تحمل الرؤية المستقبلية لمولانا الخليفة، رضي الله عنه، إرهاصاتِ تغيير عالميّ جذريّ على جميع المستويات، تأخذ بمقتضاه الحضارة البشرية منعطفا عظيما يفصلها بصفةٍ شبه كاملة عن مسرحها الذي اعتادتْه وظلّتْ ردحا من الزمن تلعب عليه أدوارا من نفس النمط، وإن اختلفتْ في بعض جزئياتها.
ينتظر العالم، منذ اليوم، ثورة عارمة داهمة لا مناص من حلولها، تقطع كلّ صلة مع ممارسات الماضي السلبية التي بلغت أقصى قيمها وآثارها، ولم يعُدْ للإنسانية سعة لتحمّل أعبائها أكثر. إنّها ثورة رفضٍ، وباقتناعٍ جماهيريّ شاملٍ، لمنظومات الفساد الممنهج الذي طالما سوّق نفسه على أنّه طريق الأمل والانعتاق الوحيد، واستنفد حقّه كلّه في الطمع في فرصةٍ إضافيةٍ بعد كلّ التجارب المريرة التي أثبتت للبشرية أنّها الطريق الخاطئة ولا يُرتَجَى من مواصلة السير فيها سوى مزيد من إهدار الجهد والوقت والمصالح. إنّها لحظة التوقّف المحتومة للمُنهَك الذي لم تعُدْ تسعفه قوّاه على التقدّم خطوة واحدة باتّجاهٍ مُعيَّنٍ، وهي نفسها لحظة اتّفاقٍ جماعيّ عن غير موعدٍ للبحث عن البديل الأفضل.
إنّها خيبة الأمل العظمى التي تجتاح الأرواح والأنفس والعقول فتصيبها بشللٍ تامٍّ يضعها في موقفِ مَنْ يتهدّدهُ الفناء إنْ لم يُغيِّرْ وجهته على الفور.
تلك ظروفٌ تكون فيها البشرية في أدنى رصيدها الأخلاقيّ والمعنوي، فتتصرّفُ تصرّفَ العطشان الذي لا يشغله سوى الإسراع إلى أوّل مصدرٍ ينقذه بجرعةِ ماء، ولا تجد أمامها سوى الروحانيات الجامعة بين الروح والعقل والجسد، القائمة على صورة الصدق في المعاملات الفردية والاجتماعية، ممارسة فعليّة لا نفاقا وزيفا.
إنّها صحوة البشرية الحقيقية بفعلِ ما ألَمَّ بها من آلامِ الابتعاد عن الله وتعاليمه، وما نتجَ عن تجاهُلِ سننه الراسخة في كونه من مُعاناةٍ مزمنةٍ، أظهرتْ للجميع، بما لا يَدَعُ مجالا للشك، أنّ السيطرة الفعلية في الحياة والمصائر قد استقرّتْ في يدِ الفوضى من كلّ صنفٍ.
وبقدْر ما كانت تلك الكروب عقابا عادلا من الله، كانت، في نفس الوقت، تمهيدا للعودة إليه عن بصيرة وقناعة وعلمٍ وتجربةٍ. لقد كان الله تعالى يُغلِق البابَ تلو البابِ أمام خلقه كلّما تمادوْا في الانحرافِ والكفر بما أنزل من أوامر ونواهي، حتّى يئسوا من منهجهم واعترفوا بعدم جدواه، وأقرّوا بفداحة خساراتهم بإصرارهم على المكابرة والجحود والإدبار عن نور الحقّ الذي لم يحتجبْ أبدا. وبديهيٌّ أنّ أوّل مَنْ يلجؤون إليه هو الأكثر استعدادا لنجدتهم وتخليصهم ممّا هُمْ فيه من الفتن في أقصر مدة.
هذا هو المشهد المستقبليّ للإنسانية الغارقة اليوم في طوفان إفلاسها الروحاني والأخلاقي والفكريّ. ومن أجل التأهّب المناسب لمثل هذا التحوّل يدعو مولانا الخليفة، رضي الله عنه، أحباب الشيخ بأسلوبٍ استنفاري ملحّ، لأنّ المهمّة ستكون بأبعادٍ قيادية تناط بالطريقة التجانية وبكلّ مَن رضيَ بخدمة الحقّ من أهل الفضل من المسلمين أو مِن غيرهم.
