نفحات7 - نوافذ على الحقّ ـ حجاب المعاصرة
الرّئيسيـة > نـوافـذ على الحـق > حجاب المعاصرة


بقلم : محمود سلطاني 18/06/2023

حجاب المعاصرة مِن أكثف الحجب المعيقة لوصول حقيقة الوليّ إلى المحيطين به، والسبب هو أنّ أغلب معلومات الناس عن بعضهم البعض منحصرة في ما يُبدونه مِن سلوكهم الظاهر. فبرغم المعاشرة التي يمكن أن تدوم لعشرات السنين، يشهد الكلّ خلالها جميع مراحل حياة أقرانهم ومَن هُم أكبر منهم ومَن هُم دونهم، ويتقلّبون في نفس البيئة والتقاليد، ويتربّوْن على نفس منظومة المفاهيم الخاصة، لكنّهم يبقوْن عاجزين عن تخطّي الدوائر الخصوصية لكلّ فردٍ فيهم مهما كانت صلات القرب بينهم متينة. غاية ما يوفّره اختلاف العلاقات الحميمة، اختلافا في مسافة القرب من الدائرة التي لا سبيل لاقتحامها. معنى هذا، أنّ شكل ومضمون حياة أهل العصر تخلو -أو تكاد- من الإثارة العنيفة والتأثّر الاستثنائي، بسبب التدرّج في نشوء التعارف الظاهريّ المتبادل بالتفصيل المفضي إلى الرتابة.

فإذا ظهرتْ على رجلٍ من القوم ميزة ترفعه إلى مصافّ أهل الاصطفاء، فإنّ ردّة أفعال أكثرهم تتأسّس حصريّا على ما اختزن في ذاكرتهم من معلومات سابقة عنه، وعهدهم بتلك المعلومات أنّها لم تتجاوز يوما المعروض من ظاهر صفاته وسلوكه وتكوينه. ثم يعقدون المقارنة بهم أنفسهم، فلا يرون إلاّ "فلانا" الذي نشأ بين ظهرانيهم، يأكل ممّا يأكلون منه ويشرب ممّا يشربون، فيصعب عليهم تصديق أن يحوز كلّ تلك الأفضلية.

هذه المشكلة من صنف المشاكل التي تنشأ عن الانحراف المفاهيمي، حين يصدر حكمٌ مع إسقاط أهمّ القرائن، وذلك لا يجوز. والأدهى، أنّ عالم لانحراف المفاهيمي لا ضوابط فيه، تتسلّمه التصوّرات من كلّ لونٍ لقمةً سائغة تسدّ على أصحابه جميع منافذ الصواب والموضوعية. كيف لا، والأمر منذ بدايته ابتدأ مشوّها.

وكان الواجب هو إعطاء كلّ ذي دورٍ دوره، بالنظر، أوّلا، إلى الظاهر البشري المشترك على أنّه من مشيئة الله وحكمته التي لم يشذّ عنها حتّى أكمل الرسل عليهم السلام، وقد أوجدها الله تعالى لأجل الإعمار والعبادة والتكامل الاجتماعي. ثم بالنظر، ثانيا، إلى الدائرة الخاصة الشخصية للإنسان، موطن النوايا ومحل موازين نظر الله العادلة وينابيع أفضاله الدائمة.

في نظر أكثرية الناس فإنّ ظاهر الفرد يعكس كلّ شيء فيه. وهذا خطأ، فهو لا يعكس سوى القليل من باطنه لأنّ معظم صفاته معنوية، ولا يبرزها عيانا سوى الظروف التي تحتّم نمطا من السلوك والتصرّف. ثمّ أنّ ما في البواطن قد يكون في حالة كمون، ولا يعلم أحد به، حتّى صاحبه. هو كالبذرة المطمورة في التربة لا دليل على وجودها حتّى ينزل عليها الغيث من السماء فتطلّ من تحت الأرض خلقا آخر. وهذا هو مفهوم التغيّر الذي يطرأ على الإنسان، ويجعل أرباب القلوب يصبرون على كلّ مخلوق ما دام حيّا ولو كان منحرفا.

وكان سيّدي احميْده يمبعي رضي الله عنه يوصينا دائما بقوله: "في مثل هذه المواقف، يجب اعتبار الشخصية لا الشخص". أمّا الذي يعتمد على ما تقترحه تصوّراته الخاصة لوضع معيار الولايةِ، ثمّ يبني قبوله أو تسليمه على ما يناسب مقاس قناعته الشخصية، هو أنموذجُ المحجوبِ الساقطِ في هوّة الفتنة السحيقة. وكأنّ على الوليّ أن يستشير الرعاع حين يرقّيه الله إلى بساطه ويكرمه، ويتجرّد من صفاته الفطرية، لتحيط به الخوارق عند كلّ خطوة، كي يُقبَل في زمرة الأولياء.

