في بعض كلامه ووصاياه رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به ونذكرها في هذا الفصل تبركا بها والاستفادة منها واستمدادا من نفحاته الشريفة وبركاته المنيفة لعل الله تعالى يرزقنا حظا وافرا بجاهه رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به وجاه جده صلى الله عليه وسلم
فأقول وبالله تعالى التوفيق وهو الهادي بمنه إلى سواء الطريق : فما أوصى به كافة أصحابه وغيرهم ونص الوصية بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله عليه وسلم قال رضي الله عنه وصية لمن أراد نصيحة نفسه ونصيحة ربه الجارية على حد قوله صلى الله عليه وسلم : "الدين النصيحة" قالوا : لمن يا رسول الله ؟ قال : "لله ولرسوله ولكتابه ولعامة المؤمنين وخاصتهم" فأول ذلك تقوى الله الذي لا إله إلا هو الواقعة في الوصية لأولاده رضي الله تعالى عنهم وهو أنه قال لهم : يا بني أوصيكم بتقوى الله العظيم في الغيب والشهادة وكلمة الحق في الرضا والغضب والعدل على الصديق والعدو والقصد في الغنى وفي الفقر ثم بعد ذلك الفزع إلى الله تعالى واللجوء إليه من ضغط كل لاحق من الأمور وتعلق القلب به سبحانه وتعالى على قدر مرتبة صاحبه والحياء منه تعالى الجاري على حد قوله صلى الله عليه وسلم : "استحيوا من الله تعالى حق الحياء" قالوا : إنا نستحي والحمد لله قال : "ليس ذلك كذلك ولكن الحياء أن تحفظ الرأس وما وعى وتحفظ البطن وما حوى وتذكر الموت والبلى ومن أراد الآخرة ترك زينة الدنيا فمن فعل ذلك فقد استحيى من الله تعالى حق الحياء" وهذا الحياء الذي خاطب به رسول الله صلى الله عليه وسلم أصحابه رضي الله تعالى عنهم هو حياء العامة وأما الحياء في حق الصديقين فهو إطراق الروح من هيبة الجلال كما قال بعض العارفين :
أشتاقه فإذا بدا *** أطرقت من إجلاله
لا خيفة بل هيبة *** وصيانة لجماله
وأصد عنه تجلدا *** وأروم طيف خياله
فالموت في إدباره *** والعيش في إقباله
وكما قال بعض العارفين رضي الله تعالى عنه : سبحان من لو سجدنا له بالعيون على شفا الشوك والمحمى من الإبر لم نبلغ العشر من معاشر نعمته ولا العشر ولا عشرا من العشر ثم أنشد بعدها أبياتا وغاب في وسط الخلق وكان في موقف عرفات فسألت عنه فقيل لي : هو أبو عبيدة الخواص وله منذ أربعين سنة ما رفع طرفه إلى السماء حياء من الله تعالى وهذا هو الحياء من العارفين . ثم التقرب من الله تعالى بمحو العلائق وقطع العوائق وترك الملابسات والمساكنات والملاحظات لا لغرض ولا لتخيل على الله تعالى بل قياما بحق عظمته وجلاله وحبا لذاته لكن كل شخص في هذا على قدر مقامه ورتبته ومن ابتلي بشيء من مخالفة هذا الأمر فليرجع إلى الله تعالى بالضراعة والابتهال والاستغفار والانكسار والتذلل والاحتقار معترفا بين يدي الله تعالى بعجزه وضعفه ثم الوقوف مع الله تعالى بلزوم الذل والمسكنة في مركز الافتقار والاضطرار وخوف القلب من مزعجات صفوته وفرقا من خفي مكره ولزوم الرضا والتسليم له سبحانه وتعالى لكل واقع في الوجود بلا انزعاج ولا اضطراب ولا طلب لزواله إلا ما كان من أفعال نفسه فليبادر إلى التوبة فيما وقع من خروج أفعاله عن الشرع فإنه لا يحل البقاء في ملابسته شرعا وأن يعلم أنه من حكم الله تعالى