك فله السطوة والقهر حتى أنه لولا الحجاب الذي حجب به المخلوقات لرجعوا هباء منثورا ولتهافتوا وصاروا دكا رميما عند تجليه تعالى لهم بل لا يبقى لهم أثر حتى يقول القائل : ما كان هذا في العالم شيء من المخلوقات أصلا إلا انه تعالى برحمته وعظيم حكمته لما سبق في قضائه أن يوصل أهل كل دار إليها إذا أراد أن يخلق مخلوقا أي مخلوق كان لا يخلقه حتى يخلق حجابه قبله قال رضي الله تعالى عنه : وهذه الأسرار يعلمها أرباب البصيرة من مجرد النطق باسم الجلالة من غير احتياج إلى مشاهدة شيء من المخلوقات أهـ . وإذا فهمت مضمون ما تقدم علمت حكمة إثبات الأوهية له جل وعلا ونفيها عن غيره بقوله جل وعلا : { فاعلم أنه لا إله إلا الله } ولم يقل لا إله إلا الرحمن لأن جميع صفات الله تعالى ترجع إلى صفة واحدة وهي مرتبة الألوهية لأن الألوهية واحدة وحقيقتها ترجع جميع غير الله تعالى بالعبادة والخضوع والتذلل والتصاغر لعظمته وجلاله وهذه الصفة مع ودحدتها استغرقت جميع الموجودات فلا يشذ عنها شيء ثم أنها مع وحدتها قد جمعت جميع الصفات والأسماء الكمالة فلو انعدم منها صفة أو اسم لم يصح اتصاف الحق بالألوهية والكلام على اسم الجلالة وأسرره يطول بنا فلنكتف بهذا القدر ونشرع في ذكر بعض معاني جوهره الكمال فنقول وبالله تعالى التوفيق :أما لفظ اللهم فقد تقدم الكلام عليه وأما صل وسلم فقد تقدم الكلام أيضا على أن صلاة الله على نبيه فوق ما يدرك وما يعقل فلا تفسر بشيء والحاصل أن الكلام فقد تقدم عليها ومعناها السلام ههنا الأمان من الله تعالى لحبيبه صلى الله عليه وسلم من كل ما يوجب تشويشا أو تنقيصا أو نقصا في الحظ العاجل والآجل . على سيدنا محمد عين أي حقيقة وذات . الرحمة الربانية نسبة إلى الرب نعت الرحمة وإنما أضيفت إلى الحضرة الربانية لأن الموجودات إنما نشأت من الحضرة الربانية فلذلك أضيفت الرحمة إليها والرب هو العلي عن كل ما سواه ومعناه أنه الملك والمتصرف والخالق والظاهر والنافذ مشيئته وكلمته في كل ما سواه وأما حضرة الألوهية فإنه أصل عبادة المودات فالإله هو المعبود بالحق الذي توجه إليه كل ما عداه بالخضوع والتذلل والعبادة والمحبة والتعظيم والإجلال وحضرة الوهية الشاملة لجميع الأسماء والصفات والحضرة الإلهية وإنما سمي صلى الله عليه وسلم عين الرحمة لأنه الأنموذج الجامع في إفاضة لوجود ف،ه لولا وجوده صلى الله عليه وسلم لما كان وجود لموجود من المخلوقات أصلا وجود كل موجود من ذوات الوجود متوقف على سبقية وجوده صلى الله تعالى عليه وسلم من وجود ذلك الوجود فإنه لولا هو صلى الله عليه وسلم ما خلق شيء من الأكوان ولا رحم شيء منها إلا بالوجود ولا بإفاضة الرحمة فإفاضة الوجود على جميع وجود الأكوان مفاض من ذاته الكريمة صلى الله عليه وسلم وإفاضة الرحمة من جميعها مفاض من ذاته الكريمة صلى الله تعالى عليه وسلم فبان لك أن الفيض من ذاته الكريمة ينقسم إلى رحمتين الرحمة الأولى إفاضة الوجود على جميع الأكوان حتى خرجت من العدم إلى الوجود والرحمة الثانية إفاضة عين الرحمات الإلهية على جميعها من جملة الرزاق والمواهب والمنافع والمنح من العلم بصفات الله تعالى وأسمائه وكمالات ألوهيته وبأحوال