نفحات77 - هذه الأمة - منطق الباطل
الرّئيسيـة > دراســات > منطـق البــاطــل

بقلم : محمود سلطاني 30/07/2023


توجد فئة عريضة من الناس في عالم اليوم تؤمن بوجود المخلوقات الفضائية Les extraterrestres، متقدّمة جدّا، وتسبقنا بآلاف السنين أو حتّى بالملايين منها.
ليس هذا فحسب.
بل ويؤمنون كذلك بأنّهم قد علموا بوجودنا وعرفونا منذ وقتٍ طويلٍ، وزاروا كوكبنا، وكان لهم نشاط فيه ثم غادروا تاركين بصماتٍ كثيرة باقية إلى اليوم.
لهذه الفئة روّادٌ وطليعة تطوّعتْ لحمل واجب النضال من أجل إثبات ما يسمّونه هُمْ: "نظرية الفضائيين الأقدمين" "La théorie des anciens astronautes"، وإن كانت لا ترقى حتّى إلى مستوى الـ"فرضية". وكلّ ما يردّدوه ولا يسأمون من إعادة التذكير به، هو أنّ الفضائيين اختفوا، ولا أحد يدري إن كانوا سيعودون مجدّدا، بل قد يكونون لا يزالون هنا في قواعد سرّية تحت الأرض أو في قلب الجبال، في انتظار موعدِ محتملٍ لمرحلةٍ أخرى من خططهم ليظهروا ثانية لتنفيذ شقٍّ جديد منها. وسواء عادوا من السماء أو نجموا من الأرض، فإنّ المؤكّد هو أنّ آثارهم ومواعيد تدّخلاتهم تدلّ على سموّ تفكيرهم وقوّة وسائلهم وعمق رؤيتهم وسعة استشرافهم وبُعد مراميهم مقارنة بنا، وأنّ مشاريعهم من الجدّية بما لا يمكننا فهمها حتّى الآن.
لقد تابعت هذا التيار منذ وقت، وشاهدت أكثر من 120 حلقة من سلسلة وثائقياتٍ بعنوان "نظرية الفضائيين" "Alien theory"، وأصبحت أعرف صفوة علمائهم، ومنهجهم في البحث، وخطّ فلسفتهم، ودعائم رؤيتهم الفكرية الثابتة. وهُم من أجل إثبات صحّة وجهتهم و"نظريتهم"، في حركة دائمة دائبة، وترحالٍ مستمرّ، وفي اجتماعات وملتقياتٍ في كلّ بقعة من العالم الغربي، ويجدون دائما من يموّل أسفارهم، ويلجؤون إلى الاستعانة بالعارفين من أهل كلّ منطقة، ويطلبون ملاقاة الخبراء في التاريخ والأنتروبولوجيا والأركيولوجيا والحفريات، ويلتمسون مباركة كلّ من مارس بحثا في هذا المجال، ولهم مجلّات دورية تتحدّث بلسانهم وتحمل آراءهم إلى مشارق الأرض ومغاربها، وإصدارات تعدّ بالمئات.
من أبرز أساتذتهم على الإطلاق في القرن الماضي والعصر الحاضر، السويسري "إيريك فان دونيكان" "Erich von Däniken"، والأذرابيجاني اليهودي "زكاريا سيتشين" "Zecharia Sitchin"، واليوناني "جورجيو تسوكالوس" "Giorgio A. Tsoukalos" والأمريكي "دافيد شيلدرس" "David H Childress" والأمريكية "ليندا مولتون" "Linda Moulton"، وغيرهم كثيرون، ويزدادون كثرة مع الوقت حسب المستجدّات من الأحداث والاكتشافات.
تقوم الفكرة أساسا على التناقض الذي فرضه واقع المنشآت القديمة الضخمة لأمم خلتْ وحضارات تاريخية أفلتْ مقابل أقصى ما بين أيادي أهل تلك العصور البدائية، أو العادية في أفضل الأحوال، من طاقة الوسائل للبناء أو لأيّ نشاط آخر. كان لا بدّ من تفسير منطقي لكلّ ما تحقّق في ظلّ طاقة لا تزيد عن الطاقة العضلية للإنسان أو الحيوان. يتعلّق الأمر بملايين قطع الصخر التي يزيد وزن الواحد منها عن عشرات الأطنان وأخذها إلى ارتفاعات عظيمة. وتتضاعف الحيرة حين تكون مقالع تلك الأحجار بعيدة عن ورشات العمل بمسافات كبيرة جدا. وما يزيد العجب عجبا، تلك الدقة المذهلة في قطع الصخور وحساب مواضعها التي لم ينل منها مرور مئات القرون وما جرى خلالها من عوامل طبيعية مختلفة، بل هي إلى الآن، في عصر الإلكترونيات والليزر والفحص بالرنين الصوتي، لا تزال تحتفظ بخصائصها وكأنّها بُنِيَتْ اليوم.