فلا عذر له في ترك التوبة وليعمل بعضا من أوقاته فيما يجري على يديه من النفع لعباد الله تعالى لا عموما بل خصوصا الأقرب فالأقرب من غير إفراط ولا تفريط وليكن شديد الاهتمام بحقوق إخوانه في طريقته التي لا يمكنه التأخير عنها لكن ملازمة الواجب منها من غير أن يجعلها هجيراه فإن لكل عاقل أوقاتا يخلو فيها بربه لا يمكنه التأخير والاشتغال عنها وأوقاتا فيها يجالس إخوانه في الطريقة لله تعالى لتذكير أو تعليم أو استفادة من ما لم يكن عنده من العلم من غير إفراط ولا تفريط ثم يتحرى في خلوته مع الله تعالى الأوقات الفاضلة كوسط الليل بعد نوم الناس إلى طلوع الفجر وبعد صلاة الصبح إلى صلاة الضحى وبعد صلاة العصر إلى صلاة العشاء عاملا في ذلك بالتسديد والتقريب في معرفة ما يقدر عليه ولا يوجب للنفس كسلا ولا ضجرا جاريا على حد قوله صلى الله عليه وسلم :" إن هذا الدين يسر ولن يشاد الدين أحد إلا غلبه فسددوا وقاربوا وأبشروا واستعينوا بالغدوة والروحة وشيء من الدلجة " وقوله صلى الله عليه وسلم :" إن هذا الدين متين فتوغل فيه برفق ولا تبغض لنفسك عبادة الله تعالى فإن المنبت لا أرضا قطع ولا ظهرا أبقى " الحديث وقوله صلى الله عليه وسلم :" خذوا من الأعمال ما تطيقون فإن الله تعالى لا يمل حتى تملوا " وليحذر كل الحذر من المجالس ومآخذ العلم التي تؤدي إلى الدخول في مداخل العامة وألأحوال المخزية فإن من تتبع ذلك لا يفلح في الدنيا ولا في الآخرة وليكن اهتمامه بالأخذ في خاصة نفسه ولا يجعل لإخوانه في منافعهم إن أهل لذلك إلا ما فضل عن أوقاته قال مالك رضي الله تعالى عنه وقد سئل عن طلب العلم فقال :حسن ولكن اعرف ما يلزمك من صباحك إلى مسائك فالزمه فإنه آكد على الشخص في خاصة نفسه من الأمور التي يطالبه الله تعالى بها ولا يسامحه في تركها ومن أعرض عن ذلك متعللا بطلب العلم فقد خسر الدنيا والآخرة والقول الحق في ذلك : ليس لك إلا الله سبحانه وتعالى فلال تشتغل عنه بغيره ولا تجعل لنفسك إلى سواه منتجعا ولا إلى الإعراض عن بابه تعطلا ولا عن الانحياش إليه في الشدائد والمضائق والكروب ملجأ ولا في الر خاء وتواتر النعم عن مراعاة شكره مصرفا وليكن الأمر في ذلك جاريا على قول أبي العباس المرسي : أوقات العبد أربعة لا خامس لها وهي إما أن تكون وقت نعمة فمقتضى الحق منك وجود الشكر وإما أن تكون في وقت شدة فمقتضى الحق منك وجود الصبر أو تكون في وقت معصية فمقتضى الحق منك وجود التوبة أو تكون في وقت طاعة فمقتضى الحق منك شهود المنة وهذه الحدود التي ذكرها فيها استغراق أوقات العبد كلها وهي المذكورة في قولهخ صلى الله عليه وسلم :" من أعطي وشكر وابتلي فصبر وظلم فاستغفر وظلم فغفر ثم سكت صلى الله عليه وسلم حتى قال بعض الجالسين ماذا له يا رسول الله قال : أولئك لهم الامن وهم مهتدون " أراد صلى الله عليه وسلم الأمن من عذاب الله تعالى في الآخرة وهم مهتدون في الدنيا وليكن في جميع ما ذكرناه خاصا لله تعالى لا يخالطه شيء منم غير الله تعالى وهذه الوصية لأصحاب الحجاب وأما من صفت له المعارف حتى رسخت قدمه فيها فهو مع ما يعيه وقته وحاله ومقامه وتجليه ليس عن نفسه اختيار ولا له مع غير الله تعالى قرار واتلسلام وصلى الله