الكون وأسراره ومنافعه ومضاره وبالأحكام الإلهية أمرا ونهيا فبذلك يدوم تمتعها بالوجود فإذا علمت هذا علمت أنه صلى الله عليه وسلم عين الرحمة الربانية لأن جميع الوجود رحم بالوجود بوجوده صلى الله عليه وسلم ومن فيض وجوده أيضا رحم جميع الوجود فلهذا قيل فيه أنه عين الرحمة صلى الله تعالى عليه وسلم وهو المراد بقوله : {ورحمتي وسعت كل شيء} وقوله تعالى : {وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين} لأن أصله صلى الله عليه وسلم رحمة ولا يلزم من شمول الرحمة عدم وقوع العذاب والوعيد في الغضب لأن تلك مقتضيات الكمالات الإلهية فإن الكريم وإن عظم كرمه لولا بطشه وغضبه وعذابه ما خيف جانبه ولو أمن منه هذا الحال احتقر جانبه وليست هذه صفة الكريم ولا ينبغي له هذا فتبين لك أن صفة الكريم الغضب والبطش والتعذيب ليكون جانبه معظما مخافا مهابا كما كان جانبه مرجوا لعفوه ورحمته ، ولما كان الياقوت غاية ما يدرك الناس في الصفاء والشرف والعلو إذ هو غاية ما يدرك من الجواهر الصافية الغالية الشريفة سمي النبي صلى الله تعالى عليه وسلم به في هذه الصلاة بقوله : والياقوتة ، وإذا كان هو أشرف من الياقوت وأصفى وأعلى على حد قوله تعالى : {مثل نوره كمشكاة فيها مصباح} ثم وصفها بقوله : المتحققة أي بجميع الصفات والأسماء الإلهية التي يتوقف عليها وجود الكون وبقي وراءها من الأسماء والصفات ما لا توقف لوجود الكون عليه والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم تحقق بمعرفة جميع الصفات والأسماء الإلهية التي يتوقف عليها وجود الكون دون غير هائم وصفه صلى الله عليه وسلم بأن الفهوم التي قسمها الله تعالى لخلقه في إدراك معاني كلامه جميع كتبه وفي إدراك معاني الأحكام الإلهية وفي إدرك معاني أسمائه وصفاته ومعارفه وإذا جمعت جمعا واحدا وجعلت كالشيء المركوز في الأرض كالعنزة كان صلى الله عليه وسلم دائرة محيطة به بقوله : الحائطة أي المحيطة بمركز الفهوم والمعاني أي بالفهوم والمعاني التي كالمركز من إضافة المشبه به إلى المشبه بعد حذف أداة التشبيه مبالغة والمعنى أنه صلى الله عليه وسلم محيط بجميعها ما شذ عنه شيء منها صلى الله تعالى عليه وسلم . ونور معطوف على عين . الأكوان أي المخلوقات . المتكونة نعت للأكوان أي التي تتكون شيئا بعد شيء ويقابلها ما بقي في طي العدم فالأشياء المقررة في العلم الأزلي منقسمة قسمين قسم منها أعيان ثابتة وهي التي سبق في علمه أنها تخرج من العدم إلى الوجود ، وقسم منها أعيان عدمية وهي التي سبق في علمه أنها لا تخرج إلى الوجود وتبقى في طي العدم فإنه علمها أن لو خرجت إلى الوجود وعلى أي حالة تكون وبأي أمر تتكون وبأي مكان وزمان تقع وماذا ينصب عليها من الأحكام الإلهية ضرا ونفعا فإنه محيط بجميعها علما وهو صلى الله عليه وسلم نورها . الآدمي صاحب الحق نعت له وهو ما قرره سبحانه في شرعه الذي حكم به على خلقه أمرا ونهيا وكيفية وابتداء غاية وهو صاحبه صلى الله تعالى عليه وسلم المقرر له والناهي عنه والمنفذ له . الرباني نعت للحق . البرق المراد به الحقيقة المحمدية . الأسطع أي الأرفع وارتفاعها ظهورها على جميع الخلق لأنه مقرر الرحمة الفائضة