إنّ ما يجلب الانتباه في الأمر، أنّ تلك الأبنية مبثوثة في معظم بقاع الأرض بنفس الأحجام والأبّهة والطرائق، ما يدفع أنصار الفرضية إلى الاقتناع بتمتّع المشرفين على البناء بوسائل خارقة السرعة تطوي المسافات بين المحيطات والبحار والقارات لتستعمر وتُقيم حيث تشاء في أقصر وقتٍ.
هذه الغرائب هي التي أذكتْ قناعتهم إلى أقصى لهبها، وزوّدتهم بحماس منقطع النظير للبحث دون كلل عمّا يثبتون به صحة رؤيتهم. لقد اعتمد هؤلاء سياسة عدم التفريط في أيّ معلومة تقع بين أيديهم مهما كان مصدرها ومهما كان أثر السذاجة والعبثية ظاهرا عليها. بالنسبة لهم يستوي النص الديني، والخبر التاريخي المدوّن، والنبأ المروي بالسماع، والخرافة الوثنية بيّنة الشذوذ بمقاسات العقل، والصورة البدائية على جدران الكهوف أو في زاوية من زوايا جبلٍ أو تلّةٍ، ودفاعهم عن أنفسهم بخصوص تساهلهم في قبول ذلك هو أنّهم واثقون من قدرتهم على معالجة المعلومة التي تمّكنهم من فرز الصحيح من السقيم، واستخراج الحقيقة الأصلية من متن الخبر المحرّف بالاستنتاج. في رأيهم لا يوجد خبر خاطئ في حدّ ذاته، ولكن يوجد خبر أسيء التعبير عنه لسبب قاهر، وعلى الباحث الاجتهاد وتوسيع خياله لفهم القصد من وراء قصور التعبير. من بين قواعد التحليل الثابتة لديهم، أنّ المشاهدة العيانية لا تعني تساوي نقل الواقع بنفس القوّة من كلّ من حضر المشهد، لكن ذلك لا ينفي أنّ ما يخبر به الأدنى هو جزء من الحقيقة صاغها كما فهمها، فيكون في إسقاط جميع شهادات المتردّدين أو البسطاء خسارة كبيرة لا تقدّر بثمن.
إنّنا نتّفق معهم بأنّ وراء تشييد تلك الآيات من الأبنية سرّا.
لكنّنا لا نتفّق معهم في تفسير ذلك السرّ على الإطلاق، ولا مع منهجهم في البحث.
  1. لقد لاحظت أنّ القائمين على البرنامج لا يشركون معترضا عليهم أبدا، وكأنّهم غير واثقين من حججهم، أو أنّهم يكرهون أن يقتحم عليهم صاحبُ رأي مخالفٍ مجالسهم فيغرس فيهم الشك، وينغّص عليهم متعتهم بما يتخيّلون. لقد قالها شيخهم الأكبر مرّة في اجتماع لهم، ردّا عمّن يسفّه آراءهم: "كفّوا عن التمسّك بالعقلانية، فأنا لم أعد عقلانيا"، وهذا لا يستقيم مع المنهج العلمي الصحيح في تحرّي الممكن من الحقيقة. وتُسمَّى هذه الفرضية في الأوساط العلمية الرصينة بـ"العلم المُدلّس" أو الـ"علم الزائف" Pseudo-science.
    فالرجل الذي أعلن ضرورة التبرّإ من العقل لفهم وقبول الفرضية أعلن في نفس الوقت وقوفها على شفا الإفلاس، وافتقارها إلى ما يديمها كحقيقة علمية ثابتة، لها وجودها المستقل في عالم البشر. كأنّ الرجل كان ينفخ في أتباعه روح التمسّك بما يعلم يقينا أنْ ليس له من مقوّمات البقاء عنصرا.