هؤلاء ينحتون على هواهم حقيقة الوليّ تحت سلطان أفكارٍ كثيرة، ومنها فكرةِ أنَّ الولاية الحقَّة هي من استحقاقات رجال الماضي. ولن نظلم الماضي، لأنّ فيه حقّا مِن عيّنات العظمة المذكورة ما لا يُعَدّ ولا يُكيّف، لكننا نرفض قاعدة تقديس الماضي لذاته لدرجة التعسّف وعدم إنصاف الحاضر، وحرمانه من كلّ منقبة وفضيلة. نرفض ما يردّده الكثير بحسرةٍ معلنة: " لقد ولّتْ أيّام الخير مع أهلها يوم أنْ كانت الكراماتُ تحدث جهارا نهارا ". وهذا كلام لا يصدر إلا عن عقولٍ سخيفة، لأنّ الماضي هو صورة اليوم في الغد، أيّ هو العصر الراهن بعد خمسين سنة أو قرْنٍ. وقد حصل في أحداث الماضي، الذي يمجّده هؤلاء، نفسُ ما يحصل اليوم ممّن شابههم. هُم أيضا قارنوا أحوالهم بأحوال أسلافهم. وسيأتي، كذلك، في المستقبل متنطّعون جُدُد يستنقصون رجال عصرهم، ويردّدون نفس الشعارات، والأغرب، أنّهم سيُزكّون - بهواهم - حاضرنا المنبوذ من أهله اليوم، ويتحسّرون عليه ببلاهةٍ وغباءٍ: " آآآه، على زمنٍ كان الناس يسعوْن فيه سعي الملائكة في سلوكهم وعقيدتهم في الشيخ رضي الله عنه ".

فكيف يكون نفس الأمر باطلا ممقوتا اليوم، ثم تُكْسبُه السنون والتاريخُ درجاتٍ من الحقّ الخيالي، وكأنّه قطعة أثرية أو مستحثّة "ديناصور"، تزداد قيمتها عند علماء الحفريات كلّما انهالت عليها طبقات الغبار؟

ميزان الحق ليس الزمن، وإنما ميزانه هو سنن الله في خلقه، وهي سنن سارية - كما كانت - على نفس المنوال، ولا دخل لتعاقب الليل والنهار في سريانها. ولذلك فإنّه ليس لعصر أفضلية على آخر إلاّ حين وحيث يصدر القرار الإلهي بوقوع الاصطفاء. إنّ أيّ حكم يُسقِط أهمّ الروافد الخفيّة التي يكون العدل بها عدْلا ومقوّماته، هو مجرّد حكم انطباعي انفعالي عاطفي وعبثيّ لا اعتداد به. وأوّل ضحاياه الدائمين هو الـ"حاضر"، لأنّ تفاصيل حياة الكلّ فيه ودقائقها الظاهرة معلومة، على كثرتها، للكلّ، ولا مناص من تعرّض الجميع للنقد والهمز واللمز المتبادل، عكس الـ"ماضي" الذي ولّى ولم يترك للأجيال مِنْ نَبَئِه سوى القليل. إنّ الـ"ماضي" بالنسبة للـ"حاضر" هو بمثابة الصورة الواحدة الملتقطة ((Capture d’écran ;screenshot بالنسبة للفيديو الطويل الذي تراكمتْ خلاله المشاهدُ وتنوّعتْ. نريد القول بأنّ شحّ المعلومة المتعلّقة بمتغيّرات حياة الذين مضوا، وتقلّبات سلوكهم أثناءها، يوقظ في نفوس الأخلاف مصادر التخيّل فيكملون ما نقص وغاب كما يمليه عليهم مزاجهم من مادّة ما يتولّد في روعهم من تصوّرات، لكن لا صلة لها بواقع مَن تُنسَب له.

هنا الخلل الفادح، لأنّه لا يصحّ الحكم على ماضٍ بأكمله انطلاقا من تعميم الحكم على جزئيةٍ منه أو موقفٍ منفصل فيه، سواء كان صالحا أم طالحا. ما ينسبه هؤلاء للماضي هو انعكاس لقبح وقصور تفكيرهم، ولا صلة له بالماضي بصفته سلسلة من الوقائع المتغيّرة المتنوّعة، المؤثّرة والمتأثّرة عند ارتفاعها وعند نزولها.