على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليما أهـ . ومما كتب به لكافة الفقراء ونصه قال رضي الله تعالى عنه وأرضاه وعنا به بعد البسملة والصلاة والسلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم : بعد حمد الله تعالى جل ثناؤه يصل الكتاب إلى كافة أحبابنا الفقراء كل واحد باسمه وعينه عموما من غير تخصيص السلام عليكم ورحمة الله وبركاته من أحمد بن محمد التجاني وبعد نسأل الله تعالى لكافاتكم وخاصتكم أن يفيض عليكم بحور العناية والمحبة منه والرضا منه سبحانه وتعالى على طبق ما منح من ذلك أكابر العارفين من عباده وأهل الخصوصية حتى تكون عنده جميع مساويكم ممحوة غير مآخذين بها وجميع ذوبكم وآثار سهوكم مقابلة بالصفح والتجاوز منه غير مقابلين بها ونسأله سبحانه وتعالى أن يكتبكم جميعا في ديوان أهل السعادة الذي ما يكتب فيه إلا أكابر أوليائه وأهل خصوصيته بوجه لا يمكن فيه المحو ولا التبديل وأن يكحل بصائركم بالنور الذي رشه على الأرواح في الأزل وأن يواجهكم بفضله في الدنيا والآخرة وأن ينظر في جميعكم بعين رحمته الذي من نظر إليه بها صرف عنه جميع مكاره الدنيا والآخرة وهذا وليكن في علمكم أن جميع العباد في هذه الدار أغراض لسهام مصائب الزمان إما بمصيبة تنزل أو بنعمة تزول أو بحبيب يفجع بموته أو هلاك أو غير ذلك مما لا حد لجمله وتفصيله فمن نزل به منكم مثل هذا فالصبر الصبر لتجرع مرارتها فإنه لذلك نزل العباد في هذه الدار ومن ومن كبى به منكم جواده عن تحمل ثقلها وقاومة ما يطرؤ عليه من أعبائها فعليه بملازمة أحد الأمرين أو هما معا وهو أكمل الأول ملازمة يا لطيف ألفا خلف كل صلاة إن قدر وإلا فألفا في الصباحج وألفا في المسا فإنه بذلك يسرع خلاصه من مصيبته والثاني مائة من الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم بالفاح لما أغلق إلى أخره ويهدي ثوابها للنبي صلى الله عليه وسلم إن قدر مائة خلاف كل صلاة وإلا فمائة صباحا ومائة في الليل وينوي بهما ما أعني يا لطيف والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم التي يهدي ثوابها له صلى الله عليه وسلم أن ينقذه الله تعالى من جميع وحلته ويعجل خلاصه من كربته فإنه تسرع له الإغاثة بأسرع من طرفة عين وكذا من كثرت عليه الديون وعجز عن أدائها أو كثرت عياله واشتد فقره واغلقت عليه أبواب أسباب المعاش فيفعل ما ذكرنا من أحد الأمرين أو هما معا فإنه يرى الفرج من الله تعالى عن قريب ومن دهاه خوف هلاك متوقع نزوله به من خوف ظالم ولا يقدر على مقاومته أزو خوف من صاحب دين لا يجد نه عذرا ولا إمهالا ولا يجد من المال ما يؤديه له أو كلا الأمرين ومن كل مخوف فليلازم ما ذكرنا من أحد الأمرين أو هما معا فإنه ينقشع عنه عن قريب وإن أسرع مع ذلك بصدقة قلت أو كثرت بنية دفع ما يتوقعه من الخوف أو بنية تعجيل الخلاص من ألمه وكربه كانت أجدر في أسرع الخلاص والفرج وتوصوا بالصبر وتواصوا بالمرحمة وإياكم ثم إياكم أن يهمل أحدكم حقوق إخوانه مما هو جلب مودة أو دفع مضرة أو إعانة على كربة فإن من ابتلي بتضييع حقوق الإخوان ابتلي بتضييع حقوق الألوهية والله تعالى في عون العبد ما كان العبد في عون أخيه وصونوا قلوبكم إذا رأيتم أحدا فعل حقا يخالف هواكم أو