  2. هو سرعة إغلاق دائرة الحكم وإصدار قرار صحّة الاستنتاج انطلاقا من ظاهر معْلمٍ أو نصِّ نبوءةٍ غامضةٍ يردّدها ساحرٌ في قبيلة من العراة يقيم قدّاسا من أجل وثنٍ، كما توارثوها عن أسلافهم قبل مئات الآلاف من السنين حين التقى الأوائل بالآلهة وأخبروهم بعودتهم في يومٍ مّا. هذا التساهل يرافقهم حين يقفون أمام الرسومات والجداريات في الكهوف والمعابد ويذهب بهم الخيال كلّ مذهبٍ في اكتشاف ألبسةٍ وخوذات لا يمكن أن تكون إلا لروّاد فضاء، وأساور تحيط بالمعاصم هي دون ريبٍ ساعاتٍ أو أجهزة اتّصال لا سلكية. وأذكر أنّهم هوّلوا الدنيا حين ظهر لهم من إحدى الرسومات ما يشبه الفضائي، ببذلته المعلومة لدينا اليوم، جالسا في مركبته ذات المعدّات المعقّدة، ويده على ذراع تشغيلٍ، وقدمه على دوّاسة، وقالوا أنّ هذه الهيئة لا يمكن أن تخطر على بال أهل تلك الفترة اعتباطا ومصادفة، وأنّ من رسمها كان ينقل ما رآه. لكن ما لا نفهمه، هو لماذا يُراد للفضائيين القادمين من مجرّات بعيدة أن تنطبق عليهم مواصفات الإنسان؟ لماذا يلبس الفضائي نفس بذلات طواقم روّاد الفضاء عندنا، وأنْ تخضع تكنولوجياتهم لنفس التصاميم لوكالات الفضاء على الأرض، فيكون لها أذرعٌ ودوّاسات وأزرار؟ وقد سخر كثير من النقاد من العلماء من هذا الاستنتاج المتسرّع لدرجة السذاجة التي يراد لها أن تنتشر في الناس على أنّها اكتشافات وحقائق. وقد رأيت بدوري تلك الصورة المشهورة، وقد كان فيها مخلوق يجلس في حيّز مغلقٍ، وهو مشغول بفعل شيء مّا، لكن لا دليل على أنّه يتأهّب لإقلاعِ أو هبوطِ مركبة فضائية.
    إنّ حرْقَ المراحل والاستغناء عن التدرّج لا يفيد ولا يليق عند البحث عن الحقيقةِ كاملةِ المراجعِ والمرجعياتِ، فكيف سيفيد في إيجادها في فرضياتٍ وهمية لا سند لها سوى ما يقترحه الهوى والأحاسيس الذاتية.
  3. إنّ أعضاء هذا النادي الغريب ينطلقون من فكرة الصدفة في وجود الحياة، ومن اقتراحات فرضية النشوء والانتخاب الطبيعي لشارل داروين. فَهُم لا يؤمنون بخالقٍ ولا بدينٍ، ولا تدخل الغيبيات في حساباتهم إلاّ بقدر ما لها من صلاتٍ بقضيتهم التي لا تتعدّى الحياة الدنيا. أمّا المعتقدات الدينية في حدّ ذاتها فهي مجرّد تجسيدٍ لتصوّراتٍ شخصية توحي بها أحداث موضوعية غير عادية تترك في روع كلّ من عاشها أثرا بليغا، يعبّر عنه كلّ واحد حسب ما لديه من قدرات التخيّل. الحقيقة عند هؤلاء لا تزال مجهولة من وراء سلاسل ستائر المفاهيم التقليدية المصفوفة التي تُزاح مع الزمن وتقترب رويدا من رؤيتها سافرة كما هي. في أجزاء حديثة من هذه السلسلة الوثائقية، أضافوا للجنريك عبارة تقول: (في مكانٍ مّا في الكون، يوجد ممرٌّ يؤدّي إلى الحقيقة، ويجعلنا نراجع كلّ ما علمناه. لسنا وحدنا، ولم نكن في يوم من الأيام كذلك). إنتهى الاقتباس.
    الذي لا شكّ فيه، أنّ ما يعنونه بمراجعة ما سبق من معارفنا، بعد تخطّي عتبة بوّابة الممرّ إلى الحقيقة المزعومة، هو اكتشاف زيف فكرة الألوهية والأديان والآخرة والجنة والنار التي تبنّتْها واعتنقتْها البشرية منذ أن وُجِدتْ، وأنّ الأمر لا يعدو كونه لقاءات من "الصنف الثالث" "Rencontres du 3eme type" نسبة إلى عنوان فيلم سينيمائي هوليوودي، يحكي عن لقاءاتٍ بين الإنسان ومخلوقاتٍ غير أرضية متقدّمة جدّا.
    يقول صاحبهم النشط "جورجيو تسوكالوس" في إحدى محاولاته لإثبات نزول الفضائيين الحتميّ على الأرض: (لا يمكن تفسير القفزة النوعية للإنسانية في المجال العقلي والفكري من مستوى البدائية الأقرب إلى الحيوانية والإقامة بالكهوف إلى مستوى حضاري راقٍ في ظرف فترة قصيرة لا تزيد على آلاف من السنين لا تتعدّى أصابع اليد الواحدة، تمّتْ خلاله اكتشافاتٍ عبقرية في كلّ العلوم، لا يمكن تفسير ذلك إلاّ بتدخّلٍ مّا، ساهم في تفعيل وظيفة المخّ فسرّع عملية التطوّر الخاضعة للمقاييس الطبيعية البطيئة. تلك الأيادي الممتدّة لإعانة الإنسان في طيّ الأحقاب واختصارها إلى قرون قليلة، هي، بلا ريب، أيادي الفضائيين السبّاقين إلى اكتساب المعرفة والتقنيات والتكنولوجيا). إنتهى قوله بتصرّف.