من حضرة الحق ومنها تفيض على الخلق وهذه الرحمة الإلهية المنصبة على الخلق هي المراد بقوله : بمزون الأرباح والمزون جمع مزن والمراد الرحمات الإلهية والأرباح جمع ربح استعير البرق للحقيقة المحمدية والمزن لانصباب الرحمة الإلهية على الخلق لأن البرق ملازم لمزن الأمطار كما أن الحقيقة المحمدية ملازمة للرحمة الإلهية والحاصل أن مزون الأرباح هي الرحمة الفائضة من حضرة الحق على خلقه ويعني بها ههنا فيوض العلوم والمعارف والأسرار والتجليات والأنوار ودقائق الحكم وما لا ينتهى إلى ساحله وغايته من المنح والمواهب وصفاء الأحوال والصفات القدسية المخزونة المنصبة على قلوب العارفين والأقطاب . المالئة نعت لمزون . لكل متعرض وهو تارة يكون بالتوجه إلى الله تعالى والتهيؤ والاستعداد وتارة بالاقتطاع الإلهي . من البحور قلوب أكابر العارفين . والأواني قلوب الأولياء . ونورك معطوف على عين . اللامع نعت للنور . الذي ملأت به الضمير عائد إلى الذي . كونك مفعول ملأت . الحائط نعت لكون والكون الحائط هو الأمر الإلهي الصادر عن كلمة كن الذي أقام الله تعالى فيه ظواهر الوجود . بأمكنة متعلق بالحائط والأمكنة جمع مكان وهو الذي يحل فيه المتمكن . المكاني بتخفيف الياء للسجع وأصله التشديد لأن ياءه للنسبة إلى المكان والمراد هنا الذات التي منه تحل وتستقر مكانها والمعنى : ونورك اللامع الذي ملأت به مكوناتك الحائط بأمكنة كل مكان لأن الكون كله مملوء به صلى الله عليه وسلم وقد تقدم أن الشيخ جلال الدين السيوطي رحمه الله تعالى قال في تنوير الحلك : قال الشيخ صفي الدين أبو منصور في رسالته : والشيخ عبد الغفار في التوحيد حكى عن الشيخ أبي الحسن الونائي قال : أخبرني أبو الحسن الطنجي قال : وردت على سيدي أحمد بن الرافعي فقال لي : ما أنا شيخك إنما شيخك عبد الرحيم بقنا رح إليه فسافرت إلى قنا فدخلت على الشيخ عبد الرحيم فقال : أعرفت رسول الله صلى الله عليه وسلم ؟ قلت : لا قال لي : رح إلى البيت المقدس حتى تعرف رسول الله صلى الله عليه وسلم فرحت إلى بيت المقدس فحين وضعت رجلي وإذا بالسماء والأرض والعرش والكرسي مملوءة من رسول الله صلى الله عليه وسلم انتهى المراد منه . اللهم صل وسلم تقدم الكلام على الصلاة والسلام . على عين الحق فالحق له إطلاقان الأول إطلاقه على الذات والثاني إطلاقه على صفة الذات فالأول يقابله الباطل من كل وجه فالحق المحض هو الذات العلية المقدسة وما عداها كله باطل وإلى هذا الإطلاق يشير قول لبيد الذي شهد له رسول الله صلى الله عليه وسلم بالصدق والتحقيق : ألا كل شيء ما خلا الله باطل *** وكل نعيم لا محالة زائل وهذا لا يطلق عليه صلى الله عليه وسلم إذ هذا الإطلاق عين الذات المقدسة لا يطلق على غيرها أصلا ، والإطلاق الثاني هو العدل الذي هو صفة الحق سبحانه وتعالى القائم بصورة العلم الأزلي النافذ في كل شيء وهذا العدل المذكور وهو الساري في جميع آثار الأسماء والصفات الإلهية ومجموع هذا العدل كلا وبعضا مجموع في الحقيقة المحمدية فلذا أطلق عليها عين الحق في هذا الاعتبار فكلها حتى لا تنحرف عن ميزان العدل الإلهي الذي هو عين الحق في الإطلاق الثاني . التي أنث نظرا إلى معنى