ذلك ما جعلني، بفضل الله، أدرك أبعاد تصريحاته الدائمة عن قيمة العلوم وإتقان اللغات، وحُسْن استغلال وسائل التواصل الاجتماعي، ودعوته إلى إعداد الإطارات التجانيين في كلّ التخصّصات المعرفية، وحرصه على توخّي كلّ مساحةٍ مشتركةٍ مع خلْقِ الله (تجاني، صوفي، مسلم، كتابي، إنسان). وكان البُعدُ الأبرز في خطابه هو الاهتمام الدائم والمركّز على النشء والشباب، في تربيته وإعداده وتزويده بالأسباب الظاهرية والروحية على منوالٍ لا يدع غموضا في طبيعة المهمّة المستقبلية التي ستُظِلُّ العالم بثقل متطلّباتها ومسؤولياتها.
إنّها العالمية الحقّة هذه المرّة، والتي طالما حلم بها المفكّرون والفلاسفة من كلّ الأجناس، والتي قَصُرَ حبْلُها مع كلّ تجربة لأنّ أسسها الواهية ناءتْ بها، فانهارت، مخلّفة وراءها الدمار والبلاء والمظالم.
إنّها عالمية القرن الأوّل للإسلام التي أحدثت الانقلاب الإنساني الكامل الشامل من ظلمة تغوّل الشيطان والنفس إلى نور الحق. وانسقتُ وراء الحال أتقفّى تاريخ السلف الصالح، وحضرتْ بين يديّ شواهدٌ من الأقوال ذات صلة بما يريد مولانا الخليفة رضي الله عنه لفْتَ رقابنا إليه. تذكّرت ما ورد عن شيخنا سيّدي أحمد التجاني رضي الله عنه: (تأتي في آخر الزمان فيضة يدخل الناس في هذه الطريقة أفواجا أفواجا)، وقوله رضي الله عنه: (كلّما علا الكفر إلا وعلَتْ هذه الطريقة في وجهه ومواجهته)، وتصريحه بأنّ الإمام المهديّ، الذي يملأ الأرض عدلا كما مُلئتْ جورا، تجانيٌّ. انتهى كلامه رضي الله عنه بالمعنى.
ثمّ استرسلتُ صًعدا إلى عصر النبوّة، وتذكّرتُ بشرى مولانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم يوم الخندق حين أعلن عن فتوحاتٍ مستقبليةٍ شملتْ أعظم الممالك والامبراطوريات القائمة في زمانه، بينما كان هو والمسلمون يمرّون بظرفٍ لا يوحي ظاهره بأدنى إشارة إلى ما بشّر به. والعبرة، أنّه حين يتمّ النظر إلى الأحداث بنور الله، فلا عجب أن يغيب منطق الحسابات الظاهرية الخاضعة للمعلوم من منطق المقدّمات والنتائج. وكان هذا الأنموذج النبوي في الإخبار خير مُعينٍ لي على تبيّن ما أشكلَ عليّ في تصريحات شيخنا رضي الله عنه من قبل.
وكانت لي، أيضا، وقفةٌ تأمّليةٌ في حديث سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم مع سيّدنا جبريل عليه السلام حين جاءه وسأله عن الإسلام والإيمان والإحسان، وكيف أنّه سأله بعده عن الساعة، وما كان من إجابةٍ، ذَكَر فيها مولانا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم أشراطها. فلماذا جاء سؤال جبريل عن الساعة بعد الإحسان بالذات؟ ولماذا لم يسأل عن شيء آخر أشدّ أهميّة منها في ذلك الوقت؟ قلت في نفسي: لا بدّ وأنّ هناك صلة خاصة بين الإحسان وأشراط الساعة، وأنّ تلك إشارة إلى تلازُمِهِما وتفاعُلِهما الحتميّ على وجهٍ من الوجوه. إنّ الإحسان، الذي هو قمّة الإسلام والإيمان، هو الذي تُسْنَد إليه مهمّة الحفاظ عليهما في زمنٍ تكون الساعة قد اقتربت، وبلغ حينها الفساد الديني والأخلاقي أوجَهُ.
ولا يوجد في آخر الزمان مَن يمثّل مرتبة الإحسان، على أكمل صورة، غير طريقة ختْم الأولياء، الشيخ سيّدي أحمد التجاني، رضي الله عنه.