    ولعلْم القارئ الكريم، فإنّ ظاهرة الفضائيين والصحون الطائرة منتشرة بكثرةٍ بين الناس، وخاصة في الدول المتقدّمة ماديّا. بالرغم من هذا الاهتمام البالغ من ملايين البشر، لم تُعرض علينا، إلى يومنا الحالي، صورة واحدة واضحة لمركبةٍ فضائيةٍ أو لمخلوق فضائيّ أخضر أو رمادي كما يصفونهم. الصور ومقاطع الفيديو متوفّرة بالملايين، لكنها كلّها ضبابية لا يظهر فيها شكلٌ واضحٌ لأيّ شيء، فضلا عن أن تصلح لتكون دليلا على أي ظاهرة. أو أنّها صورٌ لنقاطٍ تضيء ليلا في سماء مدينةٍ أو ريفٍ، منها الكبير ومنها ما هو دون ذلك، لا فرق بينها وبين أضواء طائرة تهمّ بالهبوط أو طوّافة (هليكوبتر) عابرة.
    نفس الشيء نلقاه في بعض الوثائقيات التي يلاحق أصحابها مخلوقاتٍ غريبة مزعومة في بحيرات كوحش "بحيرة لوخ نس" " Loch Ness Monster" في اسكوتلندا، أو إنسان الغابة العملاق المدعو "القدم الكبيرة" "Bigfoot"، يكرّرون أمامنا عرض نفس الصور كأنّ الدخان قد غشيها، وينتهي الشريط فلا يزيد بداخل المشاهد سوى إبهاما وبلادة.
    الغريب أنّ تلك الظواهر لا توجد إلاّ في الدول الغربية وبإسراف. فلا فضائيين ولا أطباق طائرة ولا وحوش في أفريقيا أو العالم العربي أو دول آسيا وأمريكا المتخلّفة. ثمّ، أيُعقل أن الذين صوّروا كواكب المجموعة الشمسية بوضوح من عطارد إلى نبتون، وداوموا وقاوموا لسنوات وراء كاميرات المسابير ذات الجودة العالية في التصوير لرصد تحرّكات نجمٍ أو انفجاره، أنْ يعجزهم تصوير مخلوقٍ في بحيرةٍ أو غابةٍ أو في أيّ حيّز ضيق من فضاء الأرض مهما كانت قدرته على التخفّي والتفلّت من عين العدسات والفضوليين؟ أليسوا هُم من يهدّدنا بدقّة وقدرة أقمارهم الصناعية التي بوسعها تصوير نملةٍ على صخرةٍ صمّاء في ليلةٍ شديدة الظلمة؟
    الهدف من وراء هذا العجز المصطنع هو التعتيم لخلق أجواء ينتعش فيها الشك دون أن يصل إلى درجة اليأس البيّن حتّى يطول وقت إلهاء الناس عمّا يراد تمريره تحت غطاء تلك الفرقعات الإعلامية الكاذبة، والتي يزيدون فيها حسب ما تقتضيه ضرورة صرفِ الأنظار عن المخفيات. ذلك من عمل الشيطان وأعوانه من ثلّة بشرية منتخبة توفّر لها من سائل الضلال المادي والفكري ومن علوم ما وراء الطبيعة، كالسحر وصيغٍ من تعاويذِ تطويع الجنّ، يظهرون بواسطتها ما يحرّك بداخل الناس جدوى ملاحقة الظاهرة الغامضة بحجّة الاطّلاع وكسْب المعرفة، ويتركونهم يموجون في حلقةٍ مفرغة كالقابض على الريح، ولا يتدّخلون إلاّ حين يبدو على جذوة حماسهم الذبول، حينها يخرجون إليهم نتفة برّاقة من جديد الموضوع يعيد لليائسين أمل إيجاد الماء في السراب.
    في قناعتي الشخصية، فإنّ خبر زيارة الفضائيين لأرضنا هو أيضا من حبائل الشيطان لكن بهيئة مختلفة منمّقة وجذّابة. هي محاولةٌ إضافيةٌ في ابتكار سبل الضلال، وصفحةٌ من كتاب تصاميم الكفر بالله تعالى بيد فئاتٍ مفسِدة للفطرة والتوحيد، كُلِّفَ بإنجازها وإخراجها مَن لا هدف لهم في الحياة سوى الانتفاع بالأموال ومتعة الشهرة، وإنّ لكلّ شيطان من هذا الحزب دوافعه ووقوده الخاص الذي يحرّكه.