عين الحق الذي هو الذات أيضا ولذا قال : تتجلى منها والضمير راجع إلى عين . عروش جمع عرش فاعل تتجلى . الحقائق جمع حقيقة من إضافة المشبه به إلى المشبه بعد حذف أداة التشبيه مبالغة والمعنى : اللهم صل وسلم على عين الحق التي تتجلى منها الحقائق التي هي كالعروش لما كانت كل حقيقة منطوية على ما لا غاية له من العلوم والمعارف والأسرار والمواهب والفيوض شبهت بالعروش لأن العرش محيط بما في جوفه من جميع المخلوقات وأيضا لما كان العرش هو غاية الرفعة والشرف من المخلوقات في علم الخلق وكانت الحقائق في غاية العلو والرفعة والشرف لأنها صدرت من حضرة الحق الذي لا غاية لعلوه وشرفه ولا علو وراءه فهو غاية الغايات في العلو والرفعة والشرف وكانت الحقائق الصادرة من حضرته سبحانه وتعالى مكسوة بهذه الصفة العلية والعلو والشرف والجلال أطلق عليها اسم العرش من هذا الباب فهو حقيقة عرش ولما كانت المعارف الإلهية المفاضة على جميع الأكابر من النبيين والمرسلين والأقطاب كلها فائضة من الحقيقة المحمدية وليس شيء من المعارف يفاض من حضرة الحق خارجا عن الحقيقة المحمدية ولا يفاض شيء منها على أحد من خلق الله تعالى إلا هو بارز من الحقيقة المحمدية وصف صلى الله عليه وسلم بأنه عين المعارف بقوله : عين المعارف لأنه صلى الله تعالى عليه وسلم خزانتها وينبوعها . الأقوم أي الجاري في مجاري العدل الإلهي لا يعوج بوجه ولا يخرج عن الجادة المستقيمة في العدل وهذا التفسير هو معنى الأسقم ، أو أنه صلى الله عليه وسلم أكمل من كل من قام بتوفية حقوق الحق سبحانه وتعالى وهذا التفسير الثاني هو الملحوظ في تسميته صلى الله تعالى عليه وسلم بأحمد فهو صلى الله تعالى عليه وسلم أكمل الخلق في القيام بتوفية آداب الحضرة الإلهية علما وحالا وذوقا ومنزلة وتخلقا وتحققا فهو أكمل من حمد الله من خلقه من جميع الجهات ولما كان صلى الله تعالى عليه وسلم هو الصراط إلى حضرة الحق جل جلاله لا عبور لأحد إلى حضرة الحق إلا عليه فمن خرج عنه انقطع عن حضرة الحق وانفصل وصف بأنه هو الصراط التام إلى حضرة الحق بقوله : صراطك التام لأنه صلى الله عليه وسلم لمن أراد الوصول إلى حضرة الحق كالصراط الذي يكون عليه عبور الناس في المحشر إلى الجنة لا مطمع لأحد من الخلق في الوصول إلى الجنة من أرض القيامة إلا على الصراط الذي هو عليه العبور فمن رام الوصول إلى الجنة من أرض القيامة على غير الصراط المعلوم للعبور انقطع عن الجنة وانفصل ولا مطمع له في الوصول إليها كذلك هو صلى الله تعالى عليه وسلم هو الصراط المستقيم بين يدي الحق لا مطمع لأحد في الوصول إلى حضرته إلا بالعبور عليه صلى الله عليه وسلم ومن رامها بغير العبور عليه صلى الله عليه وسلم انقطع وانفصل وطرد ولعن وإلى هذه الإشارة يقول الشيخ الأكبر رضي الله تعالى عنه في صلاته : إذ هو بابك الذي من لم يقصدك منه سدت عليه الطرق والأبواب ويرد بعد الأدب إلى إسطبل الدواب . الأسقم أي الكامل في الاستقامة بلا اعوجاج : اعلم أن الأسقم أفعل تفضيل من استقام السداسي الذي أصله قام الثلاثي زيد على بنائه ثلاثة أحرف فصار استفعل فلما أريد بناء أفعل التفضيل منه حذفت الألف والتاء والألف المنقلبة من