بسم الله الرحمن الرحيم
والصلاة والسلام على سيد المرسلين سيدنا محمد وعلى آله وصحبه وسلم تسليما.
أيّها الإخوة وأبناء الوطن الأعزّاء، أشكركم كثيرا على الدعوة التي وجّهتموها إليّ، وإنّه لشعور جميل أن نسمع بإنشاء مركز تجاني في البلدان البعيدة. إنّ التجانية طريقة عالمية كالإسلام، وحيث ما نتوجّه نجد التجانيين، والحمد لله على هذه النعمة. وإنّي أشكر كثيرا سيدي محمد الحبيب الذي وصلنا بكم، ويشرّفني وجوده حول هذه الحلقة الافترتضية بواسطة تقنية الـ"زوم"، وهي فعلا علاقة جدّ إيجابية ومثمرة بين كل التجانيين.
سوف أحدّثكم عن مجموعة مفاهيم تقوم الزاوية التجانية بتماسين حاليا بتطويرها بمعيّة تجانيّي العالم أجمع لصنع جسور للتعارف والتواصل بين مختلف الزوايا والمريدين، لأنّنا نؤمن بأنّها هي صانعة القوّة الدائمة فينا عبر المعمورة، وهي التي تعطي معنى للحياة لتطوير الإنسانية قاطبة، وخاصة لأبنائنا ومَن يخلفنا.
أنا الآن في تماسين، بلد الشيخ سيدي الحاج علي التماسيني رضي الله عنه، أيّ أوّل خليفة للشيخ سيدي أحمد التجاني رضي الله تعالى عنه، والذي اقتفى آثاره دائما كما اتّبع سيّدي أحمد التجاني رضي الله تعالى عنه آثار سيدنا رسول الله صلى الله عليه وسلم، وهذا يعني أنّ جميع التجانيين على وجه الأرض يتّبعون السند النبوي العالمي وبه متشبّثون، ويعتبرون التمسّك به - عليه الصلاة والسلام - هو الطريقة الصحيحة لشكره وإبراز قيمته وإظهاره على أنه المخلوق الجدير بالاقتداء لطاعة الله.
لقد وضع الشيخ سيدي الحاج علي التماسيني من أجل ذلك ثلاثيةً تجمع مفاهيم الحياة كلّها، ولا نزال إلى يومنا هذا نعمل بها وندْرُسُها. تلك الثلاثية هي: " عليكم باللويحة والمسيحة والسبيحة حتى تخرج الرويحة ". وترمز " اللويحة " إلى التعليم والتربية، أيّ "العلم"، وترمز "المسيحة" للعمل، وترمز "السبيحة" إلى العبادة والعبودية لله، لأننا خُلِقنا لذلك. هذا المبدأ هو، إذن، " علم، عمل، عبادة"، وهو سبيل الإنسان في الحياة. فمنذ صغره يتوجّه إلى المدرسة للتعلّم وتنمية عقله والتكوّن في المجالات العلمية، ثمّ أثناء شبابه عليه أن يكون منتِجا ليعول أسرته ماديّا كما تتطلّبه الحياة، ولترقية مفهوم العمل اعتمادا على صلته بالتعلّم وبالثقافة. ويلتقي هذان المفهومان معا لمعرفة الله. وهنا تأتي الثالثة، وهي السبيحة، في المرحلة الثالثة والأخيرة من حياة الإنسان حين يكون أكثر إنتاجا بحكم التجربة العملية والتوجّه على ضوء العلم. وباجتماع مفعول المبدئيْن الأوّليْن يضع ثمرة حياته في صالح النشئ ليزدادوا تطوّرا.
وزيادة على المدرسة، فإنّ الشباب يلتقي في رحاب الزوايا لمنحهم المزيد من التعليم الروحي الذي يعينهم على تحمّل أعباء العلم بشجاعة. وقد أقمنا حول هذه المسألة ملتقيات ومحاضرات لكلّ الشرائح، ودعونا إليها محاضرين عالميين لإطْلاعهم على ما تتميّز به التجمّعات الإنسانية. إنّ المعنيَّ الأوّلَ بهذا هُم التجانيون، لكننا بحاجة إلى الغير أيضا بغرض اطّلاع أكثر على مختلف الثقافات الاجتماعية.
لدينا مكتبة ضخمة تضمّ ما يقارب الـ40 ألف عنوان، ونحن نجدّدها سنويّا ونطوّرها باستمرار تماشيا مع جديد التربية والمنشورات، لخلق حركة فكرية حول التربية والمعرفة.