    أقول ما أقول دون تردّد لأنّي لاحظتُ، بعد طول مشاهداتي لها، أنّ الاستثناء الوحيد في منهج جمْع المعلومات المعتمد هي النصوص الإسلامية. من خلال الكم الهائل الذي تابعته منها، لم يتطرّق القائمين على إعداد البرنامج إلا مرّتيْن، إن لم تخنّي الذاكرة الآن وأنا أكتب مقالي. مرّة حين تحدّثوا عن اجتماع سيّدنا رسول الله صلّى الله عليه وسلّم بسيّدنا جبريل عليه السلام في غار حراء، وقال قائلهم بأنّ جبريل ليس إلاّ مخلوقا فضائيا. أمّا المرّة الثانية، فكانت عند الحديث عن المعالم الخاصة في الأرض التي، على ما يظهر لهم من التجربة أنّها نقاط مفضّلة لدى الفضائيين، وقد تكون مناسبة لهم بما تركّز فيها من طاقة تعينهم في مهامّهم. وكانت الكعبة المشرفة والحجر الأسود من بين تلك الأماكن.
    كانت إشارات مقتضبة لا تدوم إلا لثوانٍ ثم يمرّون إلى غيرها.
    وغيرها هو كلّ طللٍ وكلّ خبر وكلّ أسطورة يَرِدُ ذكرها في كتب الأمم الماضية، يطيلون تحليل مشاهدها دون تمحيص وكأنّ لديهم ضمانة بعصمتِها، بينما هي لا تزيد عن قصص خرافي وثني تتعدّد فيه الآلهة، ومن ضمنها آلهة للشرّ، وتتحارب ويُفني بعضها البعض بالنار والسحر والمكائد. يقع ذلك بين السماء والأرض على مرأى ومسمع من الناس، وكأنّهم يتفرّجون على فصول مسرحية تراجيدية.
    ولو كانوا حقّا صادقين في تحرّي الحق في الظاهرة لعاملوا النص القرآني والنبوي الشريف بنفس معاملة التوراة والإنجيل، ولو على سبيل المقارنة بين أخبار الكتب السماوية التي تشترك جميعها في ذكر ساداتنا الأنبياء والرسل وكثير من الأحداث الواقعة في عصورهم. لكنّهم يتجاهلون خبر القرآن ولو كان مفصّلا، مثل ما حادثة الطوفان زمن سيّدنا نوح عليه السلام، ومآسي بني إسرائيل مع فرعون وانتقام الله منه، وعلاقات سيّدنا سليمان، عليه السلام، مع الإنس والجنّ والطير والنمل. ومن الطبيعي أنّهم يتجاهلوها لأنّ إقحامها في الموضوع كان سيهدم كلّ الباطل الذي هيّأوه لتجديد سبل الغفلة وإلهاء خلق الله عن رؤية الحق والطريق المؤدية إليه.
    وحتى لا أتَّهَم بالمبالغة، سأنقل للقارئ الموضوعي بعض تفاصيل صورة الحجر الأسود في البيت الحرام التي رافقت التعليق في الحصة. من بين ملايين صور الطائفين حول الكعبة والمقبّلين للحجر الأسود المقدّس، لم يعرضوا سوى صورة يظهر فيها السيد إسماعيل هنيّة، وأخرى للسيّد محمود الزهار، وهُما قائدان من قادة منظمة حماس الإسلامية الفلسطينية المقاومة للاحتلال الصهيوني. لم يختاروا أئمة الوهّابية مثل ابن باز أو آل الشيخ، ولكنّهم ركّزوا على من نذر حياته من أجل تحرير بلاده لإقناع المشاهد الغربي أكثر بارتباط الإسلام بالإرهاب وزعمائه كما تعوّدوا وصف كلّ مجاهد فلسطيني من أيّ فصيل كان. ثمّ يسهل بعد ذلك إقناع الرعاع، منزوعي الشخصية، بأنّ الأديان كلّها ليست سوى تفسيرات خاطئة لواقعٍ، صدرتْ عن عقولٍ لم تنل حظّها من الكمال. أنظروا! حتّى في برنامج لا صلة له بالاستعمار ولا بالإرهاب ولا بالثورات ولا حتّى بشؤون الحياة المعاصرة، زجّوا بالدسيسة الخسيسة علّها تضيف عبدا فاسدا إلى معسكرهم.
    فهل من مثل هؤلاء تُنْشَدُ الحقيقة؟
والتفسير الذي أميل إليه بخصوص خوارق البنايات والمنشآت والأهرامات والمعابد، هو استعمال السحر وتسخير الشياطين ومردة الجان لحمل ما يتعدّى وزنه طاقة الآلاف من الرجال في وقت واحد، وتسريع إنجاز مرافق وقصور في كلّ بقع المعمورة مهما باعدت بينهما المسافات والموانع الجبّارة كالمحيطات والجبال والقفار كما ذكرنا في أوّل هذا البحث. والهدف كان من ضمن خطط الغواية الشيطانية ضدّ ابن آدم، كما صرّح ووعد وتحدّى أمام المولى جلّ وعلا. الأمر يتعلّق بمهمّة حملها إبليس اللعين وذريّته وجنوده وتفانوا في أدائها دون كلل وإلى آخر لحظة في عمر الدنيا.