الواو مع أنها عين الكلمة وأبقيت السين مع أنها زائدة لتدل بأنه مصوغ من استقام السداسي لا من قام ومثله في ما ذكر أشوق فإنه أفعل تفضيل مصوغ من اشتاق الخماسي المزيد الذي أصله شاق الثلاثي زيد على بنائه حرفان فصار أفعل فلما أريد صوغ فعل أفعل التفضيل منه حذفت الألف الزائدة مع التاء الأصلية . إن قلت : لم تحذف عين الكلمة من استقام ولم يحذف من اشتاق فالجواب أن إبقاءه لا يضر لأنه خماسي فإبقاؤه لا يمنع من كون بناء الشوق على بناء أفعل بعد حذف الألف والتاء بخلاف استقام فإن بقاء عين الكلمة منه يمنع من كون بناء اسم التفضيل منه على أفعل إلا إذا حذفت السين بعد حذف الألف والتاء فحينئذ يصير أقوم فيفوت المقصود الذي هو التفنن في السجع على التفسير الأول في تفسيري أقوم ، والمعنى المراد تحصيله الذي هو الاستقامة بلا اعوجاج على التفسير الثاني من تفسير الأقوم فلانتفاء تلك العلة على الأقوم ثبت فيه عين الكلمة لأنه من قام الثلاثي غير المزيد ، فإن قلت : من سلفك فيما ذكرت من أئمة اللغة قلت : قال في القاموس : القوم الجماعة من الرجال والنساء معا أو الرجال خاصة إلى أن قال : وقام قوما وقومة وقياما وقامة انتصب فهو قائم من قوم وقم وقوام وقيام وقاومته قواما قمت معه والقومة المرة الواحدة وبين الركعتين قومة والمقام موضع القدمين وقامت المرأة تنوح طفقت والأمر اعتدل كإسقام اهـ . وأما اشتقاقه فقد قيل فيه : الشوق نزاع النفس إلى أن قال : وقد شاقني حبها هاجني كشوقني إلى أن قال : وأشتاقه وإليه بمعنى اهـ . إن قلت : من سلفك من أئمة النحو قلت : قال ابن مالك في باب التعجب من التسهيل : وقد يبنيان يعني التعجب والتفضيل من فعل المفعول إن أمن اللبس وفعل أفعل مفهم عسر أو جهل ومن مزيد فيه اهـ . وقال الدماميني في شرحه : نحو ما أعطاه الدراهم وما أشوقني إلى عفو الله تعالى فإنهما من أعطى واشتاق وليس من ذلك ما أفقره فإنه من فقر الرجل بمعنى افتقر وأما ما أشهاه فإنه من شهي الشيء بمعنى اشتهاه اهـ . اللهم صل وسلم على طلعة أي مجلى ومظهر الحق وهو الله تعالى بذاته سبحانه وتعالى وتجليه بالحق أي بذاته لا بشيء دونها فإن السبب الذي تجلت به الذات العلية للحقيقة المحمدية وتجليها لها كان عن الذات العلية المقدسة المنزهة لا عن غيرها وهذا أحد تفسيري طلعة الحق بالحق . التفسير الثاني أن طلعة الحق طوالع الأسماء والصفات الإلهية التي مجموعها هو عين الحق الكلي بجميع ما تفرغ عنها من الأحكام الإلهية والمقادير الربانية واللوازم والمقتضيات الملازمة لتلك الصفات والأسماء فمجموعها هو عين الحق الكلي فكان صلى الله عليه وسلم مطلعا لها جامعا لحقائقها وأحكامها ومقتضياتها ولوازمها فكان طلوعها في الحقية المحمدية عن مادة أسرار الصفات والأسماء الإلهية الذي هو السبب المعبر به بالباء فكان طلوعها فيه صلى الله عليه وسلم بحسب أسرارها وأنوارها فكلها حق والمعنى اللهم صل وسلم على طلعة أي مجلى أي مظهر أي مطلع الحق الذي هو صفاتك وأسماؤك وجميع ما تفرع عنها من أحكامك ومقاديرك واللوازم والمقتضيات الملازمة لتلك الصفات والأسماء الجامع لحقائقها وأحكامها ومقتضياتها ولوازمها التي كان طلوعها في الحقيقة