قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ
عشرة آلاف مرة ، ثمّ تحرّكتْ وانتبهتْ ، فلم تعمل يدي مدّة .
وقيل في المعنى :
وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
: " ومن الوالدين المشايخ الصوفيّة ، وإحسان المريدين إليهم وضْع أعناقهم عند ساحتهم بنعت ترْك مخالفتهم في جميع الأنفاس مع نشر فضائلهم عن الخلق والدعاء لهم بمزيد القرب . وقال : قال الجنيد : أمرني أبى بأمرٍ ، وأمرني السريّ بأمر ، فقدّمْتُ أمْر السريّ على أمر أبي ، وكلّ ما وجدتُ فهو من براكاته " . اهـ .
وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا
: الإحسان بالوالدين إحترامهما وإجلالهما بإحترام الله تعالى وإجلاله . وأشياخ الطريقة والدون لأهل الإرادة ، والاحسان بهم متابعةُ أمْرهم لمحبّة الله تعالى .
يَوْمَ نَدْعُوا كُلَّ أُنَاسٍ بِإِمَامِهِمْ
:
وأيضا يَدْعُ المريدين بأسماء مشايخهم ويدعوهم إلى منازلهم . اهـ .
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
:
ألحقنا بهم تفضّلا ذرّيتهم وإن لم يكن لذريّة أعمال لأنّه لعينٍ يجازي ألف عينٍ وتُكرم . قال والذرّيات هنا تصدق على الآباء وعلى الأبناء ، وإنّما المؤمن إذا كان عمله أكثر أُلْحِقَ به مَنْ دونه في العمل آباءً كانوا أو أبناءً وهو منقول على ابن عباس وغيره . ويلحق بالذريّة من النسب الذريّة بالسبب ، وهي المحبّة ، فإنْ كان معها أخْذ علم أو عمل كانت أجدر ، فتكون ذريّة الإفادة كذريّة الولادة لقول صلّى الله تعالى عليه وسلّم :
«
المرء مع من أحبّ
»
في جواب من سأل عمّن يحبّ ولم يلحق بهم . هو يؤيد ما تدّقم أنّ صاحب العرائس قال عند قوله تعالى
آَبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا
: أشكل الأمر من تلك الطائفتين أيّهما تبلغ إلى درجة الولاية والمعرفة الموجبة مشاهدة الله وقربه التي لو وقعت ذرّة منها لأحد من هذه الأمّة لنَجَوْا بشفاعته من الناس سبعون ألفا بغير حساب أيّ ، أخدموا آباءكم وأرحموا أولادكم فربّما يخرج منهم صاحب الولاية يشفع لكم عند الله تعالى . قال وحكمة الإبهام هاهنا لتشمل الرحمة والشفقة على الجمهور لتوقّع ذلك الوليّ الصادق . قال : قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : "
لَا تَدْرُونَ أَيُّهُمْ أَقْرَبُ لَكُمْ نَفْعًا
أطوعكم لله عزّ وجلّ من الآباء والأبناء أرفعكم درجة يوم القيامة لأنّ الله سبحانه وتعالى يُشَفِّع المؤمنين بعضهم في بعض ، فإنْ كان الولد أرفع درجة من والديه رفع الله والديه إلى درجته لتقرّ بذلك عينه ، وإنْ كان الوالد أرفع درجة من والده رفع الله الولد إلى درجته لتقرّ بذلك أعينهم . اهـ .
ويشهد لما قلنا أيضا أن صاحب العرائس قال عند قوله تعالى
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
:
هذا إذا وقعت فترة الذريّة من العدم سليمة طيّبة طاهرة مستعدّة لقول معرفة الله ولم تتغيّر من تأثير صحبة الأضداد ، لقوله عليه السلام :
«
كلّ مولود يولد على الفطرة حتّى يعرب عنه اللسان فأبواه يهوّدانه أو ينصّرانه أو يمجّسانه
»
. فإذا بقيت على النعت الأوّل وصل إليها فيضُ مباشرةِ نورِ الحقِّ ولم يتمّ عليها الأحوال والأعمال ليوصلها الله تعالى إلى درجات آبائهم وأمّهاتهم الكبار من المؤمنين إذ هناك تمّ أرواحهم وعقولهم وقلوبهم ومعرفتهم وعلمهم بالله عند كشف مشاهدته وبروز أنوار جلاله ووصاله . قال وكذلك حال المريدين عند العارفين يبلغون إلى درجات كبراهم وشيوخهم ، فآمنوا بأحوالهم وقبلوا كلامهم كما قال رويم قدّس الله تعالى روحه : " مَن آمن بكلامنا من وراء سبعين حجابا فهو من أهله " ، وقال النبيّ صلّى الله عليه وسلّم :
«
من أحبّ قوما فهو منهم
»
، وقال سبحانه وتعالى :
وَمَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَالرَّسُولَ فَأُولَئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ
. ولا تعجب من ذاك فإنّه تعالى يبلغهم إلى أعلى الدرجات ، فإذا كانوا في منازل الوحش يَصِلُون إلى الدرجات العليا فكيف لا يَصِلُون إليها في مقام الوصلة . اهـ .
يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ وَاخْشَوْا يَوْمًا لَا يَجْزِي وَالِدٌ عَنْ وَلَدِهِ وَلَا مَوْلُودٌ هُوَ جَازٍ عَنْ وَالِدِهِ شَيْئًا
، ومن جهة انضمام ولادة القلب مع ولادة الجسم قال مولانا سبحانه وتعالى :
وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمَانٍ أَلْحَقْنَا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
، وهذا صريح في رفع الورد من درجات الوارد ، وأمّا رفع المريد أو التلميذ إلى درجة الشيخ ، فإمّا لولادة القلب وإمّا لكون الولد إذا كان صالحا أو وليّا وكان الوالد من كبار الأولياء فانضمّت ولادة الجسم إلى ولادة القلب فإنّ مرتبته لا يلحقها غيره غالبا إلاّ أنّه عزيز الوجود ، فلذلك قلّ أن يُرى وليّ كبير أو عالم عامل متبحّر متضلّع من جميع العلوم ابن عالم كذلك حتّى ضرب العلماء لِقِلَّتِه المثل لكلّ ما لا يوجد لعزّته ولما ذكرنا ، قال ابن عطاء الله رضي الله تعالى عنه في لطائف المنن ، لمّا ذكر ولادة الجسم وولادة القلب ، قال : " إنّ تلك الأبوّة تفتقر إلى هذه ، وهذه لا تفتقر إلى تلك " . كما سيأتي في آخر هذا الفصل إن شاء الله تعالى .
وقال في الخلاصة المرْضِيّة : " فالمشايخ لمّا اهتدوا وأُهِّلُوا للإقتداء بهم وجُعِلُوا أئمّة للمتّقين فيسوس الشيخ نفوس المريدين كما يسوس نفسه من قبل بالتأليف والنصح ، فبذلك يصير المريد كالجزء من الشيخ كما أنّ الولد جزء من الوالد في الولادة الطبيعيّة ، وتصير هذه الولادة الثانية ولادة معنويّة كما ورد عن عيسى عليه السلام : ( لن يلج ملكوت السماء من لم يولد مرّتيْن ) . وصدق اليقين على الكمال يحصل لهذه الولادة وإبهام يستحق ميراث الأنبياء ، ومَن لم يَصِلْهم ميراث الأنبياء فما وُلِدَ . فمن المشايخ من كثر أولاده ويأخذون عنه الأحوال ويدعونها غيرهم كما وصلت إليهم من النبيّ صلّى الله عليه وسلّم بواسطة الصحابة ، ومنهم من تقلّ أولاده ، ومنهم من ينقطع نسله " . اهـ . فقال محمد بن السيّد المختار الكنتي رضي الله تعالى عنه ، مجيبا من سأله : " وأمّا حديث
«
من علّمك حرفا فهو مولاك
»
فصحيح صريح في تعظيم حرمة المعلّمين ووجوب توقيرهم وبرّهم والإحسان إليهم وإنافة منزلهم والتنمية بمكانتهم وإنزالهم من المتعلّمين منزلة الموالي الواجب احترامهم وخدمتهم على العبيد المتعيّن عليهم الإجلال بمواليهم كما يشهد لهم حديث " بجّلوا المشايخ فإنّ تبجيلهم من تعظيم جلال الله " . على أنّهم متفاوتون في الرتب ، فمرتبة معلّم الخير دون مرتبة المربّي إذِ المعلّم إنّما هو مرشد إلى إقامة رسوم التعبّد برعاية حدود الشريعة الظاهرة وإقامة الأحكام المتعلّقة بالحلال ، والمربّي مرشدا إلى الإخلاص في التعبّد والقيام بحقوق العبوديّة وتهذيب الأخلاق وتنقيح الأحوال وتزكيّة الأعمال وتخلية النفوس من العيوب والأكدار وتحليتها بنفائس الأسرار والأنوار وتصفيّة القلوب من الحجب المانعة لها عن مطالعة الغيوب ، فهذا الشيخ الوارث لنبيّه ، الراشد الداعي إلى السنن ، المستقيم والمهيع السديد ، المخرج من ظلمات الأهواء المضلّة والآراء المزلّة إلى أنوار التوفيق ومسالك التحقيق ، فالأوّل دون الوالد في رتبة البرور والثاني أرفع منه وأولى بالبرّ والتوقير من وجوه أغفلناها خوف التطويل ، وإلى هذا يشير سيّدي علي حرازم رضي الله تعالى عنه في جواهر المعاني حيث قال : إعلم أنّ أولى ما تتعلّق به المعرفة والدراية وتجب المحافظة لمكانه والرعاية مَن أتتك على يديه نتائج الهداية وواجهتك منه بإذن الله العناية إذ هو الأب والوالد وأحقّ من كلّ نسب ، وتالله حيث كان لك السبب في مداد إجادات ونيل مدد السعادات ، فكان السبب في إخراجك من عدم الجهالة إلى وجود المعرفة ، فيك حاله ومن مكان الغفلة والسدود إلى مكان التوجّه والورود ، ومن مواطن الغوايا إلى منزلة الهدايا ، ومن ظلمات المخالفة والعصيان إلى أنوار المتابعة والرضوان ، ومن موقف الجفا والبعاد إلى كنف القرب والوداد ، ومن درك القطيعة إلى درجة الوصل الرفيعة ، ومن محلّ الإشراك والإمداد إلى مقام التوحيد والإفراد ، فنقلك من وجود حسيّ إلى وجود قدسيّ ، ومن وجود نفسانيّ إلى وجود رحمانيّ ، ومن وجود كالعدم إلى وجود راسخ القدم ، فأنزلك في هذه المنازل المنيفة وأشرق عليك نور الحقيقة ، فصرت موحّدا حقيقيّا وفزت فوزا أبديّا ، فكانت الولادة المعنويّة أنفع من الولادة الحسّّيّة ، وأحقّ منها رعاية ، وآكد منها درجة ، وأقرب منها حسبا ، وأوصل نسبا ، كما قال ابن الفارض رضي الله عنه :
الفصل التالي >>