قال المولى جلّ وعلا في محكم تنزيله: وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيباٗ مَّفْرُوضاٗ ١١٧ وَلَأُضِلَّنَّهُمْ وَلَأُمَنِّيَنَّهُمْ وَلَأٓمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتِّكُنَّ ءَاذَانَ اَ۬لَانْعَٰمِ وَلَأٓمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيِّرُنَّ خَلْقَ اَ۬للَّهِۖ وَمَنْ يَّتَّخِذِ اِ۬لشَّيْطَٰنَ وَلِيّاٗ مِّن دُونِ اِ۬للَّهِ فَقَدْ خَسِرَ خُسْرَاناٗ مُّبِيناٗۖ ١١٨ يَعِدُهُمْ وَيُمَنِّيهِمْۖ وَمَا يَعِدُهُمُ اُ۬لشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُوراًۖ. (النساء).
وقال: وَإِذْ قُلْنَا لِلْمَلَٰٓئِكَةِ اِ۟سْجُدُواْ لِأٓدَمَ فَسَجَدُوٓاْۖ إِلَّآ إِبْلِيسَ قَالَ ءَآسْجُدُ لِمَنْ خَلَقْتَ طِيناٗۖ ٦١ قَالَ أَرَٰٓيْتَكَ هَٰذَا اَ۬لذِے كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنَ اَخَّرْتَنِۦٓ إِلَىٰ يَوْمِ اِ۬لْقِيَٰمَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُۥٓ إِلَّا قَلِيلاٗۖ ٦٢ قَالَ اَ۪ذْهَبْ فَمَن تَبِعَكَ مِنْهُمْ فَإِنَّ جَهَنَّمَ جَزَآؤُكُمْ جَزَآءٗ مَّوْفُوراٗۖ ٦٣ وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اِ۪سْتَطَعْتَ مِنْهُم بِصَوْتِكَ وَأَجْلِبْ عَلَيْهِم بِخَيْلِكَ وَرَجْلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِے اِ۬لَامْوَٰلِ وَالَاوْلَٰدِ وَعِدْهُمْۖ وَمَا يَعِدُهُمُ اُ۬لشَّيْطَٰنُ إِلَّا غُرُوراًۖ ٦٤ اِنَّ عِبَادِے لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَٰنٞۖ وَكَف۪ىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلاٗۖ. .(الإسراء)
والدليل على أنّها كلّها من مقوّمات الباطل، اعتراف مناصري تلك الفرضية باختفاء الذين أقاموا تلك الحضارات فجأة (وأركّز على كلمة فجأة) دون أن يتركوا وراءهم إشارة أو تلميحا إلى ما حلّ بهم. يعترفون بأن في كثير من بقايا حضارتهم ما يثبت عدم اكتمالها في الوقت الذي تشهد فيه الأجزاء المكتملة بالدقة والإتقان ما يعكس الثقة التي كانت سائدة حينها بين أهل الديار في المستقبل، ودرجة الشعور بالأمان والرخاء والنوم في عسل الأمل إلى أقصى الحدود. وعادة ما يكون مِن بين ما لم يكتمل، الكثير من التماثيل والأوثان.
نحن نعلم، بالحقيق، أنّ ما حاق بتلك الأمم هو إصابتهم بعذاب إلهيّ بسبب تماديهم في الكفر بالله تعالى وتكذيبهم لرسل الله، عليهم السلام، إليهم. قال تعالى:
وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ إِلَّا رِجَالاٗ يُوح۪ىٰٓ إِلَيْهِم مِّنَ اَهْلِ اِ۬لْقُر۪ىٰٓۖ أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِے اِ۬لَارْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ اُ۬لذِينَ مِن قَبْلِهِمْۖ وَلَدَارُ اُ۬لَاخِرَةِ خَيْرٞ لِّلذِينَ اَ۪تَّقَوَاْۖ اَفَلَا تَعْقِلُونَۖ ١٠٩ حَتَّىٰٓ إِذَا اَ۪سْتَيْـَٔسَ اَ۬لرُّسُلُ وَظَنُّوٓاْ أَنَّهُمْ قَدْ كُذِّبُواْ جَآءَهُمْ نَصْرُنَا فَنُۨجِے مَن نَّشَآءُۖ وَلَا يُرَدُّ بَأْسُنَا عَنِ اِ۬لْقَوْمِ اِ۬لْمُجْرِمِينَۖ (يوسف.)