بالحق عن مادة أسرار صفاتك وأسمائك وكان طلوعها فيه بحسب أسرارها وأنوارها فكان كله حقا ولما تم قيامه صلى الله عليه وسلم في هذا الميدان بحقوق التجليين المذكورين وتوفيته بوظائف خدمتها وآدابها جملة وتفصيلا وتكملة لمقابلتهما بعبوديته الكاملة عبر عن هذه الألطاف في الصلاة الكريمة بقوله : عبدك من حيث أنت كما هو عبدك من حيث أسمائك وصفاتك ولما كان جميع أسمائك والأسرار والعلوم والمعارف والفتوحات والفيوضات والتجليات الشريفة منها يستفاد جميع المطالب وصف صلى الله عليه وسلم بأنه هو الكنز الأعظم بقوله الكنز ألأعظم إذ من فائدة الكنز تحصيل المطالب والمنافع لذوي الحاجات فبسبب كونه صلى الله عليه وسلم كنزا عظيما يستفاد منه جميع المطالب والمنح والفيوضات الربانية والدنيوية والخروية والعلوم والمعارف والأسرار والأنوار والأعمال والأحوال والمشاهدات والتوحيد واليقين والإيمان وآداب الحضرة الإلهية إذ هو المفيض لجميعها على جميع الوجود جملة وتفصيلا فردا فردا من غير شذوذ . إفاضتك التي هي مورد الألطاف الذي سألته منك عندما تجليت بنفسك وأوصافك وسألت ذاتك بذاتك فتلقيت ذلك السؤال منك بالقبول والإسعاف وكان قوامه راجعا إليك فأوجدت ذلك المود الذي هو الحقيقة من حضرة علمك عيونا وأنهارا ثم سلخت العالم منها واقتطعته كله تفصيلا على تلك الصورة الآدمية الإنسانية اعلم أنه لما تعلقت إرادته بإيجاد خلقه أبرز الحقيقة المحمدية وذلك عندما تجلى بنفسه من الأوصاف وسأل ذاته بذاته مورد الألطاف فتلقى ذلك السؤال منه بالقبول والإسعاف فأوجد الحقيقة المحمدية فكانت عيونا وأنهارا ثم سلخ العالم منها واقتطعه كله تفصيلا على تلك الصورة الآدمية الإنسانية فإنها كانت ثوبا على تلك الحقيقة المحمدية النورانية شبه الهواء والماء في حكم الرقة والصفاء فتشكل الثوب شكل الصورة النورانية فكان محمد صلى الله عليه وسلممجمع الكل وبرهان الصفات والمبدأ الأعلى وكان آدم عليه السلام نسخة منه على التمام وكانت نسخة الذرية من آدم عليه السلام فتحقق هذه التسخ تعش سعيدا غير أن الأنبياء عليهم الصلاة والسلام من كتابي محمد وآدم على الكمال والعارفون الوارثون نسخة من آدم وظاهر سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم وأما أهل الشمال فنسخة من طينة آدم لا غير وأما التناسل إلى أن جاء زمانه عليه الصلاة والسلام فصير الله تعالى العالم في قبضة ومخضة جسم محمد صلى الله عليه وسلم زبدة مخضة العالم كما كانت حقيقة أصل نشأته فله الفضل بالإحاطة إ كانت البداءة والختم فقد حصلت في علمك نشأة أول كل موجود وأين مرتبته من الوجود ومنزلته من الوجود . والحاصل أن سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم أول الموجودات وأصلها وبركتها وببركته وجدت وبه استمدت . إحاطة مصدر وصف به مبالغة أي المحيط كرجل عدل أي عادل . النور أي بالنور المطلسم أي المكتوم أي المحيط بسر ألوهيتك المكتوم الذي أردت أن تطلع عليه غيرك من خلقك من ذوي الخصوصية لأن سر الأول قسمه الحق سبحانه بحكمة المشيئة قسمين قسم استبد بعلمه لا يطلع عليه غيره وقسم اختار أن يطلع عليه غيره من ذوي الاختصاص وكان مقسوما بينهم بالمشيئة الأزلية