ونحن نسعى، في إطار الـ" ع " الثانية، إلى تطوير مشاريع مستدامة حول " الماء " و" البيئة ". وبحكم وجودنا في منطقة جافّة تنتشر فيها زراعة النخيل، فإنّنا نجتهد لخلق نشاط حول " النخلة "، وكان سيدي الحاج علي التماسيني رضي الله عنه قد أرسى قيما في زمانه حول مفهوم " النخل "، والتي كانت ترمز للثراء وقتذاك. ولا تنحصر فوائد النخلة فقط في التمر الذي تنتجه، ولكن لكلّ جزء منها استعمالات تقليدية أخرى، مثل جذعها وجذورها وعراجينها وجريدها. وقد نشأت حول " النخلة " زراعة تُعرف باسم " الزراعة الطبقية "، والمرجع فيها هي أجزاء النخلة نفسها، انطلاقا من الجذور، مرورا بالتربة، ثم صعودا إلى أعلى الشجرة. فالزرع المقابل للجذور هو الجزر واللفت، ثمّ إلى الدور الأعلى، ويشمل كلّ ما ينمو على وجه الأرض مثل اليقطين والدلاّع، ثم إلى ما يليه، على علوّ 20 سنتيمترا مثل الطماطم والفلفل والباذنجان، وعلى مستوى أعلى تأتي الأشجار المثمرة مثل شجر المشمش والخوخ، وفي آخر صعيد تأتي النخلة المنتجة للتمر. ولذلكن فإن توفّرت الشروط لهذه المستويات من الزراعة كي تنمو، فمعناه هو إيجاد الحياة حول تلك " النخلة " طيلة فصول العام كلّه. هذا زيادة على الاستعمالات الأخرى للنخلة في مجال البناء والتدفئة الخ... . إذن، فباعتبار العمل في حدّ ذاته، وكما تمحور حول النخلة زمن سيدي الحاج علي، فإنّنا نسعى لتعميم ذلك بدورنا باستغلال كلّ المساحات حول النخلة لمزروعاتٍ أخرى على ضوء البحث العلمي، وحسب ما تمليه حاجة السكان التي يتزايد عددها.
أمّا عن الجانب الروحي، فهو ثمرة أجيال، وثمرة حياة بأكملها. وحتّى وإن كانت " السبحة " هي رمز تلك الروحانية، فإنّ في اللقاءات العلمية التي نُنَظِّمها قيما روحية أيضا، علينا أن نعطيها لغيرنا، وخاصة لشبابنا. ولو تمعّنّا في حقيقية السبحة لوجدناها تمثّل دائرة ذكرٍ مغلقة حيث يتقابل الجميع، وتتمّ بنفس الكيفية، سواء في الجزائر أو في تونس أو في المغرب أو السنيغال أوكندا، وفي كلّ مكان في العالم. كلّ التجانيين يمتثلون لنفس الأمر، وتلك الوحدة حول السبحة تعني أن كلّ أولئك الأشخاص موحّدون خلف أوامر شيخنا الممجّد سيدي أحمد التجاني رضي الله عنه باتّباع قيم سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلم، أيّ عبادة الله سبحانه وتعالى. فلذلك، فإنّ تجانيي العالم، الذين يُعدّون بمآت الملايين، لهم نفس القيم، ونفس التوجّه، ويتعارفون بينهم حتّى وإنْ لم يسبق لهم التعارف. أنظروا، مثلا، نحن الآن نتواصل بواسطة الـ" زوم "، ونحن الآن نتحدّث بنفس اللغة، ولا فارق بيننا. ولو نحلل هذه النقطة ونتفكّر فيها، سنجد أنّ العلاقة بين التجانيين تُمِدّ الأجساد بطاقةٍ مُوَحِّدة تدفعهم جميعا إلى نفس الوجهة، فنتعارف جميعا حول صلاتنا وبتوجّهنا نحو شيخنا سيدي أحمد التجاني والنبيّ صلى الله عليه وسلم، أيّ نحو الله. هناك نجد قيم سيّدنا محمّد صلى الله عليه وسلم، أيّ قيم الإسلام الحقّة، الإسلام الوسطي الذي كان زمن النبي صلى الله عليه وسلّم. والحمد لله بجميع صيغ الكلام.
إنّنا نجد هذه العلاقة عبر الجسور المختلفة الموجودة التي تجمعنا كلّنا بصفتنا تجانيين، وهو ما يُطلق عليه اسم " الدبلوماسية الدينية "، وأحسن منها تسميتها بـ" الدبلوماسية الروحية "، وهي تتألّف من مفهوميْن: دبلوماسية، تمثّل العلاقة بين البلدان المختلفة أو التكتّلات القائمة بين الدول كأوروبا وأمريكا والقوانين المصادق عليها التي تشرف على إدارتها الوزارات والقنصليات الخ... . والمفهوم الثاني هو " دينية " أو " روحية "، نجد فيها طريق التجانيين ومشاربهم المختلفة، كالتجانيين المغاربيين القريبين من بعضهم، وفي المغرب نفسه المشرب البعقيلي الذي يمثله سيدي محمد الحبيب، والمشرب النياسي في السنيغال وإفريقيا الغربية والصحراء الكبرى، وكذلك المشارب الأسيوية الخ... . لكن لكلّ هؤلاء نقطة مشتركة، وخطّ مشترك، لا خلاف فيه، وهو أنّهم تجانيون، ووجوب أن يكونوا مسلمين أسوياء. والحمد لله.