وقال: أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِے اِ۬لَارْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ اُ۬لذِينَ مِن قَبْلِهِمْ كَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةٗ وَأَثَارُواْ اُ۬لَارْضَۖ وَعَمَرُوهَآ أَكْثَرَ مِمَّا عَمَرُوهَا وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَٰتِۖ فَمَا كَانَ اَ۬للَّهُ لِيَظْلِمَهُمْۖ وَلَٰكِن كَانُوٓاْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَۖ ٨ ثُمَّ كَانَ عَٰقِبَةُ اُ۬لذِينَ أَسَٰٓـُٔواْ اُ۬لسُّوٓأ۪ىٰٓ أَن كَذَّبُواْ بِـَٔايَٰتِ اِ۬للَّهِ وَكَانُواْ بِهَا يَسْتَهْزِءُونَۖ ٩ اَ۬للَّهُ يَبْدَؤُاْ اُ۬لْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُۥ ثُمَّ إِلَيْهِ تُرْجَعُونَۖ ١٠ وَيَوْمَ تَقُومُ اُ۬لسَّاعَةُ يُبْلِسُ اُ۬لْمُجْرِمُونَ ١١ وَلَمْ يَكُن لَّهُم مِّن شُرَكَآئِهِمْ شُفَعَٰٓؤُاْ وَكَانُواْ بِشُرَكَآئِهِمْ كٰ۪فِرِينَۖ. (الروم).
وقال: فَهَلْ يَنظُرُونَ إِلَّا سُنَّتَ اَ۬لَاوَّلِينَۖ فَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اِ۬للَّهِ تَبْدِيلاٗۖ ٤٣ وَلَن تَجِدَ لِسُنَّتِ اِ۬للَّهِ تَحْوِيلاًۖ ٤٤ اَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِے اِ۬لَارْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ اُ۬لذِينَ مِن قَبْلِهِمْ وَكَانُوٓاْ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةٗۖ وَمَا كَانَ اَ۬للَّهُ لِيُعْجِزَهُۥ مِن شَےْءٖ فِے اِ۬لسَّمَٰوَٰتِ وَلَا فِے اِ۬لَارْضِۖ إِنَّهُۥ كَانَ عَلِيماٗ قَدِيراٗۖ . (فاطر)
وقال: أَوَلَمْ يَسِيرُواْ فِے اِ۬لَارْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ اُ۬لذِينَ كَانُواْ مِن قَبْلِهِمْۖ كَانُواْ هُمُۥٓ أَشَدَّ مِنْهُمْ قُوَّةٗ وَءَاثَاراٗ فِے اِ۬لَارْضِ فَأَخَذَهُمُ اُ۬للَّهُ بِذُنُوبِهِمْۖ وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ اَ۬للَّهِ مِنْ وَّاقٖۖ ٢١ ذَٰلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانَت تَّاتِيهِمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَٰتِ فَكَفَرُواْ فَأَخَذَهُمُ اُ۬للَّهُۖ إِنَّهُۥ قَوِيّٞ شَدِيدُ اُ۬لْعِقَابِۖ ٢٢ وَلَقَدَ اَرْسَلْنَا مُوس۪ىٰ بِـَٔايَٰتِنَا وَسُلْطَٰنٖ مُّبِينٍ ٢٣ اِلَىٰ فِرْعَوْنَ وَهَامَٰنَ وَقَارُونَ فَقَالُواْ سَٰحِرٞ كَذَّابٞۖ ٢٤ فَلَمَّا جَآءَهُم بِالْحَقِّ مِنْ عِندِنَا قَالُواْ اُ۟قْتُلُوٓاْ أَبْنَآءَ اَ۬لذِينَ ءَامَنُواْ مَعَهُۥ وَاسْتَحْيُواْ نِسَآءَهُمْۖ وَمَا كَيْدُ اُ۬لْكٰ۪فِرِينَ إِلَّا فِے ضَلَٰلٖۖ. (غافر)
وقال: أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِے اِ۬لَارْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ اُ۬لذِينَ مِن قَبْلِهِمْۖ كَانُوٓاْ أَكْثَرَ مِنْهُمْ وَأَشَدَّ قُوَّةٗ وَءَاثَاراٗ فِے اِ۬لَارْضِ فَمَآ أَغْن۪ىٰ عَنْهُم مَّا كَانُواْ يَكْسِبُونَۖ ٨١ فَلَمَّا جَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم بِالْبَيِّنَٰتِ فَرِحُواْ بِمَا عِندَهُم مِّنَ اَ۬لْعِلْمِۖ وَحَاقَ بِهِم مَّا كَانُواْ بِهِۦ يَسْتَهْزِءُونَۖ ٨٢ فَلَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا قَالُوٓاْ ءَامَنَّا بِاللَّهِ وَحْدَهُۥ وَكَفَرْنَا بِمَا كُنَّا بِهِۦ مُشْرِكِينَۖ ٨٣ فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمُۥٓ إِيمَٰنُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَاۖ سُنَّتَ اَ۬للَّهِ اِ۬لتِے قَدْ خَلَتْ فِے عِبَادِهِۦۖ وَخَسِرَ هُنَالِكَ اَ۬لْكَٰفِرُونَۖ (غافر).