فإنْ كان الماضي متعلّقا بسيرة وليّ مقرّب، فإنّ أولئك "القضاة" لن يكتفوا بتلقّي ما وصلهم من أخبارِ صلاحِه وكراماته، وعظمةِ أخلاقِه وبركاتِه، ولكنهم يطلقون العنان لخيالهم وراء الخبر فيمنحونه صفاتٍ إضافية، أقلّ ما يقال عنها أنّها محاولات لإظهاره بدون بشريةٍ، وكأنّهم يتحرّجون مِن أن يكون صاحبُ كلّ تلك المناقب الربانية إنسانا مثلهم يجري عليه ما يجري على باقي الناس العاديين. يحجب التوقير والتقدير والولاء عنهم أنّه عاش عُمرا كما يعيشون في أيامهم، فينساقون وراء المقارنة بين الحاضر والماضي، ويستقرّ بخلدهم أنّ الماضي قد استحوذ على جميع المكرمات والكرامات وأفذاذ الرجال، وكأنّهم فقدوا الأمل في أن يروا في العصر مَن يضاهيهم. ينسى هؤلاء أنّ تلك الكرامات الكثيرة التي يطّلعون عليها مجموعة بين دفتيّْ كتابٍ، قد حدثت متفرّقة على مدار قرون على أيدي عشرات الرجال، وجاء من تطوّع وجمعها حتى لا تندثر وينتفع بها الناس في المستقبل.

معضلة حجاب المعاصرة عانى منها، أكثر ما عانى، أنبياء ورسل الله عليهم السلام، وكانت مواقف كلّ من رضيَ بالكفر هي:
وَقَالَ اَ۬لْمَلَأُ مِن قَوْمِهِ اِ۬لذِينَ كَفَرُواْ وَكَذَّبُواْ بِلِقَآءِ اِ۬لَاخِرَةِ وَأَتْرَفْنَٰهُمْ فِے اِ۬لْحَيَوٰةِ اِ۬لدُّنْي۪ا مَا هَٰذَآ إِلَّا بَشَرٞ مِّثْلُكُمْ يَاكُلُ مِمَّا تَاكُلُونَ مِنْهُ وَيَشْرَبُ مِمَّا تَشْرَبُونَ ٣٣ وَلَئِنَ اَطَعْتُم بَشَراٗ مِّثْلَكُمُۥٓ إِنَّكُمُۥٓ إِذاٗ لَّخَٰسِرُونَ. (المؤمنون).
وَقَالُواْ لَوْلَا نُزِّلَ هَٰذَا اَ۬لْقُرْءَانُ عَلَىٰ رَجُلٖ مِّنَ اَ۬لْقَرْيَتَيْنِ عَظِيمٍۖ . (الزخرف).
وَإِذَا تُتْل۪ىٰ عَلَيْهِمُۥٓ ءَايَٰتُنَا قَالُواْ قَدْ سَمِعْنَا لَوْ نَشَآءُ لَقُلْنَا مِثْلَ هَٰذَآ إِنْ هَٰذَآ إِلَّآ أَسَٰطِيرُ اُ۬لَاوَّلِينَۖ. (الأنفال).

تلك آفة من أقوى آفات النفس البشرية التي تولد مع الجميع، وينطلق بثّ منطقها الخاص تلقائيا. لقد جعلها الله من جند معسكر الامتحان، ولذلك جعل مقاومتها واجبا للحدّ من أضرارها، وإنّ أفضل وسيلة للتصدّي لها، ولأمثالها من الصفات الفطرية السلبية، هي اكتساب معرفة صحيحة ومتينة بها وبأساليب تخفّيها أثناء زحفها.

من حاز تكوينا مكتملا قائما على الحقّ الرباني فقد تحصّن من غوائل الباطل والسخافات، وسار على بصيرة على أيّ أرضٍ وأيّ زمان.
وفي الأخير، نذكّر من قَبِلَ منّا التذكير، بقول مولانا القطب المكتوم رضي الله عنه في جواهر المعاني:

(إعلم أنّ الله سبحانه وتعالى جعل في سابق علمه ، ونفوذ مشيئته ، أنّ المدد الواصل إلى خلقه من فيض رحمته يجري في كلّ عصر مع الخاصة العليا مِنْ خلقه مِنَ النبيّين والصدّيقين ، فمَنْ فزع إلى أهل عصره الأحياء من ذوي الخاصة العليا ، وصحِبَهم ، واقتدى بهم ، واستمدّ منهم ، فاز بِنَيْل المدد الفائض من الله تعالى ، ومن أعرض عن أهل عصره مستغنيا بكلام مَن تقدّمَه من الأموات طُبِعَ عليه بطابع الحرمان ، وكان مثله كَمَنْ أعرض عن نبيّ زمانه وتشريعه مستغنيا بشرائع النبيّين الذين خَلَوْا قبله فيُسجَّل عليه بطابع الكفر ، والسلام).