هدم باطلا يخالف هواكم أن تبغضوه أو تؤذوه فإن ذلك معدود من الشرك عند الله تعالى فقد قال صلى الله عليه وسلم :" الشرك في أمتي أخفى من دبيب النمل على الصفا" وأقل ذلك ألأن تحب على باطل أو تبغض على حق أو كما قال صلى الله عليه وسلم مما معناه هذا وكذا صونوا قلوبكم عمن فعل باطلا أو هدم حقا يطابق هواكم أن تحبوه أو تثنوا عليه فإنه أيضا معدود من الشرك عند الله تعالى فإن المؤمن يحب الحق ويحب أهله ويحب أن يقام الحق ويعمل به ويبغض الباطل ويبغض أهله ويبغض أن يقام الباطل ويعمل به والسلام . استدراك ما ذكرنا من مراعاة حقوق الإخوان فليكن ذلك في غير حرج ولا ثقل ولا كلفة بل بما تيسر وأمكن في الوقت إلا أن يكون في بعض العوارض يخاف من أخيه العداوة والقطيعة أو فساد القلب فليسرع لإخلاص قلبه فإن ذلك يستجلب الرضا من الله تعالى وأما ما ذكرنا من بغض أهل الباطل فليكن ذلك محله القلب فقط فإن خرج إلى جارحة من الجوارح أدى إلى منكر أعظم منه فترك إخراجه من القلب إلى الجوارح أولى وأسلم والسلام . ومما كتب به إلى بعض الطلبة قال رضي الله تعالى عنه بعد البسملة والصلاة والسلام على رسول الله صلى الله تعالى عليه وسلم : وبعد فالذي أعظك به وأوصيك به عليك بالله عز وجل في سرك وعلانيتك بتصفية قلبك من مخالفة أمره والتعويل على الله تعالى بقلبك والرضا بحكمه في جميع أمورك والصبر لمجاري مقاديره في جميع أحوالك واستعن على جميع ذلك بالإكثار من ذكر الله تعالى على قدر الاستطاعة بحضور قلبك فهو معين لك على جميع ما أوصيك به وأكبر ذكر الله تعالى فائدة وأعظمه جدوى وعائدة هي الصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم مع حضور القلب فإنها متكفلة بجميع مطلب الدنيا والآخرة دفعا وجلبا في كل شيء وإن من أكثر من استعمالها كان من أكبر أصفياء الله تعالى . والأمر الثاني مما أوصيك به ترك المحرمات المالية شرعا أكلا ولباسا ومسكنا فإن الحلال هو القطب الذي تدور عليه أفلاك سائر العبادات ومن ضيعه ضيع العبادة وإياك أن تقول أين تجده فإنه كثير الوجود في كل أرض وفي كل زمان لكن يوجد بالبحث عن توفية أمر الله تعالى ظاهرا وباطنا ومراعاة ضرورة الوقت إن لم يوجد الحلال الصريح وهذا المحل يحتاج إلى فقه دقيق واتساع معرفة بالأحكام الشرعية ومن كان هكذا لم يصعب عليه وجود الحلال والأمر الذي لا بد منه بعد هذا وهو بداية جميع الأمور ونهايتها هو تعلق القلب بالله تعالى والانحياش إليه والرجوع إليه وترك كل ما سواه عموما وخصوصا فإن قدر العبد على ارتحال القلب إلى الله تعالى بكل وجه وعلى كل حال بحركة القلب حسا فهو الغاية وإن لم يقدر فليلازم بعد كل صلاة هذا الدعاء ثلاثا أو سبعا ثم يمر به على قلبه في غير الصلوات ويحمل نفسه عليه يصير له ذلك حالا والدعاء هو هذا : اللهم عليك معولي وبك ملاذي وإليك التجائي وعليك توكلي وبك ثقتي وعلى حولك وقوتك اعتمادي وبجميع مجاري أحكامك رضائي وبإقراري بسريان قيوميتك في كل شيء وعدم احتمال خروج شيء دق أو جل عن علمك وقهرك حتى لحظة سكوني اهـ . فإذا داوم عليه كاملا رأى من أحوال النفس ما لا يطابق هذا الدعاء وذكر نفسه بمعاني هذا الدعاء وصبر على حمل نفسه سهل عليه تعلق القلب بالله تعالى برفض كل