وقال: أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِے اِ۬لَارْضِ فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَٰقِبَةُ اُ۬لذِينَ مِن قَبْلِهِمْ دَمَّرَ اَ۬للَّهُ عَلَيْهِمْۖ وَلِلْكٰ۪فِرِينَ أَمْثَٰلُهَاۖ (محمد).
وأذكر أنّهم في حصة من حصص البرنامج، أعلنوا أنّ علماء الآثار اكتشفوا نوعا من البلورات الشبيهة بالزجاج منتشرة على أرض بعض أطلال أمّة قديمة، وبعد تحليلها تبيّن لهم أنّ مثل هذه البلورات لا يمكن أن تتكوّن إلا في بوتقة ذات حرارة عالية جدّا، ولا يحدثها على الأرض سوى انفجار ذرّي، يتحوّل التراب تحت لهبه إلى زجاج. فطار أنصار الباطل من الفرح، وقالوا بملء الفم: "ألم نقل لكم أنّ هذا علمٌ لا يمكن أن يكون إلاّ بحوزة موجودات غريبة عن الأرض؟ فأنّى لبشرِ ذلك الزمان بانفجار ذريّ أو ما يقترب منه؟".
والحقيقة، كما تعلّمناها من ديننا الإسلامي، أنّ الله لم يجعل في سننه المتواترة السارية في أقطار الأرض وبين الخلق ما يخلّ بالحياة ولا بالبيئة أبدا فضلا عن أن يُبِيدَها ويحوّل ترابها إلى زجاج، بما في ذلك الكوارث الطبيعية الكبرى مثل البراكين والزلازل. ولا يوجد سوى استثنائيْن للقاعدة من وقت لآخر، الأول حين ينتقم الواحد القهّار من أعداء دينه الحق لمّا يتجبّرون ويحاولون قطع الطريق أمام من يخالفهم من المؤمنين، والثاني أثناء تفجير نووي من صنع المخلوق البشريّ الذي يفترض فيه أن يكون إنسانا عبدا لربّه، لكنه كفر به واغترّ بما أوتي من العلم القليل. فما يسمّيه أصحاب الفرضية تدخّلا من الفضائيين، نجزم نحن بأنّه تدخّلٌ ربّانيّ لقطع دابر فئة مفسدة بعد طول إمهال.
بصفتنا مسلمين، فإنّ تلك الخوارق لا تذهلنا أبدا ما دمنا نعرف، أوّلا، الطاقة الطبيعية لمن يقوم بها، ثمّ، ثانيا، بيدِ مَن هي. وفي الأخير، فإنّنا حين ننكر ما يدّعيه مناصري فكرة زيارة الفضائيين في فترة مّا للأرض واختلاطهم بالبشر، وتحسين نسلهم بالتحوير العلمي للشريط الوراثي، وحتّى بالتزاوج، فإنّنا لا ننكر إمكان وجود مخلوقاتٍ في مكانٍ مّا في الكون الواسع متنوّع المكوّنات والتراكيب، لكن ما نؤمن به هو أنّها مخلوقات أوجدها الله، ويجري عليها ما تختاره لها المشيئة الإلهية من شؤون، وليس ما يحاول البعض فرْضَه علينا.
ننكر الفكرة لأنّها منحوتة بمقاييس ذاتية لا تخفَى فيها محاباة الميول الشخصي، والاستدراج البائس للتأثير على الغير بالتدليس والتحريف واستغلال شهرة أصحاب الشهادات والاختصاص.
ننكر الفكرة لأننا لا نلمس في سلوك أصحابها إقبالا جادّا يبرز من ورائه التفعيل البريء التلقائي لكلّ أدوات البحث عن الحقيقة الذي يزوّدنا بجرعة أملٍ موضوعيّ في جدوى ما ننفقه من جهد ووقت في ورشة مشتركة برفقتهم.
ما نضح من نواياهم كان كافيا لاتّخاذ موقفٍ معارضٍ منذ اللحظة الأولى، وكان دافعا قويّا لتنبيه إخوة الدين والإيمان بشأن ما يزيّن ظاهر سُورِهِم من الرحمة، وما يخفي في باطنه من عذابٍ وشرّ مستطير.
ويبقى الاطّلاع الدائم هو أفضل طريقة لاكتشاف الباطل المدسوس في مسوح الحق ثمّ كشْفِه ليكون خير مُعينٍ على اليقظة للجميع.
والله ورسوله أعلم وأحكم.