لكل واحد منهم ما قدر له من سر الألوهية وكان ذلك المقسوم لخلقه أن يطلعوا عليه كله أحاط به صلى الله عليه وسلم علما وذوقا واجتمع في ذاته الكريمة في حقيقته المحمدية وتفرق منه إلى الخلق أي واصل إلى كل واحد ما قسم له وبعبارة أن المراد بالنور المطلسم الكمالات الإلهية التي سبق في سابق علمه أن يكشفها لخلقه ويطلعهم عليها جملة وتفصيلا لكل فرد من الوجود ما يناسبه وما يختص به من أول ظهور العالم إلى الأبد وكان ذلك النور المذكور مطلسما في حجاب الغيب وضرب عليه حجب عظيمة بحيث لا يمكن عليه الوصول إلى الاطلاع عليه أو على شيء منه فأشهد الله تعالى نبيه صلى الله عليه وسلم دفعة واحدة وأطلعه عليه في حقيقته المحمدية من غير شذوذ والمعنى حينئذ إحاطة النور أي العالم المشاهد أي المطلع بالنور أي كمالاتك المطلسمة أي المحجوبة المغيبة التي سبق في سابق علمك أن تكشفها لخلقك وتطلعهم عليها وإنما أفرد النور وأريد به الكمالات الإلهية لأنها كلها حق والحق كله نور . صلى الله تعالى عليه وعلى آله وصلاة الله تعالى على نبيه صلى الله تعالى عليه وسلم توقيفية لا تعرف حقيقتها وما يقوله فيها أهل الظاهر لا يلتفت إليه وتقدم أنها فوق ما يدرك ويعقل فلا تفسر بشي بلا تقول يصلي على نبيه صلى الله عليه وسلم ولا تكيف صلاته وتقدم أيضا أن الصلاة في حق الله تعالى على نبيه صلى الله عليه وسلم وصف قائم بذاته على الحد الذي يليق بذاته وعظمته وجلاله هو أمر فوق ما يدرك ويعقل . صلاة معمول صل وسلم على طلعة الحق بالحق إلى آخره صلاة تعرفنا بها أي بالصلاة . إياه أي نبيك محمدا صلى الله تعالى عليه وسلم في مراتب بطونه صلى الله تعالى عليه وسلم طلب المصلي من الله أن يعرفه رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم إما بالوصل إلى معرفة حقيقة روحه أو حقيقة عقله أو قلبه أو نفسه أما حقيقة روحه فلا يصل إليها إلا الأكابر من النبيين والمرسلين والأقطاب ومن ضاهاهم من الأفراد ومن العارفين من يصل إلى مقام عقله صلى الله عليه وسلم فتكون معارفه وعلومه بحسب ذلك إذ ليس مقام العقل وعلومه كمقام الروح وعلومه ومنهم من يصل إلى مقام قلبه صلى الله عليه وسلم فتكون معارفه وعلومه بحسب ذلك وهو دون مقام العقل في المعارف والعلوم ومنهم من يصل إلى مقام نفسه صلى الله تعالى عليه وسلم فتكون معارفه وعلومه بحسب ذلك وهو دون مقام القلب وأما مقام سره صلى الله عليه وسلم فلا مطمع لأحد في دركه لا من عظم شأنه ولا من صغر والفرق بين مقام سره وعقله وقلبه ونفسه أن مقام سره صلى الله عليه وسلم هي الحقيقة المحمدية التي هي محض النور الإلهي التي عجزت العقول والإدراكات من كل مخلوق عن إدراكها وفهمها ثم ألبست هذه الحقيقة المحمدية لباسا من ألأنوار الإلهية واحتجبت بها عن الوجود فسميت روحا ثم تنزلت بألباس أخرى من الأنوار الإلهية واحتجبت بها فكانت بسبب ذلك تسمى عقلا ثم تنزلت بألباس أخرى من الأنوار الإلهية واحتجبت بها فسميت بذلك قلبا ثم تنزلت بألباس أخرى من الأنوار الإلهية احتجبت بها فكانت بسبب ذلك تسمى نفسا انتهى والله تعالى الموفق للصواب وإليه سبحانه المرجع والمآب .



<< الفصل السابق    الفصل التالي >>