ما سواه وهذا باب كبير من العلم يعلمه من ذاق أدنى شيء من علم الرجال ويعلم قدره فلا تهمله وعليك بإصلاح نفسك قدر الاستطاعة فإن العمر قصير والسفر طويل والعقبة كؤب والحمل ثقيل والحساب بين يدي الله تعالى شديد والعمل بأمر الله تعالى هو المنجي من هذه الأمور قال الشيخ الصالح والصدر المبروز العارف بالله سيدي محمد بن السماك رضي الله تعالى عنه : من أقبل على الله تعالى بقلبه أقبل الله تعالى عليه برحمته وصرف وجوه الناس إليه ومن أعرض عن الله سبحانه وتعالى أعرض الله سبحانه وتعالى عنه جملة ومن كان مرة ومرة فالله تعالى يرحمه وقتا ما . والحاصل عليك بالله تعالى برفض ما سواه وإذا ابتليت بمعاملة الناس ومخالطتهم فخالطهم وعاملهم لله تعالى فإن الله تعالى يحب الإحسان إلى خلقه وأكبر ما أحضك عليه هو كثرة الصلاة بحضور القلب على رسول الله صلى الله عليه وسلم فهي الكنز الأعظم والذخر الأفخم اهـ . ومما كتب به إلى كافة الإخوان أينما كانوا ونصه قال رضي الله تعالى عنه بعد البسملة والصلاة على رسول الله صلى الله عليه وسلم وبعد : فأوصيكم بما أوصى الله تعالى به قال سبحانه وتعالى : {ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله} وقال سبحانه وتعالى : {شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن اقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه كبر على المشركين ما تدعوهم إليه} وقال سبحانه وتعالى : {واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا} وقال سبحانه وتعالى : {ومن يتق الله يجعل له من امره يسرا} إلى قوله : {ويعظم له أجرا} . واعلموا أن التقوى قد صعب مرامها وتناءت بعدا عن تمد بيد أحد خطامها واحتكامها وكعت الهمم دونها فلا يصل بيد أحد أساسها واحتكامها إلا الفرد الشاذ النادر لما طبعت عليه القلوب والنفوس من الإدبار عن الله تعالى وعن أمره بكل وجه واعتبار ووحلها في رتع أحوال البشرية وحلالا مطمعا لها في الانفكاك عنه وهذا حال أهل العصر في كل بلد من كل ما على الأرض إلا الشاذ النادر الذي عصمه الله تعالى وبسبب ما ذكرنا هاج بحر الأهوال والفتن وطما بحر المصائب والمحن وغرق الناس فيه كل الغرق وصار العبد كلما سأل النجاة من مصيبة وعصم منها اكتنفته مصائب وفي هذا قيل : سيأتي على الناس زمان تتراكم فيه بحور المحن والفتن فلا ينفع فيها إلا دعاء كدعاء الغريق ولتكن ملازمتكم الأمر المنجي لما ذكرنا والمطفئ لأكثر نيرانه وهو كثرة الاستغفار والصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم وذكر لا إله إلا الله مجردة وذكر لا إله إلا أنت سبحانك إني كنت من الظالمين وقول : حسبنا الله ونعم الوكيل فإنه بقدر الإكثار من هذه الأذكار تتناءى عن البعد كثرة المصائب والشرور الأوزار وبقدر تقليله منها يقل بعده عن المصائب والشرور وليكن لكل واحد منكم قدر من هذه الأذكار على قدر الطاقة وعليكم بكثرة التضرع والابتهال لمن كان له كمال العز والجلال فإن الله تعالى رحيم بعباده ودود فإنه أكرم وأعظم فضلا من أن يتضرع إليه متضرع أحاطت به المصائب والأحزان ومد إليه يديه مستعطفا نواله راجيا كرمه وإفضاله أن يرده خائبا أو يعرض عنه برحمته 264
<< الفصل السابق
الفصل التالي >>