مجتمعاتٌ بأسرها تتوقُ إلى الصلاح والإصلاح سوف تحرص على تفعيل أساليب التغيير الصادق، بفصل كلّ فاسدٍ من جسدها، والاحتفاظ بكلّ المقدّرات والموارد والطاقات، وتوجيه كلّ ما تراكم مِنْ منتوج العلوم والمكتشفات نحو وجهاتها الصحيحة بصفتها وسائل للنفع والعون وتلبية حوائج الخلق، وليس بصفتها وسائل للسطو والمكائد والمساومة والتهديد والاحتكار المتوحّش.
سنكون المتكفّلين بِالشقّ الدعوي للحقّ، ووحده الارتفاع بمستوانا العلميّ والمعرفيّ هو ما سيساعدنا على حُسْنِ التواصل، ويسهّل انغماسنا بين الشعوب المتقدّمة حضاريا حين تلتجئ إلينا لمزيدٍ من فهْمِ السلوك إلى الله وإتمام ما ينقصها. إنّ لغةَ العلم هي التي ستتكفّل بتسهيل تقاربنا، فنتعارف بدون أقنعة ولا وسائط، فتحصل الثقة في نوايانا وقِيَمِنا، وفي حقيقة دوافعنا وخططنا المعلنة، ويكون حينها بمستطاعنا تصحيح مفاهيم كثيرة قُلِبَتْ - عمْدا - رأسا على عقب، وإعادة الاعتبار إليها بأريحية.
دورنا سيكون أشبه بدور الخبير الذي يسعف الكمبيوتر بإنشاء برنامج مضادٍّ للفيروسات دون المساس بمكوّناته أو مسح برنامج بيئة تشغيله.
سوف لن نحتاج في هذه الملحمة الكبرى سوى إلى أن نكون قدوةً.
لن نحتاج إلى جيوشٍ ولا إلى أسلحة ولا أن نتحوّل إلى دولةٍ، ولكن حاجتنا الحقيقية هي في بلوغ القلوب والأرواح في كلّ مكانٍ بالانتشار والذيوع المحمود عبر الخدمة المخلصة للوطن، ورَكْمِ الطاقة الكافية التي ترفعه إلى رتبة المنارة المستنيرة التي لا تُخطئ موقعَها عينٌ مهما كانت بعيدة، وذلك لن يتمّ إلاّ باستغلال كلّ حقّ دستوري في البلاد لتسجيل حضورنا في كلّ ساحةٍ، ثمّ التموقع الشرعي القانوني فيها، مثل أصحاب الحقوق سواء بسواء.
فرصة النهوض بالأمانة الربانية اليوم، ثمّ غدا، مرتبطة بمدى نجاحنا في عرض طرحٍ مختلفٍ بديلٍ لِما كان سائدا، يُظهِر إمكانات ديننا الصحيحة في معالجة قضايا التعامل والتواصل والإصلاح إِظهارا فيه من الفرق ما يستقطب ويقنع ويخرج أشد الأرواح نفورا من دائرة الرفض المطلق للخطاب الديني إلى دائرة القابلية لسماعه. وهذا لا يتحقّق إلاّ بقدرتنا على إثبات ذلك بالدليل الملموس بعد تطبيقه في بلادنا بمقوّماته الإنسانية ليكون شاهدا عدْلا على ما ندّعيه، ويكون العيّنة الصالحة الجديرة بالتعميم، التي يطلبها الجميع.
بلادنا أوّلا .. الجزائر أوّلا.
هذا هو التغيير المثمر الذي ينادي به مولانا الخليفة رضي الله عنه. الهدف أن يكون النجاح الدنيويّ جِسْرَ عبورٍ للوصول إلى الله بأمانٍ، وقد كان، منذ أن أنزل الله الإنسان على الأرض، أسمى الأهداف التي خصّ بها الحق تعالى رسله وأنبياءه الكرام عليهم السلام.
فكل واحد منّا مسؤول في موقعه، وليعلم أنّ كلّ تقصير هو إساءة للمبدأ. إن كلّ منتسبٍ لهذه الطريقة يكون، تلقائيا، قد تطوّع بشيء من نفسه وتعهّد أنْ يستعمله في خدمة المبدأ كما يمليه واجب الانتماء. وأهمّ واجبٍ على الدوام هو الصدق في أداء المهمّة، والحرص على إتقانها بقدر المستطاع، تحت مراقبةٍ ذاتية ناشئة عن حبّ الله ورسوله والشيخ.
وتلك هي العبادة