إنّ هذه الدبلوماسية على خلاف الدبلوماسية الدولية الخاصة، لا تنتمي إلى أيّ مؤسسة ولا تخضع إلى مثل تلك الحدود، وعلاقة المريدين فيها علاقةَ مَنْ عرفوا بعضهم بعضا منذ الولادة إلى اليوم ومَن يعمل تحت نفس المبدإ، ورجاؤنا أنْ يمتدّ ذلك إلى الغد. إنّنا، بحمد الله، نعمل على تقوية هذه الوحدة بمحاولة تقريب الثقافات المختلفة، المغاربية، الأفريقية، الأوروبية، الأسيوية، والأمريكية، لنجد أنفسنا موحّدين خلف سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم، على غرار ما كان عليه أصحابه معه أثناء دعوته للإسلام، وفي غزواته وفتوحاته، الذين تجمّعوا - كلّهم – وراءه لأنه صلى الله عليه وسلم هو الرجل المنصور والمحفوظ، وأنّ اقتفاء أثره وسماع أوامره وتوجيهاته يعني أنّ كلّ المجموعة ناجية ومنصورة. وفي زمننا الحالي، وبتفعيل هذه الدبلوماسية، والْتِزام خط النبيّ صلى الله عليه وسلم، فإنّ قيمنا سيتمّ إسقاطها على المستقبل لتحقيق النجاح ولنكون قادة.
ولذا، فإنّ ما تقومون به في كندا هو ثمرة ما ورثتموه عن أسلافكم من مواطن إرساء المبدإ مع المفاصل الموجودة بين الثقافات المختلفة، وهو ما تعيشونه بأنفسكم في كندا وأوروبا وأمريكا، حيث كلّ التجانيين وكلّ المسلمين يتجمّعون برغم اختلاف ثقافاتهم وألسنتهم وطرائق ملبسهم، وكلّ شيء، لكنهم يتعارفون بمنهجيةٍ بواسطة مبادئهم ووحدتهم.
فعلينا تطوير الإنسان ومساعدته كإنسان بترجمة المفهايم الإسلامية والقيم التي تركها لنا الأسلاف وبثّها في شباب اليوم، وخاصة شباب المستقبل وذلك يتطلّب منّا مجهودا وخطابا بلغة اليوم والألفية الثالثة، لأنّ شبابنا سيستعملون وسائل مختلفة في الحياة والتربية والعمل، ووسائل أخرى على المستوى الروحي، وهو ما يسمّى المجايلة. علينا نحن الذين في الوسط بذْل المجهود وتجسيد ونقْل ثقافتنا للشباب، ومن أهمّ الوسائل لذلك هو ما نراه حاليا من تقنيات التواصل والإرسال، وإنّ الذين سيأتون قريبا هُم أمهر منّا في استعمالها بطبيعة الحال.
هنا، يتبيّن أنّ الكلام عن الآخرين صعبٌ نوعا مّا لأنّه يتوجّب علينا ترجمة ونقْل ما هو مدوّن في صحف الأسلاف بلغة أبنائنا المستقبليين ليتطوّر النقل ويتطوّر الإسلام أكثر لكن ضمن حدود قيمه الحقيقية في ما يخصّ الإنسانية، وإنقاذ الإنسان بصفة عامّة من مفاهيمه وأفكاره الرديئة. وإنّي أرى أنّ العبء الذي سيقع على التجانيين هو الثقل الأكثر شدّة، وعلينا كلّنا أن نتّحد حول هذا العبء، أنْ نتّحد حول الطريقة، أنْ نتّحد حول الإسلام، لإنقاذ صورته لأنّه في الحقيقة إسلام الجميع، الذي بدأ بسيّنا إبراهيم والذي لن ينتهي أبدا، والذي أضاف إليه سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلّم حركية وطاقة إضافية لتطويره، وعلينا نحن المواصلة تحت قيادته عليه الصلاة والسلام والشيخ سيدي أحمد التجاني، وتحيين وبعث تلك الجسور التي أقامها أسلافنا لإمدادها بطاقة أكثر.
لا أريد أن آخذ وقتا أكثر على الخط لأنّي أعلم الكثير يودّ المشاركة، وهذا سيدي الحبيب صاحب حمْل ويجب إعطاؤه الوقت هو أيضا، والوقت ثمين علينا كلّنا أخذه بعين الاعتبار، ولنجتهدْ لاستغلاله في كلّ مراحل الحياة المختلفة، وعلى الجميع المساهمة في بناء هذا الملتقى، وفي كلّ ملتقى.
الحمد لله، إنّه شهر الرسول صلّى الله عليه وسلّم، وهو الشهر الذي فيه أحيا المسلمون والتجانيون بكلّ حماسة قيم سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم، وتلك واحدة من مفاصل قيمه صلى الله عليه وسلم، وعلينا تطويرها.
أشكركم كثيرا، وأشكر الجميع، وقد شرَّفَتْني دعوتكم لي كثيرا، وأرجو أن نلتقي أكثر، ولِمَ لا في لقاءاتٍ حقيقية في المستقبل.